طرف ثالث... بالخطأ | الفصل الثالث«حلمٌ من أوهام»
الفصل الثالث«حلمٌ من أوهام»
.........
لقد لقد رأيت الثقب في سفينتك منذ اليوم الأول للرحلة ، ولكنني قررت الابحار معك ، ظنا مني بأن الحب يصنع المعجزات.
فيودور دوستويفسكي
الفصل الثالث
«حلمٌ من أوهام»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«الأحلام والواقع»
يقولون إن الأحلام نصفها من الواقع ونصفها أوهام، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا...فالواقع ليس حلمًا، بل هو ما يتشكل من آثار تلك الأحلام،
والوهم لا يولد من فراغ، بل ينبع من واقعٍ لم نرضَ به، وهكذا، تصبح الأحلام خيطًا رفيعًا...قد يقودك إلى الحقيقة،أو ينسج لك وهمًا تتخذه واقعًا.
تكحّلت السماء بكحلٍ أسود يليق بنجومها الساطعة، أشارت الساعة إلى الرابعة والنصف، ولم يتبقَّ على صلاة الفجر سوى ثلاثَ عشرةَ دقيقةً، على الفراش كان ماهر نائمًا بعمق، وجبينه يتصبّب عرقًا، جسده يتصلّب، ملامحه تنقبض، ورأسه تتحرّك يمينًا ويسارًا بعنف، كان قبل أن يغفو بأربع ساعات قد ابتلع أربع حبيبات من المنوّم لكي يستطيع النوم براحة دون كوابيس، لكن يبدو أن الكوابيس لا تستطيع التخلّي عنه وهو وحيد.
«داخل أحلامه التي لم تكن ورديّة، بل كانت مظلمة ككحلٍ أسود على جفن العين»
في غابةٍ مهجورة، كان ماهر يقف وحيدًا بين الظلام الذي يحيط به، وبين القمر الذي يضيء الطريق وكأنه دليله في تلك الغابة، سار يتعمّق بالدخول محاولًا أن يرى ماذا بداخلها، لا يعلم أن فضوله لمعرفة ما يختبئ بالداخل من الممكن في لحظة أن يتحوّل لكارثةٍ تحلّق مثل الغراب فوقه.
نظر حوله في الظلام عسى أن يجد أحدًا أو طريقًا ليبتعد عن ظلام الغابة، ومن بين صمت الغابة وضجيج رأسه استمع إلى صوت خطوات ركض تتجه نحو مكانه، فتراجع للخلف، ظهرت فتاة ترتدي فستانًا أبيض، لكنه لم يكن ناصع البياض، بل كان ممزقًا من الحواف وممتلئًا بالدم الذي التصق به كجزءٍ آخر منه، نظر إلى وجه المرأة لكن الرؤية كانت مشوشة على وجهها، ولم يرَ سوى خصلات شعرها التي تتطاير حول وجهها غير المرئي له.
نادته بنبرة لطيفة وغريبة على مسمع أذنه:
__ ماهر.....
اقتربت منه، ورفعت يدها تضعها فوق خده برفق، أغلق عينيه، شعر بدفء أصابعها ينساب على خده، ابتسمت المرأة لكن ماهر لم يرها، فتح عينيه اللتين تشبهان قهوةً مُرّة، ينظر إلى يدها فوق خده بارتباك، رفع يده نحو يدها لكي يبعدها عنه، قبل أن تصل يده ليدها بدأت المرأة تتلاشى أمامه وكأنها سراب وليس حقيقة، في حين بدأ كل شيء يتلاشى من حوله ويتحول إلى لونٍ أبيض فاقع، وفجأة....
شهق شهقةً عالية، وكأن الهواء عاد إليه دفعةً واحدة بعد اختناقٍ طويل، ليخرج من قوقعة حلمه الغريب، وضع يده على صدره الذي أخذ يرتفع وينخفض بسرعة، ودقات قلبه تتسارع بعنف، كأنه كان يركض لمسافة طويلة دون راحة.
حاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة، فتمتم بصوتٍ مضطرب:
__ أستغفر الله العظيم... أستغفر الله العظيم.
أغمض عينيه بقوة، يطلق زفرة طويلة، تخيل تلك المرأة بفستانها الأبيض وعلى أطرافه دماء ملتصقة به. فتح عينيه على اتساعهما ينظر لسقف الغرفة، يشعر أن الحلم كان حقيقيًا وليس سرابًا. مرت دقائق حتى صدح صوت أذان الفجر الذي يتردد بالجامع القريب.
اعتدل، يدفع أصابعه في شعره المبعثر والمبلل من العرق، يعيده للخلف، وانتظر قليلًا يستمع لصوت الشيخ بهدوء، نهض ثم سار نحو المرحاض، دلف وأشعل الأضواء، أغلق الباب، وبدون أن ينزع ثيابه اقترب من الدش. نزلت المياه الباردة فوق رأسه وعلى جسده، وكانت تمحو دفء جلده، التصقت الثياب بجسده، أغمض عينيه ومال، يسند جبينه على الحائط، كان الحلم عالقًا برأسه، وكأن كلما أغلق عينيه يتخيل فستان المرأة التي ليس لها ملامح، وكان ذلك الحلم الأغرب في كوابيسه، متسائلًا نفسه: من تلك المرأة بفستانها ذاك؟ ولماذا تظهر في حلمه؟ و كان لهذا الرد هو أنه حلم من أوهامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت ساعات الفجر سريعًا حتى أضاءت أشعة الشمس جميع أنحاء القاهرة، الساعة كانت الحادية عشر ظهرًا، بـالحارة حيث كان المكان يعج بالحركة، ولِمَ لا فاليوم هو حفل ما يُسمى بالمقولة الشعبية «التنجيد» الخاص بـفيروز وتميم، حيث ستنقل فيروز أغراضها لمنزله بعد حفل بسيط في الشارع، كانت جميع أشيائها مرسوسة في الشارع بجانب بعضها، وكان الرجال يساعدون زكريا ومؤمن ويونس في نقل باقي الأشياء، بينما في الطابق العلوي كانت فيروز في غرفتها تقوم بكوي خصلاتها «الكيرلي» لكي تجعلها أنعم باستخدام تلك الأشياء التقليدية لكي لا يزعجها شعرها عندما ترتدي الحجاب، فخصلاتها هائجة للغاية وتزعجها...
دندنت ببعض كلمات أغنية المغنية «يارا» العالقة في رأسها منذ أن أصبحت عروسًا:
_ ودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه ده بقالنا مدة طوبة طوبة من الحب بنبنيه أنا لابسة الطرحة ومش سايعاني الفرحة وأنا وياه ارموا الورد علينا وباركولي بي.
ألقت آخر خصلة للخلف وتركت المكواة، ثم نهضت تسير نحو الخزانة، ولا تزال تكمل الغناء لكن بتغيير في كلمات الأغنية، لأن روحها المتمردة لا تخضع لحديث الأغنية:
_ مش هسمع كلامه، ولا تحت أمره في اللي يقولّي عليه، وبأي شكل مش هريحه لو حتى يطلب إيه، وإن جبت منه بنت يا رب تبقى شبهي.
أخرجت فستانها الأول الذي سترتديه اليوم قبل أن ترتدي الفستان الآخر في نهاية الحفل، كان تصميمه هادئًا، ولونه الزيتي يمنحه مظهرًا جذابًا، إذ جاء دون تفاصيل مبالغ بها، تتدلّى من ظهره خيوط تنتهي عند خصرها ومربوطة كأنها فراشة حرة. ثم أخرجت من أسفل الفراش المكواة لتكوي فستانها قبل أن تصعد إلى عمتها... بينما في غرفة النوم الأخرى، وقف عاصم أمام المرآة مرتديًا جلبابًا صعيديًا بألوان الأسود، وكوفية أسود في أبيض فوق الجلباب، مما منحه مظهرًا جذابًا، قالت ناهد من خلفه وهي تكوي عباءتها:
_ ربنا يكمل فرحتنا على خير وميحصلش حاجة، أنا قلبي مش مطمئن خالص.
استدار عاصم نحوها مردفًا:
_ هتعدّي على خير يا ناهد، ده خلاص فاضل أسبوع على الفرح، هيحصل إيه يعني... أنا هنزل أقعد مع الرجال تحت، وإنتوا خلصوا وانزلوا براحتكم.
_ ماشي.
خرج عاصم، وبقيت ناهد وحدها في الغرفة، وقلبها مقبوض، تشعر أن هناك شيئًا سيحدث. ولم تنتبه لدخول فيروز إلى الغرفة وهي تتساءل:
_ ماما، هي الطرحة الزيتي فين؟ م...
صمتت فيروز وهي تراقب والدتها الشاردة، ثم ابتسمت واقتربت منها، وصاحت بصوت مرتفع:
_ يا ماما، أنا بكلمك، إنتِ سرحانة في إيه؟
فزعت ناهد، ووضعت يدها على صدرها تقول:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه يا بت؟
لوت فيروز فمها بضيق، ثم أعادت سؤالها مرة أخرى:
_ الطرحة الزيتي فين؟
تنهدت ناهد بصوت مرتفع، ثم قالت:
_ اقعدي الأول، عايزة أتكلم معاكي.
نظرت لها فيروز باستغراب، ثم جلست أمامها تتساءل:
_ عايزاني في إيه؟
ابتسمت ناهد، ومدّت يدها تمسك كفّيها بقوة، قائلة:
_ بصّي يا بنتي، إنتِ دلوقتي خلاص هتروحي تعيشي في بيت جوزك.
فتحت فيروز فمها لتتحدث، لكن ناهد أوقفتها، وأكملت بصوت حنون:
_ اسمعيني الأول، واللي هقوله ده تحطيه حلقة في ودنك... أول حاجة، اللي بينك وبين جوزك يفضل بينكم، محدش من برّه له دعوة بيه تاني حاجة، عاملي حماتك كأنها أمك... حتى لو كانت حماة عقربة
هزّت فيروز رأسها بهدوء، فاسترسلت ناهد:
_ تالت حاجة... أي خناقة تحصل في بيت أهل جوزك، ما تجيش تقولي لنا هنا، ونفس الكلام علينا إحنا... أي حاجة تحصل في البيت ده، ما تروحيش تقوليها عندهم، حتى جوزك نفسه ما يعرفش.
توقفت تنظر إلى فيروز، ثم ربّتت على كتفها، قائلة بجدية:
_ خامس حاجة... لسانك الطويل ده، عايزاكي تقصّريه مع تميم، وبلاش تقلّي أدبك عليه، وبلاش تتخانقي معاه ولا مع حماتك على مواضيع تافهة...
اقتربت منها، وهبط صوتها بنبرة أعمق:
_ ولو في يوم، لا قدّر الله، جوزك مدّ إيده عليكِ... تيجيلنا هنا، وبيت أبوكي مفتوحلكِ في أي وقت، وإحنا أهلك يعني هنستحملك مهما حصل.
انتهت ناهد من حديثها، ونظرت إليها بعينيها المشابهتين لعيني ابنتها، ولو كان الأمر بيد ناهد، لأبقت صغيرتها وابنتها الوحيدة بجانبها، لكن تلك هي سُنّة الحياة... الفتيات يبقين مقيمات في منزل والدهن كضيوف، حتى يأتي يوم ويخطفهن محبوبهن ليكملا حياتهما معًا.
زفرت فيروز، وشعرت بأن الدموع توشك على الهبوط من عينيها، فشهقت فجأة وارتمت في أحضان والدتها، مردفة بصوتٍ مرتجف:
_ أنا خايفة، ومش عايزة أسيبكم يا ماما... مش عايزة أتجوز خالص.
ربّتت ناهد على ظهرها بحنان، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة هادئة، ثم أردفت بصوتٍ مطمئن:
_ هتكوني خايفة في الأول، بس هتتعودي... وتميم بيحبك، وعمره ما هيزعلك يا حبيبتي وعلى العموم، لو مش عايزة تتجوزي خلاص، نفضّها سيرة، ونرجّع له الدهب، ونقوله إن الجواز قسمة ونصيب.
انتفضت مبتعدة عنها، تمسح دموعها سريعًا، مردفة بفزع:
_ إيه! لا لا، نفضّها سيرة إيه...
أكملت وهي تنهض متجهة نحو الخزانة، تبحث عن حجابها، فوالدتها معتادة على أخذ أشيائها ووضعها داخل خزانتها:
_ فين الطرحة يا ماما؟ عايزة أكويها علشان ألحق أطلع لعمتو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«أحاطت به الحسرة من كل زاوية في حياته، حتى كاد ينسى أنها كانت يومًا حياته... حياةٌ شوّهها الخوف والهروب، حتى غدت نقطةً سوداء ستفتك بالجميع يومًا ما.»
دفع تميم باب الشقة ودخل، ثم علّق المفتاح في المِقبض وأغلق الباب خلفه. طاف بنظره في المكان بحسرة، متسائلًا كيف سيُكمل تلك الحياة ويجعلها كما كان يحلم دائمًا، بينما هو مهدد بفقدان أعز ما يملك، كان سؤالٌ واحد يتردد بداخله بإلحاح: ماذا سيفعل إن تهدمت حياته أمام عينيه بسبب أذى أصاب عائلته؟ أما الإجابة، فكانت واضحة ومخيفة... سيترك الذنب يتوغل داخله ببطء، حتى يفقد عقله، ويُحبس داخل مصحّة نفسية أسيرًا لندمه وذنبه.
تنهد بتعب، وألقى بجسده فوق الأريكة التي ما زالت ملفوفة بنايلون التغليف، أخرج هاتفه واتصل بفيروز، ثم وضعه على أذنه منتظرًا ردها، ومرت دقائق قصيرة حتى أتاه صوتها عبر الهاتف:
_ ألو يا تميم
ارتخت ملامحه قليلًا فور سماع صوتها، ورد عليها بنبرة رجولية حانية:
_ وحشتيني...
صمتت لثوانٍ، ثم قالت:
_ والله... أمال مين اللي كان امبارح مش طايقني، ولا طايق صوتي، ولا بوحشك لما يجيلك المزاج.
مسح بكفه وجهه بتعب، وأردف بنبرة مبحوحة:
_ معلش يا فيروز، أنا آسف... أنا الفترة دي في شوية مشاكل....
استكن صوته، ولم يستطع أن ينطق بالحقيقة كاملة، فهي الحقيقة الوحيدة التي قد تقلب حياته وحياتها رأسًا على عقب إذا علم بها أحد، وتدمر مستقبله ومستقبل تلك المسكينة... رفع عينيه إلى السقف، فظهرت العروق الحمراء في عينيه كأنها آثار أناس تركوا جرحًا لا يُمحى.
عندما صمت هكذا، قالت بقلق:
_ في إيه يا تميم؟ إنت كويس؟
تسللت دمعة ساخنة فوق خده، لكنه أسرع يمسحها قائلا بجدية:
_ مفيش حاجة يا فيروز... المهم هتنزلي إمتى؟
_ شوية كده وهنزل... آه، نسيت، والنبي ابعتلي نور يا تميم علشان محتاجاها.
__ماشي، هبعتهالك، سلام__قالها، وأسرع يغلق الخط، وانساب عقله في تلك الذكرى
«فلاش باك»
على طريق الإسكندرية الصحراوي، كان تميم عائدًا من يومٍ طويل في عمله كصحفيٍّ استقصائي، بعدما غطّى أحداث قضيةٍ شائكة في الإسكندرية، وقد انتهى منها منذ قليل ليعود أخيرًا إلى بيته، محمّلًا بملل اليوم وثقل العمل، باحثًا عن لحظة راحة من همومه.
كان يقود دراجته النارية بسرعة ليصل إلى منزله أسرع، لكن فجأة توقف الدراجة في منتصف الطريق مما جعله يرتد للامام حتي كاد يقع لكنه تماسك ورفع عينيه ينظر حوله بهدوء، كان المكان معتم وتحوطه بنايات مهجورة و متهالكة، ولا يوجد بشري واحد يسير، ولا حتى سيارة تعبر فقد مرّ من ذلك الطريق كاختصار للطريق السريع، ترجّل من فوق الدراجة، ونزع الخوذة واضعًا إياها فوق المقعد. كان الهدوء وحده يعمّ المنطقة، إلى أن سمع أنينًا خافتًا قادمًا من أحد المباني المهجورة، وأصوات حركة، وطلقًا ناريًا...
نظر تميم حوله بغرابة، متسائلًا: من قد يكون في هذا المكان؟
فكّر أن يغادر المكان، لكن فضوله الصحفي كان أكبر من رغبته في الرحيل، فترك الدراجة واستدار يسير نحو مصدر الصوت...
«باك»
«تميم... يا تميم»
عاد من شروده على صوت نور عبر الهاتف، إذ كان قد ضغط بالخطأ على رقمها، فانتزعه صوتها من ذلك اليوم المشوّه الذي غيّر حياته، وحوّله من صحفي استقصائي بسيط إلى رجلٍ مهدد بكل شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وحدتي هي ملاذي»
"وحين تكون الوحدة هي الملاذ الوحيد في تلك الحياة، يعتاد البشر على البقاء دون ونيس يؤانسهم، ليس لأنهم يريدون الوحدة، بل لأنه لم يكن يومًا أحدٌ يريد البقاء معهم، فيظلون وحدهم، مبتعدين عن حكايات البشر."
_ حمزة، أنا مش ناقص... وبعدين هو لسه عايز يشوفني ليه ها؟ ليه؟ علشان يتهمني تهمة تانية من بتوع الست مراته؟_ قالها بغضب، ولم يعِر أي اهتمام أن التي يتحدث عنها هي والدة حمزة.
قال حمزة بهدوء، محاولًا أن يجعل الأمور تتطور، فهو منذ أربع أشهر يحاول أن يجعل ماهر يلتقي بوالده:
_ أمي متعرفش إن بابا عايز يشوفك، وبعدين يا ماهر ده أبوك يعم حتى تعال قابله علشان صلة الرحم اللي بينكم.
عقّب ماهر على حديثه بعصبية مفرطة:
_ صلة رحم... طب بالله عليك يا حمزة لتسكت.
برزت عروق رقبته بشدة، واشتدت قبضته على الهاتف، ثم صاح منفعلًا:
_ وكانت فين صلة الرحم والبيه بيطردني من بيته زي الكلب... صلة الرحم دي تقولها له، مش ليا.
ابتلع غصته، ثم أردف بلوعة، بينما كانت النيران تشتعل داخل صدره:
_ ملعون أبوها صلة الرحم يا حمزة... اللي تبقى بالشكل ده، ملعونها.
زفر حمزة طويلًا، وقال:
_ معلش يا ماهر، وحياة أمك عندك يا عم... هو والله نفسه يشوفك.
أجابه بسخرية لاذعة، فهو لن يصدق كذبه، وهو يعلم أن حمزة يفعل ذلك لأجل أن يصالحهما:
_ خليها في نفسه على طول بقي... سلام يا حمزة، علشان انا اتخنقت وممكن اي كلمة تخرج مني تزعلك، فاقفل أحسن.
ظهر اليأس في نبرة حمزة:
_ سلام يا ماهر، وأبقى عيد نفسك، ده مهما كان أبوك.
أنهى الاتصال، و أغلق عينيه محاولًا أن يهدئ نفسه، لكن لا شيء سينفع معه الآن إلا الشيء الوحيد: «المهد»، فتح عينيه، و أعاد الهاتف داخل جيبه، ثم فتح الأدراج بعشوائية يبحث عن ذلك المهد الملعون وما إن وجده حتى أسرع يبتلع أربع حبات دفعة واحدة علّها تهدئ نيرانه المشتعلة، هو لم يؤذِ أحدًا يومًا، فلماذا يحاول الجميع إيذاءه؟
حقًا يتساءل: ماذا فعل ليكن والده له كل ذلك الكره؟ لماذا يكرهه؟ ولماذا عامله بتلك القسوة حين كان يحتاجه؟ أما الإجابة الوحيدة التي يملكها، فهي أنه لا يعلم... لا يعلم حقًا لماذا والده يكرهه.
رن هاتفه مرة أخرى، لكنه تجاهله، ونظر إلى نفسه في المرآة رأى شابًا بالغ و ناضج لا يزال يعاني بسبب أهله، الذين من المفترض أن يكونوا ملجأه الدائم، لكنهم أصبحوا مصدر إزعاجه، ورغم وسامته الظاهرة، إلا أن داخل عينيه حزنًا لا يُطاق.
تنهد، ثم أخرج الهاتف مجيبًا:
_ إيه يا زكريا؟
تحدث زكريا بصوت مرتفع لكي يسمعه ماهر بسبب صخب الأغاني:
_ إنت فين يا بني؟ أنا مستنيك.
قال بهدوء، لكن نبرته فضحت ما بداخله:
_ جيلك بعد شوية.
__حاجة حصلت؟ صوتك متغير، في إيه؟__ نطق بها زكريا، الذي يعلم من نبرة صوت صديقه أن هناك شيئًا حدث.
__ لما أشوفك هحكيلك سلام __قالها، وأنهى المكالمة، ثم أعاد نظره إلى شكله في المرآة.
رفع يده إلى ياقة قميصه يعدلها، حيث كان يرتدي قميص أبيض و بنطلون قماش اسود و جاكت جلد لم يرتدي بعد بلا كان ملقي علي الفراش، تنهد وفتح أول زرين من القميص، التقط مفاتيحه وجاكته الأسود المصنوع من الجلد وارتداه، ثم التفت مغادرًا الغرفة والشقة بأكملها.
لكن عقله لم يكن ليتركه، إذ عاد يذكره بتلك الليلة التي طرده فيها والده...
«فلاش باك»
كانت الليلة قارسة البرودة حين كان يسير ذلك الفتى البالغ من العمر عشرين سنة فقط. كان تيشيرته ممزقًا قليلًا من الياقة، والمطر جعله ملتصقًا بجسده النحيل. خصلاته كانت مبعثرة فوق جبينه، والدماء المتجمدة تستقر بجانب فمه، وكدمات فوق خده تحولت إلى اللون الأزرق، كان يسير حاملًا حقيبته بعدما طرده والده من المنزل لأجل زوجته الحبيبة، تاركًا ابنه وحده في ذلك البرد القاسي، رفع ماهر رأسه إلى السماء بعينين حمراوين متورمتين، يقسم أنه لو رآه أحد في تلك اللحظة لاعتبره مختلًا أو مدمن مخدرات.
تحدث بوهن، وهو يشعر بتجمد أطرافه:
_ يارب، والنبي أنا تعبت... نفسي أرتاح بقى.
لم يتحمل جسده أكثر من ذلك، فسقط جالسًا بتعب على الأرض المبتلة، أجهش بالبكاء بصوت عالٍ، وكأنه لم يبكِ منذ زمن، وكأن كل ما كتمه داخله وجد أخيرًا طريقه إلى الخارج.
شعر بدوار خفيف، فتمتم بتعب:
_ يارب خدني وريحني... أنا تعبت.
لا يعلم ماذا فعل لوالده ليستحق كل ذلك. كان نائمًا بسلام في فراشه الدافئ، حتى انتشله والده من كل ذلك وألقاه هنا، في البرد القارس، ولا يتذكر بعد ذلك كيف وصل إلى منزل والدته، ولا كيف سقط مغشيًا عليه بعدما أنهك البرد جسده، وعجز عقله عن احتمال كل ما يعيشه بسبب... والده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
__صداع... أنتو صداع__ قال زكريا وهو يغلق أذنيه كي لا يستمع أكثر لشجار والده وابن عمه مؤمن.
توقف عاصم عن الحديث، ونظر إلى ابنه بضيق، فقال مؤمن:
_ والله لو اتحطوا فوق بعض هيقعوا ده إزاز يا عمي، يعني لو وقع هيتكسر، وبنتك هتاكل دماغنا.
قال عاصم وهو يصر على فكرته بوضع الصناديق الكرتونية الخمسة فوق بعضها، رغم أن حجمها كبير، وأنها إن وُضعت فوق بعضها ستقع أرضًا في الحال:
_ جرب حطهم، ومش هيقعوا.
_ قسم بالله هيقعوا... أقولك حطهم أنت وشوف و لو ما وقعوش يبقى حقك عليا.
ضحك زكريا بسخرية، مردفًا:
_ يا بابا، ملهوش لازمة تحطهم فوق بعض، علشان لو وقعوا وحاجة اتكسرت، قسمًا بالله ما هدفع جنيه واحد للبِت البومة بنتك.
قطعهما اصطدام أحدهم بظهر مؤمن، الذي تقدم للأمام، قال يونس الذي يختفي وجهه خلف الصناديق الكرتونية التي يحملها:
_ يالا شيل معايا، يحرق أبو برودك، أنا مش قادر.
استدار له مؤمن يقول بحنق:
_ يعني وإنت شايل إيه يا يخي؟ ده شوية كراتين حلل.
ضرب زكريا كفًّا بكف، ثم قال موجهًا حديثه لوالده بجدية:
_ بابا الحج عرفة...
التفت عاصم نحو الحج عرفة، الذي كان يبتسم بوجه بشوش، وسار نحوه بينما أردف زكريا:
_ هو إنت على طول يا يونس مش قادر... نفسي أعرف إمتى بتكون قادر.
وضع الصناديق الكرتونية أرضًا، وجلس على المقعد الخشبي:
_ لما بنام ببقى قادر في الأحلام، لكن أنا في الواقع عايز مستشفى علشان مش قادر، وجالي كساح قبل ما أشيب.
__ إنت كده مش عايز مستشفى، إنت عايز دار مسنين __قالها ماهر الذي وصل للمكان.
اقترب منهما وصافحهما، ومرت الدقائق بينهما في ترتيب الكراتين بجانب بعضها، ناول ماهر زكريا الكرتونة، وقال:
_ هو العريس مش ساكن هنا برضه؟
أجابه زكريا بهدوء:
_ أيوه..
_ امال مش معاكم ليه و لا يكون خايف يشيل حاجة.
رد مؤمن عليه بسخرية:
_ تلاقيه نايم ياعم و لا بيجهز نفسه ما هو عريس بقي.
قال يونس مدافع عنه:
_ ما هو عريس فعلا و لا عايزينه ينزل يفضل يشيل و يحط معاكم... هو اصلا ملوش دعوه بأنه ينزل يساعدنا ده جهاز اختنا احنا.
__ المحامي بنفسه بيدافع طب و احنا مين هيترافع عنا__ أردف ماهر بسخرية لاذعه كونه لا يحب دفاع يونس عن تميم، هو لا يحب تميم و لا يطيقه و يشعر أنه عبء علي قلبه كلما رآه أو تحدث معه.
عادوا لترتيب الأشياء، بينما كان ماهر يشرد بين الحين والآخر، تراه يفكر في حياته التي تسير دون وجهة معينة، وتراه شاردًا يتذكر أسوأ أيامه حين كان طفلًا، وحين كان مراهقًا، وحين أصبح وحيدًا.
في نفس الوقت خرجت نور من مدخل العمارة بخطوات متعجلة، وما إن مرت بجوار الصناديق حتى اصطدمت بكرتونة موضوعة بالقرب منها، فآوت بصوت خافت جذب أنظار زكريا الذي التفت إليها، خفضت نظرها سريعًا، ثم مرت أمامه دون أن تعطيه أي اهتمام.
عاد زكريا لما يفعله ببرود، وهو يدندن بصوت ساخر:
_ خدني شوقي لقيتني بروح عندها
حد تاني سبقني وخد إيدها
كان حبيبها وغايب بقاله سنة
والنهارده وصل على بختي أنا.
«يونس فريد العبد»
الابن البكر لـ فريد العبد، يبلغ من العمر التاسعة والعشرين، يعمل مهندسًا مدنيًا، يعيش مع عائلته لكنه يميل للبقاء الدائم مع جدته عزيزة، كونه قريبًا منها. يمتلك بشرة حنطية فاتحة، وعينين بنيتين لوزيتين، ويزين وجهه لحية خفيفة مهذبة بعناية فائقة، تتبع خط الفك بوضوح لتبرز قوته وحدته، وشعره بني داكن مصفف بشكل طبيعي. يتمتع بطول فارع ومتناسق يبلغ 185 سم، ويمتلك جسدًا رياضيًا ليس ضخم العضلات بشكل مبالغ فيه، ويتميز بكتفين عريضين، وصدر عريض ومشدود، وعضلات بطن مقسمة بشكل واضح (Six-pack)، وظهر مستقيم وقوي، مع عضلات بارزة تدعم قامة منتصبة وواثقة.
«مؤمن فريد العبد»
شقيق يونس، يبلغ من العمر السابعة والعشرين، طبيب أطفال ورسّام بارع، يعيش مع عائلته ويميل للبقاء مع جدته عزيزة أيضًا، ولديه هو وشقيقه غرفة يتشاركانها معًا في منزل جدته، يمتلك بشرة حنطية دافئة، تلوح عليها سمرة شمس خفيفة، وتزدان بنمش رقيق يترقرق فوق وجنتيه وجسر أنفه ليمنحه ملامح حيوية فريدة. عيناه عسليتان ببريق ذهبي ، يحيط وجهه شعر بني متموج ينسدل بخصلات ثائرة وعفوية، وتكتمل رجولته بلحية كثيفة ومهذبة بدقة ترسم حدود فكه القوي، طويل القامة، إذ يبلغ طوله 188 سم، ويمتلك جسدًا عضليًا نحيفًا يتميز بخصر ضيق وأكتاف عريضة جدًا، وصدر واسع مع عضلات بارزة تظهر بوضوح تحت القمصان القطنية الخفيفة، وذراعين طويلتين تظهر عليهما العروق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«العائلة»
"من أسرار العائلة أنها قد تكون أحيانًا الملاذ الوحيد الذي يحبك بصدق، وقد تكون أحيانًا الجرح الأقرب إليك، الذي لا يمنحك سوى الكره، كلاهما يحمل الاسم نفسه... لكن الفرق بينهما شاسع، لأن الأولى تُبنى بالمحبة، والثانية تُهدم بها."
كانت الغرفة تتناغم، الغرفة فيها درجات الرمادي الدافئ مع الوردي الناعم، كان السريران موجهين لبعضهما ومغطَّيَين بأغطية فرو رمادية، والوسائد البيضاء والوردية كقطع غيوم، على جانب الغرفة تستقر طاولة زينة بيضاء أنيقة بمرآة ضخمة تعكس ضوء النهار المتسلل من وراء الستائر الرمادية، تحيط بها أرفف طويلة بيضاء رُتِّبت عليها صور تذكارية تجمع يمنى ويسرى مع شقيقهما ماهر، وصورة أخرى ليسرى وحدها ويمنى وحدها، وصورة أخرى تجمعهما بوالدتهما ووالدهما، الأرضية تزدان بسجادتين من الفراء الوردي على شكل سحب تتماشى مع نجفة السقف الفريدة التي تتدلى منها إضاءات تشبه الزهور الملونة، والجدران بطلائها اللؤلؤي الهادئ.
كانت فيروز تجلس على المقعد أمام المرآة تتأمل مظهرها، حيث كانت عيونها مكحلة بكحل أسود وبعض من الكحل الأبيض الذي يبرز لون عينيها، بالإضافة إلى الرموش الاصطناعية التي وضعتها، والفاونديشن وبعض الأشياء الأخرى التي غطت عيوب بشرتها، التي كانت بها بعض الأماكن السوداء، فوق عيونها كان موضوع لون بني فاتح، وأحمر شفاه وردي يزين شفتيها، أمسكت فيروز أنبوبة مرطب اليد من «دوف» ورطبت يديها سريعًا، قالت نور وهي تتحدث بالهاتف بينما تضع الكحل بجفن عينيها، مما يزيد اسمرار عيونها، ويجعلها فتنة:
_ في الأوضة يا ماما هتلاقيه في الدولاب.
رفعت فيروز أعينها نحو المرآة تنظر لنور التي انتهت من المكالمة وألقت الهاتف بعيدًا، أردفت فيروز:
_ متكشريش شكلك بيبقى وحش....
ألقت نور نظرة غاضبة نحوها:
_ ملكيش دعوة.
تنهدت نور ثم عادت يدها لوجهها لتمزج الفاونديشن على بشرتها، قطع ذلك صوت يمنى وهي تغني بصوت رقيق:
_ القريب منك بعيد، والبعيد عنك قريب، كل ده وقلبي اللي حبك لسه بيسميك حبيب.
أكملت نور الكلمات بنبرة يكسوها الحزن، وكأن قلبها يعرف أن تلك الأغنية قريبة لحالتها الغريبة:
_ حبيب عينيا حبيب أحلامي، حبيب دموعي وهنا أيامي، حبيب عينيا حبيب أحلامي، حبيب دموعي وهنا أيامي، أهون عليك أسهر بآلامي، وتتوه نجوم الليل في ظلامي.
_ تعالى بس قرب أقولك كلمتين، قلبي مشتاق إليك، قلبي مشغول عليك، قلبي من حبه فيك على طول سهران، نسيتك قلت أجرب لاقيت زاد الحنين فيا، لعب الهوا بيا وأنا في الحاجات دي غلبان أوي، والنبي غلبان__ كانت تلك يسرى وهي تدلف للغرفة، وتتميل بخصرها مع ألحان الأغنية التي تستمع لها من خلال السماعات اللاسلكية.
رفع الثلاثة عيونهم بصدمة نحوها، لكنها لم تهتم، بل أكملت بصوت عالٍ مزعج، وأخذت تدور في الغرفة تكمل:
_ وحياتي تيجي بقى وتطمني، وكفاية كده بقى هتجنني، وحياتي تيجي بقى وتطمني، ده كفاية كده بقى هتجنني، إيه الحكاية بقى ما تفهمني، قوللي بتحبني ولا إنت نسيت زمان.
قالت يمنى بانزعاج من صوت يسرى البشع:
_ ده يبخت الأطرش والله.
توقفت الأغنية في توقيت نطق يمنى للجملة، نظرت لها يسرى بغيظ تقول:
_ ياريتكِ كنتِ طرشا علشان متسمعنيش، تفهمي إيه أنتِ؟ ده أنا صوتي..
__ ده ولا صوت أم كلثوم... يبخت الأطرش والله يا حبيبتي__ قالتها فيروز وانفجرت ضاحكة، وشاركتها الفتيات حتى يسرى.
دخلت علياء وكانت تجفف يدها بالمنديل، رفعت نظرها نحوهما فلاحظت أن يسرى لم تكن قد تجهزت حتى، فقالت:
_ لسه يا يسرى ملبستيش يا بنتي؟ هو كل مناسبة لازم إنتِ آخر واحدة تلبسي في البيت؟
استدارت يسرى وأسرعت تقترب منها مردفة: _ هروح ألبس وأجي بسرعة، والله ما هتأخر، استنيني علشان تحطيلي مكياج.
هزت علياء رأسها، فأسرعت يسرى تركض للمرحاض لكي تستحم وترتدي ثيابها بالمرة في المرحاض لكي لا تتأخر وتتركها والدتها وتغادر بالجميع للأسفل، نظرت علياء نحو نور تقول:
_ هما أهلك نزلوا يا نور ولا لسه؟
توقفت نور عن تمرير الفرشاة على وجنتيها قائلة بتوتر:
_ ماما قالتلي شوية وهينزلوا.
وكانت تكذب، لأن والدتها من خلال نبرتها التي كانت تتحدث بها بالهاتف تقول عكس ذلك، وأن هناك الآن نيرانًا تشتعل في المنزل بسبب والدتها التي إن عاندها تميم اليوم لن تنزل، تنهدت نور وعادت تمرر الفرشاة على وجنتيها، بينما فيروز كانت تبحث عن قلادتها التي أهداها لها زكريا قبل يومين، والتي على شكل صدفة وبها لؤلؤة تلمع، جلست يمنى على الفراش واقتربت علياء منها لتضع لها مكياجًا.
«يمنى عمران الصاوي»
تبلغ من العمر عشرين سنة، تدرس في كلية الحاسبات والمعلومات، هادئة بطبعها لكن مع عائلتها والمقربين تكون ثرثارية ومرحة، تمتلك بشرةً بلون الحنطة الفاتحة، أما عيناها فهما بلون البنّ الصافي ويحيطهما رموش طبيعية وكثيفة، يزين وجهها شعرٌ أسود قصير، كثيف ومتموج بحيوية، ينسدل في خصلات مدرجة تلامس كتفيها بعفوية، أنفٌ متناسق وشفتان بلون وردي باهت طبيعي، شقيقها ماهر من الأم، وتعتبر هي الأقرب له من توأمها يسرى.
«يسرى عمران الصاوي»
توأم يمنى لكنها لا تشبهها أبدًا، تدرس في كلية الحقوق، متمردة وعنيدة جدًا ولا تحب أن يتحكم بها أحد، تمتلك بشرة حنطية فاتحة ويزينها نمش رقيق وخفيف يتناثر بعفوية فوق وجنتيها وجسر أنفها، وعينان واسعتان مثل عيون الغزال وباللون البني الدافئ (بني غامق)، يحيط بوجهها شعرٌ بنيّ غامق طويل وبه خصلتان شقراوان تزينان شعرها، وتتميز بغرة أمامية خفيفة ومنسدلة على جبينها، تمتلك أنفًا متناسقًا وشفتين بلون وردي باهت، تميل لوالدها جدًا ومقربة منه، وتحب شقيقها ماهر الذي يدللها بما تريده بعيدًا عن والدها ووالدتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرج تميم من غرفته وكان يرتدي قميصًا أبيض مفتوح أول زرين منه وبنطال جينز بلون ثلجي فاتح، كانت نوال تجلس جوار عصام على الأريكة وتنظر للأمام بهدوء، اقترب تميم وقال:
_ قاعدين كده ليه؟ مش يلا ننزل؟
هبّت نوال واقفة مردفة بعصبية:
_ هو أنا مش قولتلك تعمل نسخة من مفتاح شقتك؟
رفع أصابعه يمررها بخصلاته ثم قال بهدوء:
_ وأنا اتكلمت معاكي في النقطة دي كتير وقولتلك أنا مش هحب حد يتعدى خصوصيتي يا أمي بعد الجواز.
تهجمت ملامحها والتفتت برأسها تنظر لزوجها الذي ينظر ببرود لها:
_ شايف اللي ابنك بيعمله.
نهض متوقفًا جوار ابنه وقال:
_ عنده حق... تاخدي ليه مفتاح شقته؟ وأصلًا هتطلعي تعملي إيه؟ ده هيبقى بيته هو ومراته.
صاحت بعصبية وارتفع صوتها:
_ وأنا أمه، وبعدين أنا هاخد نسخة من المفتاح تبقى معايا، ولا تكونش ست الكونتيسة خايفة لنسرق حاجة من حاجاتها.
رفع يده يفرك وجهه ثم تحدث بهدوء محاولًا امتصاص غضب والدته:
_ نتكلم في الموضوع ده بعدين والنبي... يلا ننزل.
_ ولا نازلة ولا منيلة، يلا بقى خد أبوك وانزلوا إنتوا انبسطوا وسيبوني لوحدي.
__ بالله عليكي يا نوال متكسريش فرحة ابنك وتعالي معانا، الناس هتسأل عليكِ تحت__ قال عصام بنبرة هادئة، لكن خلف تلك النبرة غضب بسبب أفعال زوجته تلك.
نظر تميم لوالدته نظرة لا تحتوي سوى على الاستغراب والاستنكار من أفعال والدته معه، هي تتدخل في كل شيء يخصه لكن ليس لتلك الدرجة، هي تحاول إفساد الزيجة، نعم هي تريد ذلك كونها لا تحب فيروز، وهذا هو السبب الوحيد الذي يجعلها تفعل أفعالها تلك، ورغم أن فيروز تعاملها بلطف ولا تفعل لها شيئًا حتى، طالت المشاجرة بين والده ووالدته، فالتفت تاركًا إياهما يتشاجران، وفتح باب الشقة وترك الباب خلفه ونزل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يصعد الدرج ببرود، ويده لا تكف عن مسح بقعة العصير التي فوق قميصه، والتي أحدثها له مازن حين كان يركض واصطدم به، وماهر كان يجثو أرضًا يربط حذاءه، فتطاير العصير من العلبة لقميصه، قال: _ كان يوم أسود يوم ما جيت فرح البت البومة دي.
__ بومة على دماغك... ولما أهزقك ترجع وتقول أنا اللي غلطانة__ قالت فيروز بحدة، كانت تقف على الدرج بطلتها التي تخطف الأنظار، وفستانها ترفعه بيدها مثل الأميرات.
لم يهتم ماهر بها، بل أكمل صعوده حتى وصل لنفس الدرجة التي تقف فوقها، فتراجعت هي تستند بظهرها على مسند الدرج الحديدي، توقف أمامها وقال:
_ على فكرة شكلك وحش أوي بالفستان ده.
نظرت له بغضب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يُكمل بسخرية:
- بصراحة، لو كنت مكان العريس، كنت هسيبك من أول يوم... عارفة ليه؟ علشان عينيكِ دي عاملة كأنك عفريتة طالعة من فيلم رعب.
كانت تنظر باشمئزاز وحنق، ولم تكن تنوي بالمرة الرد على سخريته تلك من عينيها وإهانته لها بأنها قبيحة بفستانها، هزت رأسها وكادت تكمل نزول الدرج، لكن خيوط فستانها كانت قد تشابكت بمسمارٍ بارز، تحركت بعنف محاولة تخليصه و بمحاولتها تلك انشق الفستان من أعلى ظهرها حتى أسفله دفعة واحدة، تراجعت فورًا، واحمرّت وجنتاها بشدة، وتحركت عيونها نحوه بذعر، تقسم أنها الآن تريد البكاء بسبب موقفها أمامه، ابتعدت للخلف أكثر، فالتوى كاحلها بعنف، وانحنى جسدها نحو الهاوية وبسبب الألم الحاد بقدمها لم تستطع التمسك بأي شيء.
أغلقت عينيها وأطلقت صرخة مكتومة وهي تستعد للسقوط، لكن يد ماهر امتدت نحوها سريعًا وهو يصرخ بفزع:
- حاسبي...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلش على التأخير في نزول البارت، بس عندي مذاكرة كتير الفترة دي، وبحاول على قد ما أقدر أكتب الفصول.
_طرف ثالث بالخطأ
_مريم القذافي
_الفصل الثالث