خلف الستار المحجوب: خلف الباب الاسود
خلف الباب الاسود
.........
ظلت يد يوسف معلقة في الهواء…مرتفعة أمام الباب الأسود، لا يفصلها عن المقبض سوى سنتيمترات قليلة.
كان يسمع دقات قلبه بوضوح… قوية… متلاحقة… حتى ظن أن الصوت سيوقظ البيت كله.
لكن البيت كان ساكنًا.
ساكنًا بطريقة غير طبيعية.
لا صوت هواء…
لا صرير خشب…
لا حتى صوت أنفاسه.
كأن المكان كله ينتظر.
الخبط من الداخل توقف فجأة.
وذلك الصمت… كان أسوأ من أي صراخ.
بلع يوسف ريقه، وحدّق في الباب.
الخشب قديم… متشقق… أسود كأنه احترق قديمًا ثم عاد للحياة.
العلامات المحفورة عليه بدت أوضح الآن… خطوط ملتوية… دوائر مقطوعة… رموز لا تنتمي لأي لغة عرفها.
لكن عينه توقفت عند شيء آخر.
آثار أظافر.
عشرات الخدوش الطولية قرب الحافة الداخلية… كأن أحدهم حاول الخروج… مرات كثيرة.
تراجع نصف خطوة.
"متخفش…"
الهمسة خرجت من خلفه مباشرة.
التفت بعنف—
لم يكن هناك أحد.
لكن حين عاد بنظره إلى الباب…
وجد المقبض يتحرك وحده.
مرة.
مرتين.
ثم توقف.
تجمد الدم في عروقه.
"يوسف…"
الصوت هذه المرة جاء من الداخل.
صوته هو.
متعب… مبحوح… يائس.
"أنا مش هقدر أستحمل أكتر…"
شهق يوسف، واقترب دون وعي.
"إنت مين؟"
ثوانٍ مرت.
ثم جاء الرد ببطء:
"أنا… أنت."
ضحكة منخفضة انزلقت داخل رأسه فورًا.
"كلهم بيقولوا كده."
ضغط يوسف على جانبي رأسه.
"اخرس!"
"افتح وشوف."
كانت الجملة بسيطة…
لكنها دخلت جسده كالأمر.
مد يده نحو المقبض، ولم يشعر ببرودته… لأن يده نفسها كانت باردة كالميت.
لفّه ببطء.
صدر صوت احتكاك طويل… كأن شيئًا في الداخل كان يرفض.
ثم—
انفتح الباب.
شبرًا واحدًا.
وخرجت رائحة.
رائحة رطوبة قديمة… تراب… وعفن…
لكن تحتها كان هناك شيء آخر.
رائحة حديد.
رائحة دم.
فتح الباب أكثر.
الظلام خلفه كان كثيفًا… أعمق من أي ظلام رآه.
ليس مجرد غرفة غير مضاءة… بل مساحة تبتلع الضوء.
مد يوسف يده إلى الحائط يبحث عن مفتاح.
لم يجد شيئًا.
لكن من الداخل…
سمع صوت سحب بطيء.
كأن شيئًا يجر قدمه على الأرض.
ثم ظهر.
في أقصى العتمة…
شخص جالس على الأرض، ظهره للحائط، رأسه منخفض.
يوسف حبست أنفاسه.
"مين هناك؟"
الرأس ارتفع ببطء.
وما رآه…
جعله يتراجع حتى اصطدم بالحائط خلفه.
كان هو.
يوسف.
نفس الوجه… نفس الشعر… نفس العينين…
لكن نسخة محطمة.
وجه شاحب مغطى بالكدمات.
شفته السفلى ممزقة.
إحدى عينيه نصف مغلقة من الورم.
قميصه ممزق ومبلل بالدم.
والأبشع…
أن أظافر يديه كانت مكسورة… وبعض أصابعه ملتوية بزاوية غير طبيعية.
كأنه حاول الحفر بيديه.
"أخيرًا…"
قالها النسخة الجالسة بصوت مبحوح.
"افتكرت إنك مش هتيجي."
يوسف لم يجد كلامًا.
نظر لنفسه… ثم لنفسه الأخرى… ثم للخلف كأن عقله يبحث عن مخرج.
"ده… مستحيل."
النسخة الأخرى ابتسمت… بألم.
"أنا قلت كده أول مرة برضه."
تجمد.
"أول مرة؟"
قبل أن يرد الآخر—
انغلق الباب خلف يوسف بعنف.
دَوّى الصوت في الممر كله.
التفت يوسف بسرعة، أمسك المقبض، جذبه بكل قوته—
لم يتحرك.
"لا… لا!"
بدأ يضرب الباب بكتفه، يركله، يصرخ…
لكن لا شيء.
خلفه…
صدر صوت ضحكة.
بطيئة.
ليست من النسخة الجالسة.
بل من زاوية الغرفة المظلمة.
التفت يوسف ببطء.
النسخة الجالسة كانت تنظر إلى تلك الزاوية أيضًا… والرعب الحقيقي ظاهر على وجهها.
همس:
"متبصش هناك…"
لكن يوسف فعل.
وفي الركن…
بدأ شيء ينهض.
شيء طويل… نحيف… مفاصله أطول من اللازم…
يتحرك بتقطّع… كأن جسده لا يفهم كيف يمشي.
ثم دخل قليل من الضوء على وجهه.
ولم يكن له وجه.
كان مكان الوجه سطحًا أملس من الجلد المشدود…
عدا فتحة واحدة طويلة…
تبتسم.
تراجع يوسف للخلف وهو يرتجف.
المخلوق مال برأسه ببطء… ثم أشار إليه بإصبع رفيع جدًا.
"رجع."
قالها بصوت يوسف.
ثم أشار إلى النسخة الجالسة.
"وده… خلص."
وفي لحظة واحدة—
اندفع نحوهم.
نهاية الفصل الثالث 🩸🖤👁️