اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

خلف الباب الأبيض - الفصل الثاني: بوابة زايثيريون

جاري التحميل...

📖 الفصل الثاني: بوابة زايثيريون

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بمجرد أن خطا مايكل عبر الباب، اختفى الكهف من حوله كأنه لم يوجد قط.


ابتلع الضوء الأبيض كل شيء.


لم يعد هناك صخر، ولا ممرات، ولا أثر للفحيح البعيد. فقط بياض كثيف، نابض، كأن العالم نفسه انكمش إلى ومضة واحدة لا نهاية لها. كان الضوء قاسيًا إلى درجة أنه غرس الألم في عينيه، فرفع ذراعه غريزيًا ليحجب وهجه، لكن دون جدوى.


ثم شعر بها.


قوة هائلة، خفية، تشدّه إلى عمقٍ لا يراه.


كأن شيئًا ما في الجانب الآخر قد تعرّف عليه منذ اللحظة الأولى.


حاول أن يلتفت، أن يعود، أن يقبض على أي شيء يثبّته… لكن الفراغ كان قد ابتلعه بالكامل.


وقعت عيناه على يديه.


تجمد.


كانت أصابعه تتفكك ببطء إلى خيوط بيضاء دقيقة من الضوء، تتطاير حوله في دوامات رقيقة، كأن جسده كله يُعاد نسجه من مادةٍ أخرى لا تنتمي إلى عالم البشر.


تسارعت أنفاسه، وضاقت أنفاسه حتى شعر أن صدره لم يعد يتسع لشيء.


ما هذه الأصوات؟


همسات بعيدة…
صرخات مكتومة…
لغات لا تشبه شيئًا عرفه من قبل.


بدت الكلمات كأنها تأتيه من آلاف السنين، من أفواه حضارات ماتت، أو ربما لم تولد بعد.


حول جسده، أخذ الزمن نفسه يلتف في دوامات لولبية من الضوء، تتداخل فيها لحظات لا يفهمها: رعد.
عاصفة.
وجوه أصدقائه.
سفينة قديمة تشق بحرًا أسود.
مدينة شاهقة تتوهج تحت ثلاثة أقمار.
عينان عملاقتان تحدقان فيه من الظلام.


ازدادت برودة أطرافه حتى خُيّل إليه أن أصابعه لم تعد جزءًا منه، وبدأ وعيه ينزلق بعيدًا، كأنه يسقط داخل حلمٍ لا قرار له.


ثم…


طَخ!


ارتطم جسده بأرض صلبة بعنف.


أفلتت منه آهة مكتومة، وشعر بالألم يشتعل في كتفه وظهره. ظل لثوانٍ عاجزًا عن الحركة، يلتقط أنفاسه بصعوبة، قبل أن يرفع رأسه ببطء.


وما إن فتح عينيه، حتى شُلّ في مكانه.


فوقه امتدت سماء بنفسجية داكنة، عميقة إلى حدٍّ مرعب، تتناثر فيها سحب فضية لامعة كأنها أنهار من ضوء. وفي قلبها، علّقت ثلاثة أقمار عملاقة نفسها في صمتٍ مهيب، مختلفة الأحجام، تدور ببطءٍ يكاد لا يُلحظ.


والأغرب أن النجوم كانت واضحة، حادة، رغم أن الضوء الذي يغمر الأفق يوحي بأنه نهار.


نهض بصعوبة، وعيناه تجولان في العالم الجديد بذهولٍ أقرب إلى الرهبة.


جبال هائلة كانت تطفو في الهواء، لا يربطها شيء بالأرض، تنحدر من حوافها شلالات زرقاء براقة تهبط في الفراغ كأنها خيوط من زجاجٍ سائل.
وفي المسافة، ارتفعت أشجار كريستالية شفافة، تتفرع أغصانها في أشكال هندسية مدهشة، يمر الضوء عبرها فيكسر الألوان إلى أطياف متراقصة فوق الأرض.


حتى النباتات الصغيرة عند قدميه لم تكن طبيعية؛ سيقان شفافة، وأوراق كأنها منحوتة من بلورٍ أزرق، ينبض في عروقها نور خافت، كأن الحياة هنا تسري على هيئة ضوء.


خفض بصره إلى الأرض.


كانت سوداء، ناعمة، بملمس صخرٍ مصقول بعناية، تتخللها عروق زرقاء متوهجة تشبه شرايين جسدٍ حي، تنبض ببطء، حتى خُيّل إليه أن الأرض نفسها تتنفس تحته.


حاول أن يخطو، فاكتشف أن الحركة هنا أثقل.


الهواء نفسه كان كثيفًا، يضغط على صدره برائحة معدنية غريبة، فيها أثر كبريتٍ خافت، ومذاق يشبه بقايا برقٍ في الفم.


تقدم ببطء.


ومن بعيد، بدأت معالم شيء ضخم ترتسم في الأفق.


أعمدة شاهقة.
قباب متهدمة.
تماثيل عملاقة غارقة في الصمت.


كلما اقترب، ظهرت التفاصيل أوضح.


كانت هناك دوائر حجرية محفورة في الأرض بنظامٍ دقيق، ورموز معقدة مطابقة لتلك التي رآها في الكهف، لكنها هنا أكبر، أقدم، كأن الكهف لم يكن سوى صدى باهت لهذا المكان.


حتى وصل إلى مركز الساحة.


هناك انتصب تمثال هائل لكائنٍ مجنح، ملامحه غير بشرية، عيناه مطفأتان، وجناحاه نصف مفرودين كأنه يحرس المدينة منذ أزمان لا تُحصى. بين يديه، استقرت كرة من نور أزرق نابض، يتغير بريقها مع كل نبضة كأنها قلب المدينة نفسها.


ارتجف شيء داخله.


خفض عينيه إلى قاعدة التمثال، حيث نُقش اسم واحد بلغةٍ عرفها رغم أنه لم يتعلمها قط:


> زايثيريون






عقد حاجبيه.


ما هذا المكان؟
من بنى هذه المدينة؟
وأين ذهب سكانها؟
ولماذا تبدو هذه الساحة كأنها معبد… أو سجن؟


ظلت الأسئلة تتزاحم في رأسه، حتى قطعها وميض معدني لفت انتباهه بين الأنقاض.


انحنى والتقطه.


ساعة.


ساعة يد مألوفة.


اتسعت عيناه فجأة.


> "جاك…"






كانت ساعة صديقه، بخدشها الصغير نفسه قرب الإطار.


اشتعل الأمل في صدره دفعة واحدة.


إذن لم يكن وحده.
أحدهم عبر البوابة قبله.


رفع رأسه ونادى بكل ما بقي في صوته من رجاء:


> "جاااك!"
"جاااك! هل أنت هنا؟"






ارتد صوته بين الأعمدة المكسورة… ثم ابتلعه الصمت.


ذلك الصمت الغريب، الثقيل، الذي لا يشبه هدوء الأماكن، بل يشبه انتظارها.


هبط الأمل في صدره ببطء، وحلّت مكانه وحدة باردة.


واصل السير بين الأنقاض، وكل خطوة تكشف له شيئًا أشد غرابة: نوافير كريستالية تتفجر من باطن الأرض في صمت، تتشكل مياهها في أقواس هندسية مستحيلة، ثم تعود لتذوب في العروق الزرقاء تحت قدميه.


كان الجمال هنا ساحرًا… ومقلقًا.


ثم حدثها.


أظلمت الأرض فجأة.


توقف.


مرّ ظل هائل فوقه، سريعًا لكنه ثقيل بما يكفي ليجعل الهواء نفسه يرتجف.


رفع بصره ببطء.


وفي السماء، دار فوق الساحة مخلوق مجنح عملاق، بحراشف فضية تعكس ضوء الأقمار، وعينين زرقاوين تتوهجان كجمرتين من جليد. كان رفرف جناحيه يرسل موجات هواء دفعت الغبار البلوري في دوامات واسعة.


تجمد مايكل.


قبل لحظة كان مأخوذًا بجمال العالم.
الآن تحوّل ذلك الجمال نفسه إلى رعبٍ بدائي.


اندفع يختبئ خلف أحد التماثيل، وراح يضغط كفه على فمه حتى لا يُسمع أنفاسه.


ظل المخلوق يحوم ببطء، كأنه يبحث عنه… أو يختبره.


ثم بدأ يهبط.


كل ثانية كانت تمر أثقل من سابقتها.


اقترب أكثر.


حتى توقف أمامه تمامًا.


انخفض رأسه الهائل، وحدقت عيناه في يد مايكل.


ثم أطلق صوتًا غريبًا، لم يكن فحيحًا ولا زئيرًا، بل نغمة عميقة تشبه الاعتراف.


نظر مايكل إلى كفه.


هناك، فوق جلده، كانت علامة مضيئة قد ظهرت دون أن يشعر؛ رمز دائري تتفرع منه خطوط زرقاء، يلمع بنفس نبض العروق التي تسري في أرض زايثيريون.


تراجع المخلوق خطوة.


كأنه عرفه.


وقبل أن يستوعب مايكل ما يحدث، اهتز التمثال العملاق خلفه اهتزازة عميقة.


انشقّت الأرض عند قاعدته ببطء، مصدرة صوتًا حجريًا ثقيلًا.


تراجع مايكل مذعورًا، بينما اتسعت الفتحة لتكشف عن درج حجري ينحدر إلى الأسفل، يتصاعد منه نور أزرق بارد، ومعه نسمة تحمل رائحة ماءٍ قديم.


ثم انبعث صوت من الأعماق، هادئ، عتيق، لا يُعرف إن كان صوت إنسان أم صدى زمنٍ منسي:


"حامل المفتاح… لقد عدت."
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.