اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رهان القلوب | الصمت

جاري التحميل...

الصمت

"هل يكفي أن تنجو من النيران، لتكتشف أنَّ حياتك بأكملها كانت مجرد حبرٍ على ورق في ميثاقٍ لم توقعه؟" تبدأ الحكاية بصرخةٍ وسط ألسنة اللهب، وينتهي بها المطاف في سراديبِ المنظمات التي تحكمُ العالم من خلفِ الستار. ليلى، الوريثة التي ظنت أنها فقدت كل شيء، تجد نفسها فجأة في قلبِ لعبةٍ كبرى، حيثُ القلوبُ عُملةٌ رخيصة، والحقيقةُ ثمنُها الموت. وفي الظلال، يقفُ عمر؛ الرجلُ الذي اتخذَ من الصمتِ درعاً ومن الذكاء الاستراتيجي سلاحاً. لم يكن لقاؤهما صدفة، بل كان اصطداماً بين جبلينِ من الأسرار. بين مطارداتِ شوارع "فلورنسا" الضيقة، وهدوءِ جبال سويسرا القاتل، ورحلة العودة إلى أطلال القاهرة.. يبحثان عن "الميثاق" الذي دمّر عائلاتهما. رحلةٌ ليست للبحث عن الكنز، بل للبحث عن أنفاسهما وسط ركامِ الخيانة. فهل يمكنُ لقلبينِ صُهرا في نارِ الغدر أن يمرسا مرفأ السلام؟ أم أنَّ خفايا الماضي ستظلُّ تطاردهما حتى النفس الأخير؟"

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت المدينة في ذلك المساء تلتحف بضباب رمادي كثيف، يزحف من جهة البحر ليتسلل بين أزقة الشوارع العتيقة. في أعلى طابق من برج "الجندي" الشاهق، كان الصمت يسود المكتب الواسع إلا من صوت تكتكة منتظمة لساعة حائط ألمانية قديمة.

يقف عمر الجندي أمام النافذة الزجاجية العملاقة، يراقب أضواء المدينة التي تبدو من علوّ كحبات لؤلؤ منثورة فوق مخمل أسود. كان قوامُه المديد، ببدلته السوداء ذات التفصيل الإيطالي الدقيق، يشي بصرامة عسكرية لم يتخلَّ عنها يومًا. يدُه اليمنى، المغطاة دائمًا بقفاز جلدي أسود رقيق، كانت تضغط برفق على حافة المكتب.


"سيدي، الوفد الإيطالي يصرّ على حضور مأدبة العشاء غدًا بصبغة عائلية."


نطق السكرتير بهذه الكلمات بنبرة خفيضة، وهو يقف عند عتبة الباب، مدركًا تمامًا أن هذه الجملة قد تثير عاصفة خلف ملامح عمر الهادئة.


لم يلتفت عمر، بل ظل بصره معلقًا بالأفق. "صبغة عائلية؟ هل يظنون أننا بصدد توقيع عقد لتوريد النبيذ أم بناء مدينة لوجستية؟"


"يبدو أن السيد ماركو رجل تقليدي، يؤمن بأن الشريك الذي لا يملك مرساة في حياته الشخصية هو رجل مخاطر لا يُؤتمن على صفقات بمليارات الدولارات."


ابتسم عمر ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه. كانت حياته عبارة عن سلسلة من الجدران العالية التي بناها بعناية فائقة. القفاز الذي يرتديه لم يكن مجرد إكسسوار للأناقة، بل كان رمزًا لانفصاله عن العالم البشري الذي يراه فوضويًا، متطفلًا، ومليئًا بالألم الذي لا يُطاق. كان يكره القرب، ليس ضعفًا، بل كأن هناك حاجزًا غير مرئي بين جلده وبين الآخرين، حاجزًا يجعله يشعر بأن كل تلامس هو انتهاك لخصوصية روحه.


"أخرج.." قالها عمر بهدوء مرعب. "سأجد حلًا."


على بعد أميال قليلة، في فيلا عتيقة بحي زيزينيا، كانت ليلى تقف وسط غرفة المعيشة، تواجه عاصفة من نوع آخر.


"ليلى، كفاكِ عنادًا. العميد رشوان هو الشخص الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من شركة والدك."


كان عمها، السيد عزت، يتحدث بنبرة تبدو مشفقة لكنها تخفي خلفها أطماعًا لا تنتهي. كان يرى في ليلى، بجمالها الهادئ وثقافتها الواسعة، الورقة الأخيرة التي يمكنه المقامرة بها لترميم ثروته المتآكلة.


ليلى، التي كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا لكنه يحمل أناقة فطرية، رفعت رأسها بكبرياء. "إنقاذ الشركة لا يعني بيع نفسي يا عمي. والدي لم يترك لي المال، لكنه ترك لي اسمًا لا أسمح بتدنيسه في صفقاتكم."


"اسم والدك لن يطعمكِ خبزًا!" صرخ عزت، وفقد قناعه الهادئ. "غدًا في حفل الجمعية الخيرية، ستقابلين باهر ابن العميد. ستبتسمين، ستتحدثين، وستجعلين هذا الارتباط يبدو وكأنه قدر محتوم. وإلا.. فليتحمل قلبكِ رؤية بيت والدك وهو يباع في المزاد العلني الأسبوع القادم."


خرج العم وترك الباب خلفه يرتجف، بينما بقيت ليلى وحيدة وسط ذكرياتها المبعثرة. شعرت بضيق في صدرها، وكأن الجدران تقترب منها لتسحقها. كانت بحاجة إلى مخرج، إلى فكرة انتحارية تنقذها من هذا المصير، دون أن تضطر لتقديم تنازلات تمس كرامتها.


جاء مساء اليوم التالي محملًا بالتوتر. قاعة الحفل في فندق سيدرا كانت تنبض بالحياة، والموسيقى الكلاسيكية تنساب بنعومة بين الحضور.


دخل عمر الجندي القاعة، فصمتت الأحاديث الجانبية للحظات. كان حضوره يفرض هيبة طبيعية، وكأنه ملك يتفقد رعاياه. كان يسير بخطى موزونة، وعيناه تمسحان المكان بحذر، باحثًا عن شيء قد ينقذ صفقته مع الإيطاليين.


في الجهة المقابلة، كانت ليلى تقف والأنظار تلاحقها. كانت ترتدي فستانًا من الحرير الأخضر القاتم، لا يزين بأي حليّ سوى عقد لؤلؤ قديم كان لوالدتها. كانت تبحث عن مهرب من "باهر" الذي كان يقترب منها بابتسامة متكلفة، يحمل في يده كأسًا ونية واضحة لمحاصرتها.


تعثرت خطوات ليلى وهي تحاول الابتعاد، فوجدت نفسها فجأة في مواجهة ذلك الرجل الذي سمعت عنه الأساطير.. عمر الجندي.


اصطدمت نظراتهما. لثانية واحدة، شعر عمر بشيء غريب. لم تكن نظرة ليلى نظرة طمع أو إعجاب كالتي اعتاد عليها من النساء، بل كانت نظرة استغاثة حادة، ذكية، ومدروسة.


"سيد عمر.." همست، وهي تدرك أن باهر أصبح خلفها تمامًا.


عمر،، الذي كان يكره أن يبادره أحد بالحديث، وجد نفسه يراقب ارتعاشة يدها وهي تمسك بحقيبتها. لم يعرف لماذا، لكنه لم يبتعد.


"هل نعرف بعضنا؟" سأل بصوت عميق، كالرعد البعيد.


"لا.." قالت ليلى بسرعة، وهي تلمح عمها يراقبها من بعيد بنظرة مهددة. "لكننا على وشك أن نفعل، إن كنت مهتمًا بإنقاذ صفقة ماركو وبإنقاذي من غرق محقق."


ضيق عمر عينيه. كيف عرفت بشأن ماركو؟ وكيف تجرؤ على مساومته في وسط القاعة؟


"أنتِ تلعبين بالنار يا آنسة.."


"النار أهون عليّ من الغرق في رمال متحركة لا يد لي فيها." اقتربت منه خطوة واحدة، كانت كافية ليشم رائحة عطرها الذي يشبه رائحة المطر على الأرض العطشى. "عرضي بسيط: سأكون الزوجة التي يبحث عنها ماركو ليطمئن، مقابل أن تكون الدرع الذي يحميني من أطماع عائلتي. كذبة متقنة، تمنح كلًا منا ما يريد، دون أن يلمس أحدنا الآخر.. ودون أن نضطر للاعتراف بأي حقيقة."


تصلب جسد عمر خلف بدلتيه الصارمة. لم يكن هذا مجرد عرض، كان بروتوكولاً استراتيجياً وُضع في لحظة يأس. فكرة أن يجد امرأة توافق على علاقة بلا تلامس كانت بالنسبة له حلمًا بعيد المنال.


قبل أن يجيب، كان باهر قد وصل إليهما. "ليلى.. هل هناك مشكلة؟"


نظر عمر إلى باهر، ثم عاد بنظره إلى ليلى. رأى فيها شجاعة نادرة، وقرر في تلك اللحظة أن يكسر قاعدته الذهبية بالابتعاد عن البشر.


مد آدم يده -المغطاة بالقفاز- وبحركة بطيئة متعمدة، وضعها خلف ظهر ليلى دون أن يمس جسدها فعليًا، لكن المشهد بدا لكل من في القاعة وكأنه احتواء حقيقي.


"لا توجد مشكلة يا سيد باهر." قال عمر بنبرة جعلت باهر يتراجع لا إراديًا. "كنت فقط أعاتب خطيبتي على تأخرها في الوصول."


ساد صمت ذهولي في الدائرة المحيطة بهما. ليلى شعرت بقلبها يخفق بقوة لدرجة أنها ظنت أن الجميع سيسمعون صوته. كانت حرارة جسد عمر تنبعث من خلف معطفه لتمسها رغم عدم التلامس، شعور غريب، بارد ودافئ في آن واحد.


بعد انتهاء الحفل، كانت السيارة السوداء المصفحة تشق طريقها نحو الكورنيش. كان الصمت داخل السيارة ثقيل.


"لماذا فعلت ذلك؟" سأل عمر، وهو لا يزال ينظر للأمام.


"لأني لم أملك خيارًا آخر." أجابت ليلى بصوت مجهد. "وعلى ما يبدو، أنت أيضاً لم تملك خيارًا."


التفت إليها عمر فجأة. في ظلام السيارة، بدت عيناه كقطعتين من الجمر. "اسمعي جيدًا يا ليلى. لقد دخلتِ الآن عالمًا لا يعرف الرحمة. الكذبة التي بدأناها للتو ستصبح قفصًا ذهبيًا لنا معًا. غدًا، سيأتي المحامي لتوقيع عقد.. ليس عقد زواج، بل عقد شراكة صامتة. سأمنحكِ الأمان، المال، والاسم.. ومقابل ذلك، سأطلب منكِ شيئًا واحدًا."


"ما هو؟"


اقترب منها عمر، حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس صورتها في عينيه. "ألا تحاولي أبدًا، تحت أي ظرف، تخطي المسافة التي رسمتها بيننا. نحن حليفان في كذبة، ولسنا شريكين في حياة. هل هذا مفهوم؟"


أومأت ليلى برأسها، وشعرت بغصة في حلقها لا تعرف سببها.


وصلت السيارة أمام منزلها. وقبل أن تنزل، قال عمر بصوت خفيض:
"تجهزي.. فمن الغد، سيبدأ العالم كله بمراقبة عشقنا المزعوم. وعليكِ أن تكوني مقنعة لدرجة أن تصدقي أنتِ نفسكِ أنني أحبك."


نزلت ليلى من السيارة، وراقبتها وهي تختفي في الأفق. دخلت منزلها، ولم تلاحظ أن عمر ظل واقفًا بسيارته لعشر دقائق كاملة، ينظر إلى القفاز الذي في يده، ويشعر وللمرة الأولى منذ سنوات، برغبة غريبة ومخيفة في نزعه.


________________________


في صباح اليوم التالي، وبينما كانت ليلى تفتح الباب لتستلم "العقد" من محامي عمر، وجدت صندوقًا أسود صغيرًا بداخله دبلة من الألماس الأسود النادر، ومعها ورقة واحدة مكتوب عليها بخط يد عمر الحاد:
"الخاتم مزود بجهاز تتبع صغير.. لستِ فقط خطيبتي الآن، بل أنتِ أهم عُهدة في حوزة الجندي. لا تخلعيه أبدًا، فالرجل الذي هربتِ منه بالأمس، كان أرحم بكثير ممن سيراقبونكِ اليوم."
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.