كانت المملكة في تلك الأوقات تعيش حالة من الفوضى المنظمة .
نعم, كانت فوضى منظمة بدقة و منتشرة ضمن نطاق محدد. عندما تفكر فيها للوهلة الأولى, يبدو الأمر كأنه هجوم عشوائي هدفه بث الرعب و الانتقام.
لكن عندما تغير زاوية تفكيرك, تدرك أن تلك الهجمات كانت مركزة في منطقتين مختلفتين من ناحية الأهمية. اذ كان الهجوم الأول عنيفا بدرجة لا توصف , موجها للأطاحة بقصر مجلس الشيوخ, لذلك استدرج أغلب الجنود من القوى النخبوية كلها للدفاع هناك.
أما الضربة الثانية و الغادرة فكانت هادئة, و مسمومة في مكان أقل أهمية...
قرب شجرة الحياة المقدسة: هوي لين.
لكن ما الهدف من ذلك الهجوم يا ترى؟
لحظة... ألم ننس شيئا أهم من هذا و ذاك؟
أجل, أعتقد ذلك.
لقد نسينا هوو فونغ فتاة الفرن. يا لها من مسكينة. فبعد أن استأنست لمئات السنين بوالدها الحنون, تركها دون سابق انذار, و دون حتى أن يُعلمها.
بل التعيس في الأمر أنه تركها قرب التعويذة المحرمة التي كان من المفترض اتلافها في ذلك اليوم.
عندما سمع مساعدا جين هاي بأمر الهجمات توترا كثيرا, خصوصا بعد أن علما باقتراب العدو من منطقتهم المعزولة. ارتبكا و قررا تنفيذ أمر الاتلاف بسرعة.
أخذ أحدهما الصينية التي كانت عليها التعويذة و كان تحتها الخاتم, أو بالأحرى هوو فونغ.
و عندما وصلا الى شيخ الفرن, سلمه أحدهما تقرير الاتلاف على عجل, بينما فتح الآخر باب الفرن و رمى داخله الصينية بما فوقها في حركة خاطفة ثم أغلق الباب.
لم يهتم ذلك العجوز بقلقهما و لم يتأثر بنظرة الخوف في عيينيهما. بل بكل هدوء ألقى تعويذته لتشغيل الفرن, أو بالأحرى لتدمير ما في بطنه.
هكذا و بكل بساطة, بدأ الهلاك يجوب ظلمات الفرن السحري, يزعزع أركانه كوحش تحرر للتو.
في اعماق تلك العتمة استفاقت هوو فونغ مرتبكة و تائهة, تتساءل في نفسها:
- ما كل هذا السواد؟ هل أنا في خزانه أبي؟ لا, لا... لابد أنني في جراب معلّق بخاصرته... و هو يركض بالتأكيد.
بهذه السذاجة, فسرت الصغيرة كل ذاك الاهتياج.
لكنها عندما لمحت نورا صغيرا يكبر شيئا فشيئا, استأنست به, دون أن تعلم أنه الهلاك بعينه.
بدأ ذلك الضوء بالتهام ما يحتويه الفرن قطعة تلو الأخرى.
أحست بشعور غريب غزا روحها لأول مرة, و لم تدرك معناه بعد.
هل هو الخوف؟ أم حب الاستطلاع؟
هل خافت مما يفعله ذلك النور, أم تشوقت لمعرفة ما سيحدث لها ان التهمها؟
استغربت جدا عندما بدأت الكرة البلورية، التي كانت بداخلها, تتشقق تحت وطأة ما يجري في الظلام.
ثم التفتت غير بعيد عنها, فرأت جرّة زجاجية محكمة الاغلاق, بدأت تحمرّ شيئا فشيئا ثم انفجرت.
لقد كانت تلك الجرّة تحمل التعويذة المحرّمة التي تمكن من يمتلكها من نسخ أي قوة سحرية يريدها.
لم تخف تلك الفتاة, فهي لا تعرف بعد معنى الخوف, بل حملقت بدقة في شعاع أحمر انطلق من تلك الجرّة.
كان الشعاع يرتطم بجنون بجوانب الفرن كأنه حيوان أعمى لا يعلم وجهته.
لكنه فجأة بدا و كأنه لاحظ وجودها. انطلق نحوها بسرعة قبل أن يبتلعه نور الفرن. دار حول البلورة مرارا و تكرارا محاولا ايجاد سبيل الى هوو فونغ لكنه لم يستطع الوصول اليها.
عندما زادت تصدعات البلورة, تسلل الشعاع الى داخلها و التف حول هوو فونغ كأفعى تلتف حول فريستها ثم اندمج معها. فاصبحت هوو فونغ و الشعاع واحدا.
لم تفهم الفتاة ما حدث لها, و لم تحاول حتى معرفة ما جرى. كل ما كان يهمها هو ذلك النور الذي اقترب منها أكثر, ثم احتواها.
صرخت تلك المسكينة صرخة مدوية داخل أنوار الهلاك, لكن أحدا لم يسمعها سوى شيخ الفرن و نجوم كانت قد أخفت نفسها عن الفرن داخل جنباته.
و الآن, بعد آلاف السنين , وجدت هذه النجوم فرصتها في هوو فونغ, كما فعل شعاع التعويذة.
وقف العجوز فجأة, متفاجئا مما سمعه:
- هل حانت أخيرا تلك اللحظة؟ اللحظة التي أمضيت آلاف السنين في انتظارها.
حاول فتح الباب لكنه لم يستطع.
ألقى عليه تعويذة لكنه لم يفلح.
ضربه بعصاه لكنه لم ينجح.
فما الذي سيفعله لانقاذ ما بداخل الفرن؟ أو بالأحرى, لاتمام مهمته الأخيرة التي أُوكلت إليه قبل موته؟
- هل تريد المساعدة؟
التفت الشيخ نحو مصدر الصوت المجهول, و في عينيه نظرة ريبة.
لقد علم أن خطبا ما سيحدث.