عندما لاحظ الشيخ قطرات الدم تتساقط من بين أصابع الملثم, أيقن أن نية الزائر شريرة.
تساءل في نفسه كيف يمكنه حماية تلك الصغيرة؟
قال الملثم بصوت جاد:
- لا تخف, فلن أؤذيك مالم تؤذني. هذا وعد شرف مني لك, أيها العجوز.
سأله الشيخ و قد علا صوته الحيرة:
- ما سبب قدومك إذا بهذه الهيئة إن لم تكن تنوي الشرّ أو الأذية؟
ردّ الملثم و هو يحاول فتح باب الفرن بيديه:
- أمري لا يخصّك.
ثم غرس أصابعه في الباب مستعينا بالسحر, محاولا زعزعته.
لكنه لم يستطع فعل شيء.
عندها بدأ بالقاء تعويذة لم يكن يتقنها سوى شخص واحد في المملكة: جين هاي.
استغرب الشيخ من ذلك كثيرا, لكنه لم يحرّك ساكنا. اذ قرّر أن يترك أمر فتح الباب المستعصي لعدوه حتى حين.
حاول الملثّم مرارا, لكنه لم يُفلح, لأن الباب لن يُفتح قبل أن ينهي الفرن إهلاك ما بداخله.
أما العجوز , فكان يشاور نفسه بصوت يكاد يُسمع:
- هل أساعده في فتح الفرن فيساعدني ثم يقتلني؟
أم أقاتله الآن و ربما يقتلني؟
لكن هالته قوية... لا يمكنني أن أكون له ندّا ذا أهمية. فما عساي أفعل لانقاذها؟
تقدّم شيخ الفرن و ألقى تعويذته ليساعده.
احتار الملثم لكنه لم يكترث. استمرّا بالمحاولة, علّهما ينجحان معا و يسابقان الزمن قبل هلاك ما يخصّهما.
لكن المحاولة فشلت مرة أخرى.
نظر كل منهما للآخر, و في أعينهما حديث لم تنطقه الألسن.
همست العيون دون صوت:
- ان فشلتُ فسأقتلك. و إن فُتح الباب فسأُهلكك.
فشلا مرة أخرى.
لم ييأسا و حاولا من جديد و لكن...
قبل أن يبدآ, فُتح الباب من تلقاء نفسه, أو هكذا ظنّا.
لم يدركا أن فتاتنا الصغيرة يسّرت الأمر لهما.
عندما سمعا صوت أزيز الباب, شعر كليهما بالأمل في انقاذ ما يرغبان فيه. لكنهما علما أيضا أن هذا الصوت أطلق سراح نيّتيهما الشريرتين, كوحشين محبوسين في قفص اليأس، ينتظران لحظة قطع الرأس.
قبل أن يستلّ الشيخ سيفه السحري, كان الملثم قد غرز خنجره المسموم في ضلوعه.
لقد علم العجوز منذ البداية أن الخيانة حتمية, و أن مصيره الفناء عاجلا أم آجلا.لكنه أصرّ على انقاذ تلك البائسة من مصير مؤلم, حتى لو اضطرّ الى مساعدة الأعداء.
سقط الشيخ مغشيا عليه على الفور, فاستغلّ الملثم الموقف.
دخل الى الفرن دون أن يدرك ما ينتظره.
يا له من شجاع حقا, فقد دخل عرين الهلاك بكل جرأة, دون أي ادراك للعواقب.
بدأ يجوب ظلمات الفرن كمذنّب يحوم في فضاء السواد و لم يكترث لنور الهلاك الذي صار يطارده بكل شراسة. بحث طويلا, لكنه لم يجد سوى الفراغ و العدم.
لكن فجأة ظهرت له هوو فونغ بهيئتها البشرية.
طار نحوها و بدأ يدور حولها مرارا و تكرارا, محاولا إيقاظها من سباتها لتجيبه عن مكان ظالّته.
لكنها لم تتحرّك, حتى...
حتى سقطت قطرة دم على يدها.
استنشقت هوو فونغ من ذلك الدم رائحة الأذية, و أحسّت بالألم قبل الغثيان. استفاقت و عيناها حزم و عزم على الانتقام, استفاقت فقط كي تعاقب ذلك الغادر الجبان.
طارت نحوه كمذنّب كبير ثم توقفت أمامه تسأله:
- ما الذي تفعله هنا؟ و ما الذي فعلته هناك؟
ردّ الملثم ببرود:
- هذا أمر لا يخصّك. هيا أعطني ما سرقته.
سألته بحيرة:
- ما الذي تقصده؟
تنهّد الملثم و كأن صبره قد نفذ ثم ردّ بغضب:
- أريد تلك الجرّة و ما فيها من تعويذة محرّمة. كانت هنا, ولا يوجد غيرك ليأخذها.
ردّت الفتاة بثقة:
- لا أمتلك ما يخصّك بالتأكيد. لكنّني سأفعل الآن و هذا وعيد.
صاح الملثم بغضب:
- أنت تكذبين انها أقوى تعويذة في كل الممالك... لم يكن الفرن ليقدر على اتلافها.
أين خبّأتها ؟ هيا... لا تكابري و استسلمي و إلا ستنالين مصير ذلك العجوز.
رمقته بنظرة باردة كالصقيع ثم همهمت:
- ظننت ذلك أيضا. إذا هي دماؤه.
ردّ الملثم محاولا التبرير:
- لم أكن أريد قتله. لكنني قرأت الغدر في عينيه, فسبقته و عاقبته.
أغلقت الفتاة عينيها بكل هدوء و قالت:
- و أنا أيضا قرأت الغدر في عينيك... لذلك سأعاقبك.
ضحك الملثّم من تهديدها, ثم انطلق نحوها بسرعة.
بدأ الصراع بينهما...
كانا كمذنّبين يتناطحان داخل الفرن. مع كل اصطدام, انطلقت شرارات نار... شرارات الغضب.
عندما ملّت الفتاة من تلك "الألعاب النارية" اتجهت نحوه بنية الأذية.
وصلت له و توقفت ثم دنت فدخلت حتى صارت ببساطة داخل روحه... فوجدتها أكوانا في فلكه.
أدهشها ما رأت من نجوم و أنوار داخل روحه لكنها لم تنسى الانتقام من هذا الغدّار.
مدّت يدها دون تردّد واقتلعت بغلظة من روحه نجمتين صغيرتين... كانتا في الحقيقة جناحين ماسيين.
في تلك اللحظة أحسّ الملثم بألم شديد ... كيف لا و قد فقد جزءا من روحه تنفيذا لذلك الوعيد.
بدأ جسمه يرتجف من الألم و أحس برعشة قوية انتفضت لها روحه.
سألها و هو يحاول التماسك أمام هذه الفتاة:
- ما الذي فعلته أيتها الشريرة؟
ردّت عليه بكل برود:
- ليس لديك سبب لتنتحب. لقد اخترقت عرين الفرن السحري, و اخترقتني.
ثم سبّبت الأذى لسيدي... لذلك أردت فقط أن أرحّب بك خصوصا بعد أن أثارت قطرة الدم تلك شهيتي.
صمتت قليلا ثم أضافت بنبرة جادة حادّة:
- هيا غادر الآن و إلا فلن أعفو عنك... و لن يغفر الفرن لك.
أمعن الملثم النظر في وجهها يحفره داخل ذاكرته ثم ردّ بصوت حانق الى أبعد حدّ:
- أقرّ بأنني هُزمت و لا أقوى على الصدام... سأغادر, لكنني سأعود حتما للانتقام.
رافقته هوو فونغ حتى الباب... حتى غاب في الضباب. حينها لمحت سيدها, شيخ الفرن ملقى على الأعتاب.
أرادت مساعدته لكنها لم تستطع الخروج.
سمعت صوتا في الظلمات:
- لم يحن الوقت بعد يا فتاة.
فكّرت مليا في طريقة لانقاذه فلم تجد حلاّ.
لكن فجأة و دون وعي منها... انساب شعاع مضيء من راحة يدها.
كان شعاعا سحريا, ربما شعاع الأمل أو شعاع الحياة. امتدّ نحو الشيخ و انغرس في راحة قدمه.
ثم بدأ ينسج جسد العجوز المتهالك كقطعة قماش, حتى أفاق من جديد.
لقد علم أن تلك الفتاة أنقذته بشعاعها و حافظت على روحه بسحرها.
أغلق الباب شاكرا, ثم جلس على كرسيه الهزّاز متمتما:
- الآن فقط بدأت مهمتي فعليا.
ثم مرّت سنوات... بل مئات.