في اليوم الموالي, رجع ووشين الى قصر جين هاي يتفقّد أحوال الفرن, أو هكذا أقنع نفسه.
لكنه في الحقيقة أراد رؤيتها, رؤية تلك الفتاة التي قضّت مضجعه.
لم يرد أن يفكّر فيها, لكن عقله و قلبه و روحه اتفقوا لأول مرة على عدم نسيانها أو حتى الالتهاء عنها و لو للحظة.
فما هو سرّها؟ لم كل هذا الاهتمام بها؟ و لم كل هذا الانتماء لها؟
وصل هناك بسرعة, بلهفة, آملا أن يراها... آملا أن يطفئ شوقا اتّقد بين ليلة و ضحاها.
لكن يا خيبة مسعاه.
وجد هناك فقط شيخ الفرن جالسا كعادته على كرسيه الهزّاز, غائبا عن الوجود كله.
اقترب منه ووشين و حيّاه بكل احترام فردّ عليه العجوز بعد أن انتبه لوجوده:
- مرحبا أيها المعلّم الأكبر ووشين. هيا تفضل اجلس.
ردّ ووشين باضطراب غير معهود:
- لا بأس, لن أطيل المكوث. أردت أن أتحدّث معك في موضوع مهم. فهل أنت لوحدك؟
التفت الشيخ يبحث عنها فلم يجدها. قال له:
- اطمئنّ, أظنّ أنها غادرت منذ الصباح... يمكنك أن تتحدّث بحرية.
سأله ووشين بلهفة:
- لكن الى أين؟
رمقه الشيخ بنظرة حائرة و ردّ بكل هدوء:
- لا أعلم, فهي لم تخبرني بوجهتها. ربما تكون في حديقة القصر... أرجوك أخبرني بما تريد.
فكّر ووشين قليلا ثم تنهّد:
- أظن أن الوقت قد حان كي نعيّن مسؤولا جديدا عن الفرن السحري و قصر جين هاي. فما هو رأيك؟
أجابه العجوز بنبرة استحسان:
- و نِعم الرأي... لقد حان الوقت كي أتقاعد أنا أيضا. فهل يمكنك أن تجد من يخلفني في حراسة الفرن؟
سأله ووشين بقلق:
- و لمَ تستقيل الآن؟ هل هناك سبب محدّد؟
ألقى الشيخ بنظره بعيدا و هو يحاول اخفاء قلق غريب على طبيعته:
- أنت تعلم أنني كبرت في السنّ, و لدي الآن مسؤولية جديدة كما رأيت... يجب أن أعتني بقريبتي و ان لم أفلح في ذلك سأضطرّ لإرجاعها الى أهلها.
تنهّد ووشين بحسرة و قال:
- لك ذلك أيها الموقّر.
ثم رجع الى قصره ببطء كأن الخيبة تُثقل قدميه, أو ربما هما مشتاقتان لها فلم تريدا الرحيل قبل أن يراها.
أحسّ أن هناك من يتبعه من بعيد فلم يهتمّ لذلك.
عندما دخل قصره, وخزه قلبه كأنه يؤنبه على تجاهله لمن وراءه.
التفت فوجدها تركض خلفه كطفلة صغيرة و عيناها مليئتان فرحا. توقفت أمامه و لم تتكلم.
بقي هو أيضا صامتا لأنه لم يدر ماذا يقول لها, كأن حلقه غصّ بمشاعر مضطربة لم تزره من قبل.
مدّت يدها له و هي تقدّم له عباءته التي غطّاها بها بالأمس .
قالت له:
- أراد مني العجوز أن أشكرك فشكرا.
سألها و هو مشتّت الذهن.
- من هو العجوز؟ هل هو شيخ الفرن؟
ردّت هوو فونغ بكل عفوية:
- أظنّ أنّه هو, لأنني لا أعرف عجوزا آخر غيره.
ثم التفتت الى الحديقة و هي تقلّبها بعيونها الغارقة في الفرح. بدأت تجري و تدور بين الأزهار كالنحلة و هي تردّد:
- لقد اشتقت لك أيتها الحديقة...أيتها الأزهار...
توقفت أمام شجرة كبيرة و طرقت جذعها منادية:
- هيا اخرج أيها الخُلد الجبان... أم أنك نائم الآن؟
كان ووشين متجمّدا مكانه و هو يراقب تصرفاتها التي ظنّ أنّها مطبوعة في ذاكرته قبلا.
أراد أن يسألها, لكنّ الخُلد لم يترك له مجالا. فبخروجه من جحره أشعل فضول ووشين واستغرابه أكثر.
و كأنّ ذلك لا يكفيه... اقترب ذلك الحيوان الصغير منها و بدأ يشتمّ ثوبها و ربما يحيّيها.
ضحكت الفتاة و أنّبته :
- لقد أصبحت عجوزا... ألا تزال تفسد أزهار الحديقة كسابق عهدك؟
غضب ذلك الخُلد و كشّر عن أنيابه, ثم أصدر حشرجة لوم و اختفى في جحره يتجاهل اتهامها و وقاحتها.
استوقفها ووشين و هو عازم على سماع حقيقتها و سرّ معرفتها لكل تفاصيل حديقته.
سألها بكل جدّية:
- من أنت؟
ردّت هوو فونغ و هي ترمقه بنظرة حائرة:
- أنا من قابلتها بالأمس قرب الفرن... أنا من أحضرَت لك رداءك. هل نسيت بسرعة؟
حدّق فيها مليّا كأنّه لم يفهم إجابتها:
- حسنا ما اسمك؟
هزّت الفتاة كتفيها بلامبالاة و قالت:
- لا أعلم.
أخذ ووشين نفسا عميقا ثم سألها مرّة أخرى:
- بما يناديك والداك؟
زمّت على شفتيها كأنها لا تريد الكلام ثم قالت بصوت خافت حذر:
- لقد نبّهني العجوز بأن لا أخبر أحدا عنّي... لكن أظنّ أنك تستحق أن تعرف.
يمكنك مناداتي بحلوتي... مثل أبي.
دهش ووشين و ردّد وراءها:
- ماذا؟ حلوتي؟
أجابته بسرعة:
- نعم . ماذا تريد؟
صمت ووشين و لم يحرّك ساكنا و هو يتساءل في نفسه:
- هل هي فعلا حمقاء أم أنها بريئة فقط؟
عندما لاحظت ارتباكه ابتسمت له و قالت:
- ان لم يعجبك هذا الاسم فيمكنك أن تختار غيره...
مثلا عزيزتي أو صغيرتي... كما تريد.
ثم واصلت مرحها و هي تخطو بسرعة نحو باب غرفته. منعها الحارس من الدخول الى حين موافقة سيده.
اقتربت منه و بدأت تتلمس خدّه بسبّابتها و هي تتفحّصه بجرأة قائلة:
- و أنت ألا تزال تسترق النظر الى تلك الفتاة ذات الرداء الأزرق؟
تلعثم الحارس و سألها مرتبكا:
- لماذا تتّهمينني بهذا الفعل المشين؟
ثم صمت للحظة كأنه تذكّر شيئا مهمّا و أردف:
- هل تقصدين زوجتي؟
ردّت عليه ببراءة مشوبة بالسخرية:
- اممم... لا أعلم. هل أصبحت زوجتك الآن؟ أظنّ أنها اعتنت بك جيّدا.
ثم بدأت تقرص خدّيه المكتنزتين بمرح.
أسرع نحوها ووشين ليمنعها من العبث أكثر. أمسك يدها و جرّها بعنف نحو غرفته.
بدا الغضب واضحا في ملامحه, و كأنّ تصرفاتها تجاوزت كل الحدود.
أوقفها وسط الغرفة و سألها للمرة الرابعة بنبرة جديّة حازمة:
- هيا أخبريني من أنت... و كيف تعرفين كل هذه التفاصيل القديمة؟
بدأت تدور حوله و هي تتفحصه بعينيها اللتين ضيّقتهما من الشك. حدّقت في كل شبر منه كأنها تبحث عن شيء مفقود أو خاطئ.
أما هو فظلّ واقفا دون حراك يحاول السيطرة على مشاعره المضطربة.
توقفت فجأة خلفه, ثم صاحت:
- لقد تذكّرت أمرا مهما.
اقتربت من أذنه من الخلف و همست بنبرة أثارت ارتباكه:
- محبوبتي الصغيرة... يمكنك مناداتي بهذا الاسم كما كان يفعل والدي, ان لم يعجبك حلوتي.
حين همست بتلك الكلمات, سرت قشعريرة في جسد ووشين كادت تفتك برباطة جأشه... و كأنها همسها أصاب صميم قلبه.
أكملت هوو فونغ تحليقها كالفراشة داخل غرفته و هي تكاد تطير فرحا كما كانت تفعل سابقا.
فجأة, تسمّرت مكانها عندما لمحت مزهرية زرقاء.
اتّسعت عيناها و ارتعش كل جسدها كما لو أنّ ذكريات مؤلمة اجتاحت روحها في لحظة.
تقدّمت نحوها بخطوات متردّدة , عندما رأت فيها شبحا مألوفا.
مدّت أصابعها المرتجفة تلامس الكسور التي كانت تزيّن المزهرية و قالت بصوت بالكاد يُسمع:
- إنّها هنا... لكن كيف ؟
همس ووشين بقلق:
- ماذا هناك؟ هل تعرفين هذه المزهرية؟
تراجعت الى الخلف و هي تهرب من تلك القطعة التي أيقظت أسوأ ذكرياتها. بينما، ملامحها التي كانت تفيض فرحا تحولت الى قناع من الإضطراب و الخوف.
و دون أن تنبس بكلمة, دون وعي منها انطلقت هاربة كأنها تفرّ من قاتل يجرّ سيفه يتعقّبها.
هكذا اختفت بسرعة تاركة خلفها ووشين الذي وقف دون حراك.
حتى أنه لم يستطع ايقافها... لأنه اضطرب لاضطرابها و استغرب كثيرا هروبها.
فما الذي عكّر مزاجها؟ و ما الذي هزّ كيانها؟