بدأ الملثّم يدور حولهما, راغبًا في استفزازهما أكثر... راغبًا في اختبار قوّتهما التي كانت شبه نائمة لديهما.
شعر أن تلك القوة متشابهة لدى الفتاة وشيخها, ممّا أثار استغرابه بشدّة.
كيف لفتاة لم تبلغ الألف سنة أن تمتلك قِوىً أحسّ أنّها ستقهره قريبا... كما فعلت من قبل؟
حاول تغيير خطّته في اللحظة الأخيرة, فالصدام معها قد يودي بحياته أو حياتها... و هي مهمة بالنسبة له أيضا.
لم يعلم كيف ينال مبتغاه منها:
هل يقاتلها و يجبرها على الخضوع له؟ أم يستدرجها باللطف و اللين ليسهل امتلاكها؟
كان يفكّر مليّا و يخطّط حين قاطعه الشيخ كأنه سمع أفكاره:
- أ لا يكفيك قتلي و قتل جين هاي سابقا في سبيل رغبتك المحمومة... في سبيل امتلاك ما لا يخصّك؟
ردّ الملثّم بهدوء و نظرة غريبة تتسلل نحو هوو فونغ:
- و لمَ تعتقد أنها لا تخصّني؟ ثم انتظر... هل تظنّ حقا أنني قتلت جين هاي, صديقك تلك الليلة؟
رمقه الشيخ بحيرة:
- ألم تفعل ذلك؟
ردّ الملثّم و الصدق يحاول أن يغزو صوته:
- أنا لم أُطلق السّهم, لكنّني من استلّه من قلبه.
صمت برهة ثم أكمل:
- ربّما لم أكن السبب في قتله, لكنني قتلته.
لا ... لم أقتله بل رحمته من ألمٍ كان سيودي بحياته عاجلاً أم آجلاً.
بعد تلك الكلمات , اشتمّت هوو فونغ رائحة دم كالتي آذتها عندما كانت في الفرن.
لمعت عيناها بغضب, ثم كشّرت عن أنيابها, كأنّها وحش محاصر تجتاحه ذكريات مؤلمة عن أبيها الذي لم يعد حينها.
أدركت الآن أنه قُتل على يد من يقف أمامها.
دون أن تشعر, انبثق من راحة يدها سيف البرق, سيف حاميها. و انطلقت نحو عدوّها تريد ردّ لطفه تجاه والدها.
تجنّب الملثّم ضربتها بخطوة بسيطة, محاولا تفادي الصدام معها. ثم قبض على الشيخ بسهولة و هو يهدّدها:
- ان لم تذعني, سأريحه أيضا من العذاب الذي سبّبتِه.
أخفت الفتاة سيفها كأنّها استسلمت.
و اقتربت منه رويدا رويدا في هدوء مخيف و رأسها مطأطئ.كانت عيناها متّسعتان, لا ترمشان... فقط مركّزتان على الأرض.
قدماها تتقدّمان بثبات نحوه و صورة والدها لم تفارق ذهنها و لو للحظة.كانت تسمع صوت ضحكته, و تشعر بدفء حضنه الذي اختفى بسبب هذا المجرم.
قرّرت في نفسها:
- لن أتركه يفلت بما فعله هذه المرّة.
لذلك لم تتوقّف إلا عندما اجتازت ثوبه فجسمه. ثم استقرّت داخل روحه.
تسمّر الملثّم مكانه, مدركا أنّه ان تحرّك خطوة واحدة سيهلك بضربة خاطفة لا تصيب جسده الفاني بل روحه التي بدأ يحسّ بتداعيها شيئًا فشيئًا... تمامًا كما حدث قبل ألف سنة.
بدأت يداه ترتجفان بشكل غير محسوس, و شعر بالدم البارد يجري في عروقه.
هل تراجعت قوته حقا؟
حاول التحكّم بنفسه, لكنه أحسّ بعرق بارد يتسلّل أسفل قناعه.
تسائل في نفسه:
- لم يجتاحني هذا الخوف؟ لم أشعر بشيء كهذا منذ آلاف السنين. فهل هي أقوى ممّا ظننت؟ أم أنّني فقدتُ قوتي لسبب آخر؟
ثمّ, و بكل هدوء, اقتلعت من ظهره كنزه الثمين... أغلى ما يملك.
اجتثّت منه أكبر أجنحته السحرية , مثل ما فعلت سابقا بأجنحته الصغيرة الماسية, عندما كانت في الفرن السحري.
عندما أنهت مهمتها, خرجت منه و ما زالت عيناها تنظران للأرض.
ابتعدت عنه قليلا ثم وخزته بنظرة لن ينساها:
- لا تتفاجأ كثيرا, فأنا ما أفنيتَ سنوات بالبحث عنه.
أنا التعوذة المحرّمة... أنا تلك الروح المنتقمة. لقد استحوذت عليّ تعويذتك عندما كنت في الفرن السحري, لذلك أصبحَت جزءا من روحي. و لن تنال مرادك حتى ان قتلتني. هيا غادر فقد تلقّيت جزاءك العادل. ارحل و لا تكابر. و إلاّ...
لم يفهم الملثّم أغلب كلامها لأنه كان منشغلا بالألم الذي ألمّ به.
لقد شعر أنّها اقتلعت شيئا من أعماقه. فكان يصرخ بصمت داخل عقله, لكن صوته لم يصل حتى لنفسه.
كان عاجزًا تمامًا. لذلك آثر الهروب و الانسحاب... فتحوّل الى مذنّب طار في السماء حتى غاب و هو غير مصدّق لما حدث له بتلك السرعة للمرة الثانية.
ثمّ فجأة بدأ الصّقيع يغزو قمّة الجبل, مجمّدا كل ما يواجهه في طريقه.