تقف الأكاديمية السماوية شامخة على قمة جبل غيوم, كأنها قلادة تزيّن عنق السماء.
من بعيد تبدو كقلعة أسطورية, تنبض بالطاقة و تحيط بها هالة ذهبية تعكس عظمة المكان و قدسيته.
عند الاقتراب تظهر تفاصيل تزيّن بوابتها العظيمة وجدرانها المهيبة, هي في الحقيقة نقوش تتحرك, تصوّر معارك ملحمية وأساطير قديمة.
داخل الأكاديمية تمتد ممرات رخامية ,على جانبيها تنمو نباتات غريبة بألوان متوهّجة, كلها تؤدي الى قاعة التدريس الكبرى.
حيث تتلون و تتغيّر حسب الاختبار. فهي مسرح للمعارك و التحديات... ملاذ للدراسة والزراعة الروحية. باختصار كانت تلك القطعة من السحاب أكثر من مجرّد مكان للتعلم؛ كانت أرضا مقدسة, تجمع تحت سقفها أحلام المحاربين , أسرار الحكماء و صفاء الصالحين.
صباح أول يوم لها في الأكاديمية, اعترض طريق هوو فونغ ذلك الفتى الوسيم و المشاكس سوو.
وضع يده حول كتفها كأنها صديقته منذ الأبد و بدأ بالوسوسة لها.
ثم قدّم لها جرّة مملوءة بالشراب المنعش. و قبل الدخول الى قاعة الدرس تركها و قال لها مازحا:
- أنا أعتمد عليك أيتها الكارثة.
أذعنت هوو فونغ لطلبه بكل سرور, بكل غباء. ووضعت تلك الجرّة فوق طاولة المعلم ثم اختارت مقعدا قرب سوو لأنه أراد ذلك بشدّة.
عندما دخل المعلم لي لمح تلك الجرّة ففتحها. بدأ يشمّها باعجاب و هو يقول:
- أحسنتم التصرف. هكذا يمكنني العمل بسعادة.
لقد كان المعلم لي أكثر شخص مرح في المملكة كلها. فلا كدر يصيبه و لا مسؤولية تزعجه.
أحيانا يكون ساذجًا و أحيانا أكثر سذاجة.
عندما شرب رشفة من الشراب ثقل لسانه و التوى. فبدأ بالصياح بصوت مضحك, لأنه لم يغضب حقا من فعلتهم المشينة.
سأل بصعوبة و لا مبالاة عن صاحب المقلب ظنّا منه أن أحدا لن يعترف.
و كالعادة رفعت هوو فونغ يدها طلبا للإجابة_لأن شيخ الفرن أمرها ألا تتكلم إلا بعد طلب الاذن, مهما كان الأمر مهما_
قال لها المعلم لي و هو يدعم شجاعتها:
- حسنا... اخبريني من قام بذلك و أضمن لك أنه لن يتعرّض لك... لأنك فضحت أمره.
ردّت الفتاة بكل هدوء:
- انه أنا يا معلمي.
استغرب المعلم لي و حدّق فيها بكل ودّ بعينيه الساحرتين, بزرقة البحر, كأنه يراها لأول مرة.
قال لها:
- لا... لا تضحّي في سبيل غيرك كي تحميه من العقاب.
هزّت هوو فونغ كتفيها و هي تخبره:
- لا. لست كذلك.
سألها المعلم كأنّه يدافع عنها ضد بساطتها, ضد براءتها:
- لم فعلتِ ذلك؟ أظنّ أنّكِ لطيفة. لاتجرؤين على فعلها... لوحدكِ.
وقفت بحماس و أشارت الى سوو و هي تحدّق فيه ثم قالت:
- لقد أمرني هو بذلك.
لقد كانت عيناها جميلتين و ساحرتين كبركتين صافيتين. لكنّهما كانت مخيفتين لأنّهما تسلبان سِترك أمامهما. فتحسّ أنك عار. لا تستطيع اخفاء دواخلك عنهما أبدًا.
كيف لا و قد اكتسبتا قوة مرآة الحقيقة التي امتصتها هوو فونغ و هي داخل الفرن.
وقف سوو كأنه مسحور يكاد يثقب وجهها بنظرات غامضة و اعترف بكل سهولة:
- نعم...أنا حرّضتها على فعل ذلك فلا تلُمها.
ابتسم المعلم لي و قال:
- لم أعتقد أنّ الجيل الجديد سيكون بهذه السذاجة , بهذا الغباء. فلا يستطيع اخفاء فعلته بدهاء.
التفت له سوو و هو يجيبه:
- لن تستطيع ذلك ان توسلت لك هذه العيون.
ضحك المعلم لي مما سمعه و أضاف:
- بل و أصبح جيلاً أكثر وقاحة.
ثم صمت قليلا و أضاف:
- أم هي الصراحة؟
لا يهم... هيا يمكنكما اكمال الغزل بينكما و انتما تنظفان الأكاديمية.
قال سوو و هو متحمّس:
- لا بأس بذلك. هذا سهل جدّا.
قالت له هوو فونغ كأنها تلومه:
- انت لا تستطيع تنظيف الاسطبل الذي تعيش فيه حتى. فكيف يسهل عليك تنظيف كل الأكاديمية.
ضحك الجميع عليه, لكنه لم يستحِ من كلامها و لم يخجل من وصفها. بل تقدم نحوها و القى يده على كتفها و هو يجرها بسرعة خارج قاعة الدرس تحت عيون المعلم لي المنبهرة, و تحت نظرات ووشين البعيدة و الغاضبة.
قاما بتقسيم العمل بينهما فكانت الحديقة الكبيرة من نصيبها.
لقد أصرّ سوو على تنظيف الصفوف رفقة صديقه الوفي و طلب منها أن تعتني بنباتات الحديقة, فتسقي أزهارها و تشذّب أشجارها, لأنه اعتقد حقا أن تلك المهمة تناسبها.
و كعادتها التي لم تتغير, كانت تطير بين الأزهار كنحلة تُقلق راحتها معتقدة أنها تؤنس وحدتها.
صعدت الى أعلى قمة شجرة هناك و بدأت تتأمل الأكاديمية الساحرة بعيون تملأها السعادة.
لقد شعرت أنها حية من جديد... فصرخت باسمها بكل سعادة و حيوية:
- هووووو فوووونغ.
ثم ضحكت من كلّ قلبها عندما سمعت تردّد صدى صوتها في كل الحديقة, في كل الأكاديمية... بل في كل المملكة.
لكن توقّفت ضحكتها فجأة عندما تردد اسمها بصوت رجولي و قوي.
كان الصوت مختلفا و حادا كالسيف.
تسائلت بغباوتها المعتادة:
- هل يتغيّر صدى الصوت هكذا عادة؟
- هووووو فووووونغ... هيا انزلي.
ألقت نظرها نحو اتجاه الصوت, فرأت المعلم ووشين يقف تحت الشجرة و هو يؤنّبها بنظراته الحادة و القاسية.
حتى أن قدمها زلّت من مكانها فسقطت على الأرض و هي تتأوه من شدّة الألم.
لقد اجتاحها ألم مفاجئ في ظهرها اثر السقوط, لكن الألم الأكبر كان ذلك الذي تسلّل الى قلبها كلما نظرت في عيني ووشين الغاضبتين.
وقفت بسرعة فكانت محاصرة بينه و بين جذع الشجرة و هو لا يزال يحدّق فيها باستياء.
لا أظنّ أنه غضِب بسبب صياحها, بل بسبب احساسه بقربها من سوو الساحر, صديقها الجديد.
لكن قبل أن تجد الكلمات, اجتاحتها مشاعر غريبة.
اتّسعت عيناها من شدّة التوتر الذي استحال الى ارتباك ثم اضطراب غير مفهوم.
بدأت أنفاسها تتسارع و أصبحت تعابير وجهها صادمة حقا. لقد غزا الخوف قلبها في تلك اللحظات القصيرة ثم طفا على وجهها حتى أغرق عينيها. ارتجف جسدها لأن ذكريات مدفونة انبعثت فجأة، ومرّة أخرى، لتعيدها الى مكان آخر و زمان آخر.
بدأت تلهث بعد أن اجتاحتها صور من ماضيها, ماضٍ بعيد كادت أن تنساه... أو نسيته فعلا.
صرخات مكتومة, ظلال تهرب منها في الأحلام, و ألمٌ يعود ليخنقها كلّما حاولت أن تنسى.
دفعت ووشين بعيدا و حاولت الركض لكن قدميها خانتاها.
اقترب منها كي يطمئنّ عليها و هو مستغرب فجأة تحولها... للمرة الثانية.
فهل هو طبع لديها؟ أم أن هناك سبب آخر؟ ربما يكون هو من يخيفها...
زحفت الى الخلف كحيوان مجروح ظنّ سابقا أن جرحه ضمّده النسيان و ماهو بمفتوح.
لكنه كان مخطئا...كان ساذجا.
فلا جرح الغدر يبرأ و لا غدر القلب يدرأ.
و أخيرا تدخّل سوو ليساعدها بعد أن لاحظ من بعيد اضطرابا في هالتها.
سألها بصوت قلق:
- هل أنت بخير؟
ثم أمسك بيديها و أوقفها فلم تقدر ركبتاها على حملها.
التقطها كقطة صغيرة و هي ترتجف خوفا. و قبل أن يغادر غدر معلمه بنظرة لوم, نظرة غضب, و كأنه يسأله:
- ما الذي فعلته بها؟
عندما وصلت غرفتها, طلبت من سوو المغادرة بسرعة, حتى تستطيع التنفس ثانية... حتى تستطيع شدّ أزر روحها الجاثية.
عندما غادر , و في لحظة اغلاقه الباب, فُتحت أبواب جهنّم الذكريات على مصراعيها لتجرفها لعذاب لا مفرّ منه... لتسحبها نحو ماض لا أمرَّ منه.