تذكرت: ثقوب في ثوبٍ أبيض
ثقوب في ثوبٍ أبيض
بين خيوط الصداقة المتينة ووعود الحب الأبدية، تقف "ندى" في منتصف حياتها الهادئة، واثقة فيمن حولها إلى حد العمى. لكن، هل كل يد تمتد للمساعدة هي يدٌ بيضاء؟ وهل كل ابتسامة حانية تخفي خلفها قلبًا يتمنى الخير؟ عندما تبدأ قطع اللغز في التحرك من تلقاء نفسها، وتتحول الثقة إلى شك، والهدوء إلى عاصفة من التساؤلات، تجد ندى نفسها مضطرة لمواجهة الحقيقة التي اختارت تجاهلها لسنوات. رحلة نفسية حادة في البحث عن الذات وكشف الأقنعة، حيث لا شيء كما يبدو، والعدو الحقيقي قد يكون هو الشخص الذي يمسح لك دموعك. "أحياناً، لا نحتاج لمن يفتح أعيننا، بل نحتاج لأن نتذكر ما رأته قلوبنا ورفضت عقولنا تصديقه."
كانت الغرفة تعج برائحة التوتر التي تعقب العواصف العاطفية. وقف أحمد قرب الشرفة، يعطي ظهره للجميع، بينما كانت ندى تجلس على طرف الأريكة، تعتصر منديلًا ورقيًا في يدها وعيناها متورمتان من البكاء.
أما يارا، فكانت تقف في المنتصف، تمامًا كما اعتادت دائمًا؛ كحلقة الوصل الهادئة بين أحمد وندى. كانت ملامحها تشع رقة، ويدها تمسك بكتف ندى بحنان، بينما تنظر إلى ظهر أحمد بنظرة يمتزج فيها العتاب بالشفقة.
"أحمد.. من فضلك، التفت إلينا." قالت يارا بصوتها الرخيم الهادئ.
تنهد أحمد بعمق واستدار. كان الغضب ما زال مرسومًا على وجهه. "يارا، أنتِ سمعتِ ما قالته. ندى لا تثق بي، وتظن أن كل تأخير في العمل هو عذر للقاء شخص آخر. هذا لم يعد يُحتمل!"
انفجرت ندى بالبكاء مجدداً: "أنا لم أقل ذلك يا أحمد، أنت من تؤول كلماتي دائمًا."
هنا، تدخلت يارا ببراعة من اعتاد الأمر. اقتربت من أحمد خطوة واحدة، وخفضت صوتها ليكون أكثر تأثيرًا: "أحمد، أنا لا أدافع عن ندى، ولكنك تعلم كم تحبك هي.. ربما غيرتها مبالغ فيها قليلًا، ولكن أليس هذا دليلًا على مكانتك عندها؟ ندى طيبة جدًا، لكنها أحيانًا لا تجيد اختيار توقيت أسئلتها، أو اختيار الكلمات المناسبة التي تعبر بها عما داخلها."
التفتت نحو ندى بابتسامة حزينة وقالت: "ندى حبيبتي، أحمد متعب من ضغوط العمل، وسؤالكِ المتكرر عن مكانه يجعله يشعر بأنه محاصر. هو لا يقصد جرحكِ، هو فقط يريد أن يشعر بالثقة."
بكلمات بسيطة، جعلت يارا أحمد يبدو كـ "ضحية لضغط العمل" وندى كـ "امرأة غيورة بشكل مرضي". والأسوأ، أنها جعلت كلًا منهما يشعر بأنه مدين لها لأنها الوحيدة التي تفهمه.
قال أحمد بصوت بدأ يلين: "أنا لا أطلب سوى القليل من المساحة يا يارا."
"وهي ستعطيك إياها، أليس كذلك يا ندى؟" سألت يارا وهي تضغط بلطف على يد ندى. أومأت ندى برأسها بضعف، وشعرت بامتنان شديد لصديقتها التي استطاعت تهدئة وحش الغضب داخل خطيبها.
قامت يارا بجمع يد ندى ويد أحمد معًا. "أنتما خُلقتما لبعضكما. لا تسمحا لصغائر الأمور أن تفسد علاقة بدأت منذ سنوات. أنا سأترككما الآن لتتحدثا بهدوء.. وأرجوكما، كونا بخير من أجلي."
انسحبت يارا بهدوء، وأغلقت الباب خلفها ببطء شديد، وكأنها تخشى خدش السكينة التي خلفتها.
بمجرد أن أطبق الباب، تغيرت ملامح وجهها. لم تبتسم، ولم تظهر أي شر، بل نظرت إلى الباب ببرود غريب. كانت الغيرة تنهش صدرها، ليس لأنها تحب أحمد بالضرورة، بل لأنها تكره أن تمتلك ندى شيئًا مستقرًا. هي لا تريد تحطيم علاقتهما الآن.. تريد أن تجعل ندى تعتمد عليها في كل صغيرة وكبيرة، حتى تصبح يارا هي المحرك الخفي لخطبة صديقتها.
"تحدثا جيدًا.." همست لنفسها وهي تمشي في الممر المظلم. "تحابا.. حتى يحين الوقت الذي أقرر فيه أن هذا الحب قد انتهى."
____________________
في صباح اليوم التالي، كانت يارا تجلس في كافيتريا الجامعة، تضع كتابًا أمامها لكن عينيها تراقبان المدخل. لم يمر وقت طويل حتى ظهرت ندى، تبدو أكثر هدوءً ولكن علامات التعب ما زالت بادية عليها.
"يارا! كنت أبحث عنكِ." قالت ندى وهي تجلس بجانبها.
"أخبريني، هل سار كل شيء على ما يرام بالأمس؟" سألت يارا باهتمام بدا صادقًا تمامًا.
تنهدت ندى: "نعم، تحدثنا طويلًا. أحمد كان نادمًا، وأنا وعدته بأن أخفف من غيرتي.. لولا تدخلكِ بالأمس لربما انتهى كل شيء."
ابتسمت يارا ابتسامة رقيقة: "لا تقولي ذلك، أنا لم أفعل سوى الواجب. أنتما عائلتي." ثم صمتت قليلًا، وكأن فكرة طرأت على ذهنها فجأة: "ولكن يا ندى.. أخبريني بصدق، ألا تشعرين أن رد فعله كان مبالغًا فيه قليلًا؟ أقصد.. لماذا غضب لهذه الدرجة من سؤال عادي؟"
بدأ الشك يتسلل مجددًا لعين ندى: "لا أعرف.. قال إنه يشعر بالضغط."
"ربما.." قالت يارا وهي تقلب صفحة من كتابها بلا مبالاة مدروسة. "أنا فقط أخاف عليكِ. أحيانًا الرجال يستخدمون الغضب كوسيلة للدفاع عندما يخفون شيئًا.. لا أقول إن أحمد يفعل ذلك، حاشا لله! هو ملاك، ولكن احذري فقط من استنزاف أعصابكِ في لومه لنفسكِ دائمًا."
تركت يارا الجملة معلقة في الهواء، وراقبت كيف بدأت ملامح ندى تتغير من الارتياح إلى التفكير العميق. لم تكن يارة تريد تهدئة ندى، بل كانت تزرع لغمًا جديدًا سينفجر في المرة القادمة التي يتأخر فيها أحمد.
في وقت لاحق، رأت يارا أحمد وهو يسير وحيدًا نحو مكتبة الجامعة، أسرعت لتلحق به.
"أحمد! كيف حالك اليوم؟"
التفت أحمد وابتسم بصدق: "أهلاً يارا. أنا أفضل، شكراً لكِ مرة أخرى."
"أحمد، أردت فقط أن أطلب منك طلبًا.." قالت يارا بنبرة توحي بالحرص. "ندى حساسة جدًا هذه الأيام، وتعلم أنها تمر ببعض الضغوط العائلية. تحملها إذا عادت لأسئلتها الكثيرة. أنا أحاول إقناعها بأنك مخلص، لكنها أحيانًا تتخيل أشياء لا وجود لها بسبب خوفها من فقدانك."
قطب أحمد حاجبيه: "تتخيل أشياء؟ ماذا تقصدين؟"
هزت يارا كتفيها بأسف: "لا شيء مهمًا، مجرد أفكار عابرة عن زميلاتك في العمل.. أنت تعلم كيف تفكر النساء. المهم أن تستوعبها أنت، فهي تحبك بطريقتها المزعجة أحيانًا."
غادرت يارا وهي تشعر برضا عميق. لقد جعلت ندى تشك في سبب غضب أحمد، وجعلت أحمد يرى غيرة ندى مرضًا وتخيلًا لأشياء غير موجودة.
لقد بنت طريقًا جديدًا بينهما، ولكنه طريق مفروش بالألغام التي لا يراها أحد سواها. هي الآن الملاك الصادق في نظر الطرفين، بينما في الحقيقة، هي الوحيدة التي تمسك بجهاز التحكم عن بعد في هذه العلاقة.