لم يتوقّف الصّقيع عن غزو الجبل حتى جمّد كل حيوان فيه و كل نبات. اختفت منه الحياة, أو ربما نامت في حضنه كل الكائنات.
فبدأت الأخبار تتسرّب عن وجود ساحرة على قمّة ذلك الجبل، أثارت فضول كل من سكن حوله.
و بدافع الفضول أو التحدّي, بدأ يتوافد عليه كل مختال بقوّته من البشر, متحدّيا الصّقيع و متحدّيا الساحرة التي يُشاع أنّها وراء هذا الفعل الشنيع.
لكن يا خيبة مسعاهم.
كلما اقتربوا من الجبل, زادت شهية الصّقيع لالتهام المزيد. و يا له من أمر مريع.
هكذا و بسبب غرور الانسان, امتدّ تجمّد الزمان و المكان, حتى كاد أن يصل الى القرى المحيطة بالجبل المقدّس.
عندما سمع بعض فتيان نخبة مملكة السماء بأمر الصّقيع, قرّروا زيارته, متوعّدين بكسر لعنته.
و لم يعلموا أن الفتاة هوو فونغ تقف خلفه.
كانوا ثلاثة فتيان شجعان, تقودهم فتاة أشجع منهم. أو ربمّا الأكثر تهوّرا بينهم و هي مَيْ لينغ.
مَي, التي كانت تعدّ أجمل فتاة في مملكة السماء و أرقّهم_أو هكذا كانت قبل ظهور هوو فونغ_ وسوست لهم, و دفعتهم الى كشف سرّ اللعنة و هزيمة تلك الساحرة... أو الروح المنتقمة.
و يا له من فخّ سقطوا فيه بسرعة.
عندما اقتربوا من الجبل, ألقت مي تعويذة لكسر الحجاب, لكنّها فشلت بعد محاولات كثيرة.
سخر منها زميلها الذي يُدعى "سوو الساحر" و هو أقوى تلميذ في المملكة و أوسمهم حقا.
تقدّم بخطى ثابتة نحو الصّقيع كأنه يتحدّاه. فابتلعه بكل يسر أمام أعين الجميع.حاولت مي سحبه بسرعة, لكنّها جُمّدت أيضا.
عندها خاف مَن بقي منهم و ارتبك. فقرّر طلب المساعدة من أحد المعلمين الكبار, إمّا المعلم الأكبر و هو سيد الحرب ووشين أو صديقه المعلم لي. تخاطر معهما بسرعة و استنجد بهما. ثم وقف جامدا في انتظارهما.
ظهر المعلمان كبرق شقّ السماء في لمح البصر.
عندما وصلا , وقفا يتأملان روعة المكان و سحر الجمال الذي التهم الحياة, لكنه تركها لوحة بديعة للعيان.
بدآ معا بالقاء تعويذة لإحياء الحياة و إخماد الصّقيع... لإنهاء المعاناة.
فجأة, برزت لهم فتاة تطير في الفضاء حاملة بين يديها عجوزا مغمى عليه. كانت تحميه بين جناحيها الصغيرين الماسيين, بينما خفّقت بشدّة بجناحيها الكبيرين لتبعد الغريبين.
لكن المعلمين لم يستسلما, خاصة ووشين. الذي تربّع معتدلا أمام دائرة الصقيع. أغمض عينيه و بدأ بتلاوة تعويذة أخرى لصد هجوم تلك الغريبة.
بدأ يطلق رماح برق حادة، قاسية و ظالمة أصاب بها جناحيها الكبيرين.
تألّمت الفتاة و كادت تفتح عينيها, لكنها لم تستسلم.
خفّقت بشدة أكبر من ذي قبل ،مطأطأة رأسها, غير منتبهة لمن حولها أو عددهم.
عندما أصاب رمح آخر أحد جناحيها الصغيرين, كادت تُسقط العجوز الذي كانت تحمله.
و ما إن لمح المعلم لي وجه ذلك الرجل حتى صاح في صاحبه:
- ووشين توقف. إن شيخ الفرن رهينة لديها.
صُدم ووشين مما سمعه. و فتح عينيه بسرعة ليميّز تلك الغريبة و ذلك العجوز.
أوقف ترتيل تعويذته و إطلاق برقه.
لكن، نتيجة لتوقفه التهمه الصقيع بدوره و جمّده.
ربما تعتقد أنّه لقي ذلك المصير بسبب هفوة ارتكبها.
لكن لا...
فالأمر أبسط من ذلك...
لقد انسحب بخنوع أمام حلوته.
نعم... ففي تلك اللحظة المصيرية, استسلم لها و لم يخف الأذيّة.
أمّا هوو فونغ, فقد أقرّت أيضا بالاهزيمة بمجرّد سماع اسمه فقط. لذلك اختفت أجنحتها و غادر الصّقيع معها.
عادت الفتاة الى سابق عهدها الى براءتها, و أعادت الحياة لمن سلبتها. لكنها سقطت مغشيا عليها.
أفاق ووشين بعد انهيارها مباشرة فطار نحوها كي يمسكها.
نعم...انهارت الفتاة بسبب كلمة سمعتها... بسبب نظرة شوق من عينيه أصابتها.
و هكذا بكل بساطة أدركتُ الفرق بين نظرة الشوق التي تمنح الحياة و نظرة الانتقام التي تصنع الممات.