عندما تعلم أنّ والدها جين هاي هو المسؤول الأول عن تدمير الأسلحة السحرية لأعداء و حتى لأصدقاء من سحرة و محاربين و جبابرة عاشوا و فنوا تحت حدّ السيف أو عذاب الصواعق, و عندما تدرك أنّه صاحب القرار الأخير لحرق ما بقي من ذكراهم داخل الفرن المقدّس في مملكة السماء, فمذا ستظنّ؟
ستعتقد حتما بل تكاد تجزم أنّه رجل صعب المراس, حادّ الطباع, قاس متجبّر لا يرحم و لا يهتم. يمحو آخر ماتبقّى لغيره و إهلاكه في الفرن المقدّس دون رحمة.
لكنّ الحقيقة عكس ذلك تماما.
لم يكن جين هاي كبقية حكام مملكة السماء. لم تكن قوته تكمن في قبضته، بل في صمته و في نظرة عينيه اللتين لم تعرفا الغضب، و حتى في يديه اللتين لم تعرفا العنف. كان كالبحر الذي يحمل اسمه: هادئ على السطح، عميق في الجوهر.
قيل إنه في شبابه، كان محاربًا لا يُشق له غبار. لكنه منذ أن فقد زوجته، دفن سيفه في غمده ودفن قلبه في ماضيه.
أصبح لا يغادر قصره. لا يشترك في صخب المجلس، و لا يحضر حتى مراسم الحرق في الفرن المقدس. يكتفي فقط بالتوقيع على القرارات، ويترك الباقي للآخرين.
كما أن وجود حارس الفرن, ذلك الشيخ الكبير, كان يخفّف عنه جزءًا كبيرا من عبء تلك المسؤولية.
لقد ائتمنه على الفرن منذ آلاف السنين...منذ اعتزال ذلك العجوز من منصبه القديم.
لذلك كان جين هاي يقضي معظم أوقاته يداعب بلطف بلورة خاتمه حتى تستيقظ هوو فونغ تلك النسمة فيأخذها في جولته المعتادة في حديقة قصره. يقرأ لها الروايات و يحكي لها الحكايات عن عالم جميل عاش فيه زمنا طويلا هو و زوجته...عالم بعيد يسمى ''مملكة الغبار''_كوكب الأرض.
لقد أراد بشدّة أن يحدثها في كل لحظة عن أمها, كي لا تنساها بالرغم من أنها لم تلتق بها قط.
لكن تلك اللحظات الثمينة لم تدم أكثر, بعد ذلك اليوم المشؤوم في مملكة السماء.
في ذلك المساء, و على غير عادته, نزع جين هاي خاتمه.
فجأة, دخل مساعده حاملا طبقا يحتوي على بعض الأدوات السحرية و تقرير الحرق من المجلس. وضعه أمامه على الطاولة كي يؤشّر عليه بالخاتم.
حين أنهى جين هاي دخل عليه جندي من القصر الرئيسي لمجلس القدماء يلهث و الدماء تغطيه.
قال له:
- عذرا سيدي... لقد تجاوزوا البوابة الثالثة... انه العدو....
لم يفكر جين هاي كثيرا, فقد انتقل هدوءه المعتاد الى قلق شديد. وقف بسرعة من مكتبه, أخرج سيفه و انطلق بسرعة البرق أو بالأحرى كان برقا في الحقيقة.
لقد نسي امر حرق تلك الأدوات التي وافق على اتلافها, كما نسي أمر ابنته التي استكانت داخل البلورة.
عندما وصل الى البوابة وجد أغلب أفراد المجلس هناك يدافعون ببسالة عن سمائهم ضد عدوّ طالما تربص بهم سرّا و علانية...انهم جنود مملكة الظلال.
أشهر سيفه و بدأ يقاتل كل من كان في طريقه, بشجاعة طورا و تهوّر طورا آخر.
كان همّه الوحيد أمن مملكته, أمن عشيرته و خصوصا ابنته.
توقف فجأة عندما تذكرها, فألقى نظرة على يده فلم يجد خاتمه. كان قد تركه على الطاولة عندما همّ بالرحيل, و هي غلطة لا تغتفر.
غلطة أودت بحياته قبل حياة ابنته.
في تلك اللحظات القصيرة التي تذكّر فيها ابنته و تفطن لغياب خاتمه, اختفى هو من الوجود كله.
لقد اخترق قلبه سهم غادر من مجهول, ربما كان أحد جنود الظلال... و ربما لا.
حاول جاهدا نزع السهم لكنه لم يستطع. كان للسهم رأس كثير الأشواك, كلما حرّكه تألّم أكثر.
اقترب منه عدو ملثّم, يرمقه بنظرة باردة قاسية, و همس في أذنه:
- لا تحاول... حتى ان نجحت في اخراجه فلن تسلم من سمّه.
لم يعره جين هاي بالاً فقد كان الألم يعتصر قلبه, ليس بسبب السّهم لكن لأنّه أراد التخلص منه بسرعة كي يعود الى ابنته فيُخفيها قبل اختفائها.
ابتسم له ذلك الملثم:
- أظنّك مُصرّ على اقتلاعه... سأساعدك قليلا.
و دون سابق انذار استلّ السهم بغلظة, فمزّق رأسه القاتل قلب جين هاي بكل فظاعة.
لم يكن أحد يتخيّل أن ذلك القلب الوديع سيلقى هذا المصير المريع.
سقط جين هاي على ركبته مستندا على سيفه"سيف الرعد" و باليد الأخرى قابضا على قلبه الذي كاد يخرج من مكانه من شدّة العذاب.
بدأ بالبكاء بمرارة على مصير ابنته الذي خطّه خطأه. ثم بدأ بالعويل, طالبا منها الصفح, طالبا منها المغفرة بأعلى صوته عسى أن تسمعه من مكانه هذا.
انحنى ظهره من شدة الألم و الأسى على ابنته, و طأطأ رأسه خجلا من زوجته التي سيلاقيها قريبا, بعد أن نكث بوعده و لم يحم الأمانة التي تركتها له.
اقترب منه الملثم, تأمله بغرابة, ثم بدا عليه الحزن و الشقاء كأنّه تذكر أمرا محزنا. لكنّه مسح ذلك الشعور بسرعة من عينيه.
ابتسم ابتسامة مخزية و همس كأفعى في أذنيه:
- عندما ألقاها, و حتما سأفعل, سأخبرها بما حدث لك بالتفصيل. فلا تحزن كثيرا على فراقها, لأنني سأرسلها لك بسرعة. سأهتم بلقاءك بها.
ثم ضحك ضحكة استهزاء و غادره دون أن يلتفت.
رغم قربه, لم يستطع جين هاي تمييزه و هو يسترق أنفاسه الأخيرة. كل ما استطاع أن يطبعه في ذاكرته هو ابتسامة عينيه الماكرة الخبيثة.
و يا لها من ابتسامة... بل يا لها من تعاسة.
فمجرّد التفكير في ابنته في لحظات حاسمة أودى بحياته, و نسيان وجودها في لحظات أخرى أودى بحياتها.