غريبةٌ في مرآتي | مسرح الذاكرة المفقودة
مسرح الذاكرة المفقودة
.........
قضت نايا ليلتها في مراقبة تلك الصورة التي جمعتها بـ "سما". كانت تتلمس ملامح وجهها في الصورة، تبحث عن زاوية، عن شعرة واحدة توحي بأن الصورة مزيفة أو مركبة، لكن كل شيء كان يبدو طبيعياً لدرجة مرعبة. الابتسامة العفوية، لمعة العينين، وحتى الخلفية التي بدت وكأنها رصيف بحر مدينتهم القديم.
أغمضت عينيها وهي تضغط على جبهتها بقوة، وكأنها تحاول استنطاق خلايا دماغها لتسترجع لحظة واحدة من ذلك اليوم، لكن الذاكرة كانت كالصحراء القاحلة، لا صدى فيها ولا أثر.
في الصباح، كانت الجامعة تبدو كغابة من الأعين. شعرت نايا أن كل من يمر بها يعرف سرها، أو ينتظر منها أن تتحول فجأة إلى تلك الفتاة الأخرى. توجهت بخطى مترددة نحو المسرح الجامعي؛ تلك البقعة التي كانت تتجنبها دائماً لصخبها وضجيجها، لكنها اليوم كانت مدفوعة بقوة خفية، رغبة في تكذيب الفيديو الذي رأته بالأمس.
كانت خشبة المسرح غارقة في أضواء خافتة، ورائحة الخشب العتيق والدهانات تملأ المكان. في الوسط، وقفت سيلين توزع الأدوار على مجموعة من الطلاب، بينما كان رامي يجلس في الصف الأول من مقاعد الجمهور، يراقب كل شيء بنظرات ملكية.
"وصلت البطلة!" صاح رامي وهو يصفق ببرود لم يصل إلى عينيه.
تراجعت نايا خطوة: "أنا لستُ بطلة يا رامي. جئتُ لأقول لك إنني لن أشارك في هذا العبث. الفيديو الذي رأيته بالأمس.. لا بد أن هناك تفسيراً له، لكنه لا يعني أنني أستطيع التمثيل."
اقتربت سيلين منها، وكانت ترتدي ثوباً أسود طويلاً يزيدها وقاراً وغموضاً. وضعت يدها على كتف نايا وهَمست: "التمثيل ليس أن تحاولي أن تكوني شخصاً آخر يا نايا، التمثيل هو أن تخرجي الشخص الذي تخفينه في أعماقكِ. والآن.. خذي هذا النص، واقرئي المشهد الثالث."
"قلتُ لا!" صرخت نايا، وصداها يتردد في أركان المسرح الصامت.
لكن رامي نهض بهدوء، واقترب من خشبة المسرح، ثم قال بنبرة جافة: "إذا كنتِ خائفة، فهذا يؤكد ما قاله الجميع عنكِ دائماً.. أنكِ مجرد ظل باهت، فتاة لا تمتلك الجرأة لتعيش حياة حقيقية. سما لم تكن تخاف، كانت تواجه الضوء بابتسامة."
استفزتها المقارنة كالعادة. كانت كلمة "سما" كالسوط الذي يجلد كبرياءها. انتزعت الأوراق من يد سيلين بعنف، وصعدت إلى خشبة المسرح. شعرت ببرودة الخشب تحت قدميها، وبثقل الأضواء فوق رأسها.
فتحت الأوراق، وبدأت تقرأ المشهد بصوت مهتز في البداية: "أنا لستُ خائنة.. أنا فقط أبحث عن وجهي الذي سرقتموه مني.."
"أعطِنا روحاً أكثر!" صاح رامي من الأسفل.
أغمضت نايا عينيها، وتذكرت القلادة الذهبية، الصورة الغامضة، الوشاح الأحمر، وذلك الصوت الذي سمعته في عقلها بالأمس. وفجأة، حدث شيء غريب. شعرت بحرارة تسري في جسدها، وتغيرت نبرة صوتها تماماً. انفتحت عيناها، لكنها لم تكن تنظر إلى رامي أو سيلين، كانت تنظر إلى فراغ بعيد.
بدأت تتحرك على المسرح بخفة لم تعهدها، وصوتها بات يخرج عميقاً، مشحوناً بصدق يمزق القلوب: "لقد صنعتم مني دمية، وألبستموني ثياب غيابكم، والآن تريدون مني أن أصدق أنني أنا؟ من منكم يجرؤ على النظر في عيني ورؤية الحقيقة؟"
ساد صمت مطبق في القاعة. حتى سيلين توقفت عن الحركة، ورامي ظل شاخصاً ببصره نحوها بذهول. لم تكن نايا تمثل، كانت وكأنها تصرخ بآلامها الشخصية من خلال كلمات النص.
عندما انتهى المشهد، سقطت الأوراق من يدها، وعاد الدوار ليجتاح رأسها. شعرت وكأن شيئاً ما قد غادر جسدها للتو، تاركاً إياها خاوية ومرتعشة.
"مذهل.." همس رامي وهو يقف ببطء. "حتى سما لم تكن تؤدي هذا المشهد بهذه القوة."
"أريد الذهاب.." قالت نايا بصوت مخنوق وهي تنزل من المسرح مسرعة، متجاهلة نداءات سيلين.
خرجت إلى الحديقة الخلفية للجامعة، حيث الأشجار الكثيفة التي تمنح نوعاً من الخصوصية. كانت تتنفس بصعوبة عندما وجدت ياسين يجلس على مقعد حجري، يدوّن شيئاً في دفتره.
لم تتردد هذه المرة، ذهبت إليه وجلست بجانبه. "ياسين.. أنا خائفة. لقد فعلتُ ذلك ثانية. وقفتُ على المسرح وتحدثتُ بكلام لا أعرف كيف خرج مني. شعرتُ وكأن هناك شخصاً آخر يحرك حبال حنجرتي."
أغلق ياسين دفتره ببطء، ونظر إليها بعينين تحملان الكثير من الأسى. "المسرح هو المكان الذي تسقط فيه الأقنعة لتظهر أقنعة أخرى أكثر إتقاناً يا نايا. رامي وسيلين ليسا مجرد صديقين، هما يمارسان نوعاً من الغزو النفسي عليكِ. هما يريدان استحضار سما من خلالكِ، وعندما تستجيبين، فإنكِ تغذين هذا الوهم."
"لكن الصورة؟ القلادة؟ الفيديو؟ كيف يمكن لـ وهم أن يمتلك أدلة مادية؟" سألت بمرارة.
صمت ياسين للحظة، ثم قال جملة جعلت الدماء تتجمد في عروقها: "الأدلة المادية سهلة الصنع لمن يمتلك الوسائل، لكن الذاكرة هي الحصن الوحيد. إذا كنتِ لا تتذكرين الصورة، فربما لأنها لم تحدث، أو لأنهم جعلوكِ تعيشينها وأنتِ غائبة عن الوعي بطريقة ما."
"ماذا تقصد؟"
"هناك أنواع من الضغوط الاجتماعية تجعل العقل يهرب نحو الفقدان الجزئي للوعي. ربما يضعون لكِ شيئاً في قهوتكِ، ربما يمارسون عليكِ نوعاً من الإيحاء المستمر. انظري حولكِ، هل تلاحظين كيف يراقبونكِ دائماً؟"
التفتت نايا خلفها، فرأت سيلين تقف بعيداً، تراقب حديثها مع ياسين وهي تمسك بهاتفها وتتحدث مع شخص ما.
عادت نايا إلى المنزل، لكنها هذه المرة لم تذهب إلى غرفتها. توجهت إلى غرفة المكتبة الصغيرة الخاصة بوالدها الراحل. كانت تبحث عن شيء محدد، سجل قديم للعائلة أو صوراً من طفولتها.
وبينما كانت تقلب في الأدراج، وجدت ملفاً قديماً مخبأً خلف الكتب. فتحته لتجد فيه قصاصات من جرائد قديمة تعود لعشر سنوات مضت. كان الخبر الرئيس في إحدى القصاصات يقول: "اختفاء غامض لطفلة في العاشرة من عمرها بحديقة المنتزه".
كانت هناك صورة للطفلة المختفية. لم تكن نايا، ولم تكن سما. كانت طفلة ثالثة ملامحها تبدو مألوفة بشكل غريب. وفي أسفل القصاصة، وجدَت تعليقاً مكتوباً بخط يد والدتها: "ليتني استطعتُ حمايتكِ من هذا المصير".
في تلك اللحظة، رن جرس الباب. ذهبت نايا لتفتح، لتجد طرد صغير موضوع أمام الباب. فتحته بفضول مشوب بالحذر، لتجد بداخله دفتر صغير مغلفاً بالجلد الأسود.
فتحت الصفحة الأولى، لتجد عبارة واحدة مكتوبة باللون الأحمر القاني:
"أهلاً بكِ في عالمي يا نايا.. أنا لستُ ميتة، أنا أسكن فيكِ الآن."
وكان التوقيع في نهاية الصفحة: سما.
تحطمت كل قوى نايا، وسقطت على الأرض وهي تضم الدفتر إلى صدرها، بينما كانت ضحكات رامي وسيلين تتردد في خيالها كأنها صدى لمؤامرة بدأت خيوطها تنسج حول عنقها كحبل المشنقة.