في تلك الغرفة السوداء, كسواد قناع مالكها، تلألأت بركة صغيرة محفورة داخل حجر قديم, قِدم المملكة.
كانت البركة تشعّ نورا خافتا عند حضور تلاميذ الأكاديمية السماوية, خيرة شباب المملكة و أشجعهم.
اجتمعت فيهم الحكمة و سرعة البديهة. لذلك كانوا أمل المملكة في تسييرها بعد خسارة خيرة شيوخها في الهجوم الأخير الذي مات فيه جين هاي أيضا.
وقف ذلك المقنّع يراقب حركاتهم و يستقرئ تصرفاتهم... علّه يميّز المنشود بينهم.
لكنّه لم يجد ضالّته بعد, و لم ييأس رغم طول العهد.
ذلك الصّباح لمح في بركته شخصا يتقدّم بثبات نحو بوابة الأكاديمية.
لقد بدا مألوفا من بعيد فمن يكون يا ترى؟
كان كلّما اقترب أكثر أحسّ المقنّع أنه شخص غير عادي... ينذر بما هو غير متوقّع.
فهل سيكون وبالاً على المملكة أم حصنها المنيع؟
ترك المقنّع غرفته في هدوء و انطلق نحو الأكاديمية... انطلق نحو هدفه المنشود الذي ظهر أخيرا.
أو هكذا اعتقد.
هناك في الساحة اجتمع جنود النخبة مع معلميهم , في أول لقاء بينهم لهذه السّنة.
كانت تلك الأخيرة و بنهايتها سيختار المعلم الأكبر ووشين رفقة المعلم لي نخبة النخبة, لتولي زمام أمور المناطق المقدّسة في المملكة.
مهمّتهم هذه السّنة هي أن يجتازوا بنجاح اثنتا عشر اختبارا, في ميادين مختلفة و من يتجرّأ على التساوي مع المعلم الأكبر في تجاوزها سيحضى بأعلى منصب في المملكة كلها.
وقف كل التلاميذ و هم بضع عشرات منظّمين في ثلاث صفوف.
مرّ أمامهم المعلم لي و هو يدقّق النظر فيهم واحدا تلو الآخر.
فجأة, توقّف أمام أحدهم و هو يبتسم ابتسامة مرحة و قال:
- لم أظنّ أنك مهتم بالانضمام الينا ...أيها الشيخ العجوز؟
أشرق وجه شيخ الفرن رغما عنه و ردّ بكل لطف:
- لقد مرّت أحلى أيام شبابي و أنا أتدرّب هنا ولا مانع لدي في تكرار ذلك... ان سمحت لي ركبتاي طبعا.
اقترب منه المعلم الأكبر ووشين و خاطبه بكل احترام:
- أنت نخبة النخبة في كل مكان و زمان. حتى و ان خذلك جسمك فروحك لن تخذلك.
رد الشيخ:
- لكنّ روحي تطمح لشيء آخر... فهل لك أن تلبي طلبها؟
أجاب ووشين بكل أدب:
- أنا موافق دون أن تطلب.
ضحك العجوز من هذا الرد:
- اذا لا تلُمني عمّا سيحدث لك من مشاكل في المستقبل.
استغرب ووشين من كلام الشيخ. لكنه لم يعلّق بل بقي ينتظر تفسيره الذي صدمه حين سحب من خلفه فتاة.
و ليست أي فتاة.
رمقها ووشين بنظرة غاضبة غامضة ثم قال بصوت حاد:
- ماذا تفعلين هنا يا فتاة الفرن؟
أجابته ببراءة كعادتها:
- هل دعوتني بفتاة الفرن؟ ألم تختر لي اسما آخر من قبل؟
اممم... دعني أتذكر...
آه نعم. ناديتني بحلوتي...
ثم لم يعجبك فاخترت محبوبتي الصغيرة بدل ذلك. فهل نسيته؟
احمرّ وجه ووشين مما سمعه من الفتاة و لم يستطع ايقافها أو اتّهامها بالكذب. فقد صدقت في كل كلمة قالتها.
- ما أوقحك يا فتاة.
هكذا صاحت فيها مي, بعد أن أحسّت بالغيرة مما سمعت.
ثم أضافت:
- كيف تتجرئين على الكذب على المعلم الأكبر أمامنا و تشويه سمعته على الملأ.
لم تردّ هوو فونغ بل أخذت تتفحص الفتاة التي أمامها و هي تدور حولها ثم توقفت فجأة كأنها وجدت حلّ معضلة. صاحت فيها بصوت عال جدّا:
- آآآه...
تريدين منه أن يناديك أنت بهذا الاسم لذلك غضبت.
لا بأس, لا تغضبي, ستكونين حلوته... أما أنا فمحبوبته الصغيرة . فماهو رأيك؟
لما أحسّ الجميع بغرابة ما يحدث, خصوصا موقف ووشين الصامت و هراء تلك الفتاة, تدخّل العجوز:
- لا تتكلمي دون اذن.
ثم التفتَ الى ووشين و خاطبه بخجل:
- اعذرني أيها المعلم الأكبر. لكنني حذّرتك سابقا. فهل تستطيع تحمّل الأمر.
عندها ضحك سوو ساخرا:
- بل قُل تحمّل الكارثة.
أنّبه المعلم لي الذي لم يزح نظره من على وجهها. ثم أراد أن يقول:
- لا بأس. أنا أستطيع تدريبها. فلا تقلق حيال أمرها.
لكنّ ووشين لم يتركه يكمل كلامه. اذ قاطعه بسرعة:
- يمكنني تحمّل الكارثة. فلا تخف.
رفعت هوو فونغ يدها تطلب الاذن بالكلام كطفل صغير. فأشار لها الشيخ بالموافقة.
اقتربت من المعلم الأكبر ووشين و ربّتت على كتفه و هي ترمقه بنظرة فخورة. ثم قالت:
- لا تخف. أنا أيضا يمكنني تحمّل الكارثة معك. فأنت تعلم مدى قوتي... أم أنك نسيت جبل الجليد؟