فتاة الفرن: هوو فونغ (بداية الاختبارات)
بداية الاختبارات
.........
بعد مرور عدة أيام...
أيام و هي غارقة في حزن لم يدعها تنام .
وقف شيخ الفرن على باب غرفتها يواسيها. يحثّها على النسيان على دفن ماضيها.
لذلك بسرعة قرّرت الإذعان وكأنّ كلام الشيخ مجرد عذر... للغفران.
بدأت تستعد للرجوع لسالف عهدها . صادقة بريئة غير خائفة أو هكذا حاولت جاهدة.
كانت أول الواصلين فاستقرت في المقعد الأمامي تنتظر قدوم البقية خصوصا صديقها سوو الذي حزن لحزنها و تأثّر لغيابها.
توافد التلاميذ تباعا . ثم استقروا على مقاعدهم وهم يمعنون النظر في الفتاة الضعيفة التي انهارت بعد تلقي أسخف عقاب.
لم تكن تلك الحقيقة. لكن مي لينغ بثت تلك الإشاعة بعد اختفاء هوو فونغ لسبب لا تعلمه الا هي.
عندما دخل المعلم لي رفقة المعلم ووشين وجدها جالسة كصنم . لم تستطع رفع بصرها من على الأرض. بعد أن ضاقت أذنها بتلك الهمسات و الهمهمات، قررت المقاومة ... مقاومة سم تلك الذكريات.
لكن قلبها خانها في أتفه اللحظات.
بجرأة رفعت رأسها و وخزت وو شين بنظرة قاتلة لم يفهم معناها. ثم بدأت أنفاسها تتسارع شيئا فشيئا كلما امعنت النظر فيه.
لم تستطع هوو فونغ المكوث أكثر لأنها علمت أنها ان بقيت ستُحرج نفسها مرّة أخرى. فوقفت بحده كي تغادر المكان لكن المعلم لي أحس بتغير مزاجها فقال لها مازحا:
- لا داعي للوقوف لتحيتي أيتها الكسولة. أم تريدين الاعتذار عن تملصك من العقاب أيتها الخمولة.
رمقته بنظرة باردة كالصقيع ثم التفتت مغادرة كأن كلامه لا يعنيها.
في تلك اللحظة وقف بقية التلاميذ مثلها يريدون القاء التحية على معلميهم بسببها. استغربت الفتاة تصرفهم وفكرت بسذاجة:
- هل يريدون الابتعاد مثلي.
وقبل ان تتحرك بعيدا من مكانها أطل سوو من الباب. ركض نحوها . أمسك بيدها وباليد الأخرى أحنى رأسها للمعلمين وهو معها ثم قال:
- فعلا نحن نريد الاعتذار عما بدر منا آخر مرة. فأرجوك سامحنا.
لقد كان يريد منها تدارك ذلك التصرف المشين. أما في سره طلب منها أن تنسى أن تلين. خصوصا بعدما علم بأمر الاختبار ذلك اليوم .
سألته بكل براءة و وجهها محمرّ من الانحناء:
- لمَ أحني رأسي معك؟ ولمَ أنفّذ طلبك؟
ابتسم وقال لها:
- لأنني أكبر منك سنًّا و أريد مصلحتك.
ردت بتذمر:
- وهل مصلحتي في عصر يدي؟ هيا اتركها... و اعف عن رأسي.
أفلت يدها في استحياء ليس منها لكن من نظرة معلميه الساخطة.
قال المعلم لي بحزم للجميع و قد تغيّر لون عينيه للسواد:
- اليوم هو أول اختبار لكم أيتها النخبة.
ثم أشار لمساعديه فقاموا بتوزيع كرات بلورية على كل واحد منهم. كانت تضيء بروعة كأنها تحتجز شمسا داخلها.
ابتسم المعلم لي لفرح هوو فونغ بتلك الكرة وقال لهم:
- بين يدي كل واحد منكم النهار. أطفئ نوره و ستنجح في الاختبار.
نعم. لقد كان التحكم في الليل والنهار أول اختبار لهم أول تحد لتصفيتهم.
بدأ الجميع بإلقاء تعويذته الخاصة على الكرة. يحاولون النجاح من أول مرة. و كما هو متوقع سبقتهم مي لينغ في فعلها.
بكل بساطة لأنها كانت تلميذة وو شين المميزة منذ نعومة أظافرها.
ولأنها لم تكن مجتهدة فقط في التّدرب بل في استفزاز هوو فونغ، أيضا، بدأت بالتّهكم عليها و تسخر من تخبّط حركاتها.
بعد مدة، استطاع جلّهم اجتياز الاختبار إلا فتاتنا هوو فونغ التي وضعت راحتي يديها على الكرة وهي تتوسل اليها أن تساعدها. فما كان منها إلا ان أذعنت و بدأ نور شمسها يغيب شيئًا فشيئًا.
فرحت هوو فونغ كثيرا لكن ذلك لم يدم طويلا.
فعندما كانت تحدق بإمعان في كرتها لاحظت وجود شخص تعرفه داخلها... شخص آلمها كثيرا برحيله عنها.
تجمّد الدم في عروقها وهي تراقب عن كثبٍ ذلك الملثّم في الكرة يتقدم نحو والدها يوشوش له بسرّ ثم روحه يفنيها.
لقد سمعت في تلك اللحظات بكاءه المرّ ونحيبه المستمرّ على ابنة ضاعت منه في لحظة خطر.
كان جين هاي ينادي اسمها بأعلى صوت لم يسمعه أحد سواها.
لم تستطع تحمّل الأمر فصرخت بدورها صرخةً دوّت في كل أرجاء المملكة. صرخةً أطفأت شمسهم و أوقفت كل كلام... صرخةً أغرقتهم في الظلام.
لم يستوعب الكثير من التلاميذ ما حدث. لكنهم علموا السبب عندما دوى اسمها بين شفتي ووشين مزعزعًا ذلك الليل المفاجئ، ساحبًا الشمس التي أضاءت عالمهم كما في البادئ.
لكن ذلك النور لم يستطع محو ظلماتٍ سكنت روحها و أغرقت تلك المسكينة من جديد داخل ذكريات مسمومة، فاتحة جراحا محمومة.
في اليوم الموالي تقدمت ناحيتها فتاة قاتلة النظرة باردة الابتسامة. حيّتها متلعثمة كأّن الأدب في الكلام يثير غثيانها. ثم قالت لها بحدّة:
- أريد منك أن تصبحي صديقتي فهل لديك اعتراض؟
فرحت هوو فونغ كثيرًا بطلب الفتاة المتعجرف. وافقت وهي تلقي بنظرة فخورة نحو سوو. كأنّها تثير غيرته بتوافد الأصدقاء عليها ولم تكن تعلم أنّه هو من دفع تلك الفتاة يُوي لمصادقتها فربما تنسجمان معا وتخفّفا من آلامهما أبدًا.
اعتدلت يُوي في جلستها قربها و قد بدت عليها الراحة من صميم قلبها بعد موافقة هوو فونغ.
قدم مساعد المعلم لي الى قاعة الدرس. طلب منهم الانتباه ثم اخبرهم بضرورة توجههم لساحة القتال الرئيسية في المملكة.
بسماع ذلك الأمر بدأت أفواههم بالهيجان. فمنهم من اسعده الأمر. ومنهم من احتار لسبب اختيار ذلك المكان.
سألت مي لينغ المعلم لي بصوت أنثوي مصطنع يشبه الى حد كبير صوت مواء قطة مختنقة بكرة شعر مقززة كصاحبتها:
- و هل سيحضر المعلم ووشين معنا؟
في تلك اللحظة بدأ سوو بتقليد صوتها بخنوع أثار ضحك الجموع.
إلاّ هوو فونغ التي كانت تراقبه و هي فاتحة فمها باندهاش. سألته تلك الساذجة:
- ما الذي تفعله ؟ و لم يضحك الجميع عليك؟
قالت لها يوي التي لم تستطع السيطرة على نفسها من الضحك:
- إنّه يقلد مي لينغ. ألم تفهمي الامر؟
ردت هوو فونغ :
- وهل كلامها يدعو لكل هذا الضحك و الصّخب؟
أجابها سوو :
- طبعا أيّتها الغبيّة!
فكّرت هوو فونغ قليلا ثم أطلقت ضحكة عالية وسط دهشة الجميع. فما كان منهم الا أن همّوا بالمغادرة و بسرعة لأن الموقف كان حقًّا مريع.
أرادت هوو فونغ اللّحاق بهم لكنّها لم تكن تعرف موقع الساحة، مكان الاختبار، فتبعت يوي بفرح. فهذه أول مرّة ترافقها فتاة مثلها منذ بداية سنتها.
عندما وصلوا الى وجهتهم كان المعلم لي في انتظارهم. طلب منهم الجلوس على مقاعد المتفرجين حتى حين.
ثم بدأ الحرّاس بإخراج وحوش لم تر لها الفتاة نظير. فكانت بغباوة فرحة بما سيصير.
قال لهم المعلم لي:
- اليوم هو اختبار الوحوش الأسطورية. اختره أنت أو سيختارك ليس أمرا ذا أهمية. لأن الأهم هو ترويضه دون أذية.
لم تفهم هوو فونغ عمّا يتحدث معلمها. فسألت دون كلام صديقتها يوي التي أخبرتها في جملة واحدة وهي قلقة عليها:
- أظنّ أنّ عليك اختيار أصغرهم كي تروضيه قبلهم.
و دون سابق انذار طارت هوو فونغ نحو قفص الْتَوَت داخله أفعى صغيرة حمراء . وصاحت بفرح:
- لقد اخترتها يا معلمي.
تفاجئ المعلم لي كثيرا و بدا الخوف على وجهه. أمّا مي لينغ فابتسمت ابتسامة نصر... ابتسامة مكر.
في وقت واحد صاح سوو و يوي:
- لا تفعلي ذلك أيتها الغبية.
ردّت عليهما مي لينغ بشماتة:
- لقد اختارت وانتهى أمرها ... أتمنى ذلك.
لم تفهم هوو فونغ ما يدور حولها. لكنها ستفعل ذلك قريبا.
قام كل واحد من التلاميذ باختيار وحش بكل عناية واطمئنان. كيف لا وقد أنقذتهم هوو فونغ من أخطر وحش و أشرس حيوان.
بدأ التلاميذ بترويض حيواناتهم بكل يسر بكل اتقان لأنهم تدربوا سنوات على ذلك. أمّا فتاتنا فكانت تنتظر دورها الذي كان الأخير . ربما لأن ما سيشاهده الجميع يعتبر الفصل الأخير الذي في نهايته ستكون نهاية أحد المتقاتلين.
عندما فتح الحارس بوابة القفص لم تحرّك الأفعى ساكنًا .كأنّ الأمر لا يعنيها. انتظرت هوو فونغ كثيرا لكن ذلك الوحش الظريف كان مستلقٍ دون حراك.
اقتربت منها هوو فونغ وهي تكلمها بلغة لم يفهمها الجميع. استفاقت على اثرها تلك الأفعى واقتربت منها بودّ. تمسحت على رجليها بوداعة ثم رجعت الى قفصها. ممّا أثار دهشة أغلبهم و غيرة مي لينغ زميلتهم.
لقد كانت غاضبة على هوو فونغ من قبل أما الآن فساخطة عليها غيورة منها لسهولة أمرها.
وبالسرّ ألقت جمرة غضب كانت تمتلكها على الأفعى كي تربكها.
فجأة تحولت تلك اللطيفة الحمراء الى تنين ناري كبير غاضب يدور كعاصفة هوجاء.
عندما أراد ذلك الوحش أن ينقضّ على فتاة الفرن صاح سوو :
- اختبئي أيتها البلهاء. حتى يهدأ و يختفي غضبه في السماء.
لم تكترث له هوو فونغ بل بقيت ساكنة مكانها محدقة في التنين بعينيها الساحرتين و المخيفتين. حتى ظنّها الجميع خائفة منه. توقّف أمامها مباشرة أمام دهشة الجميع... أمام خوف سوو و يوي.
ابتسمت له هوو فونغ وقالت:
- ألم نتّفق أن نكون صديقين؟ مالذي حدث لك؟
حين فتح التنين فمه الكبير و صاح بكل قوته ظنّت يوي أنه سيحرقها بلهيبه الأسطوري فطارت نحوها مسرعة تحميها بدرعها.
وقف المعلم لي وهو مخذول من تصرف يوي .
لقد كان محرّمًا التدخل في هذا الاختبار مهما كان الوضع خطيرا. لأنه سيحكم على هوو فونغ بالفشل حتى وإن رضخ عدوّها، حتى و إن سيطرت على وحشها.
عندما لمح الوحش تلك الغريبة أمامه زاد هيجانه واحتّد صراخه. فضربها بذيله دون رحمة. ثم حاول غرس مخالبه فيها.
في تلك الأثناء انقلبت ملامح هوو فونغ المرحة الى برود كريه. اتّسعت عيناها دون أن ترمشا. وابتسمت ابتسامة مخيفة دون أن تحرك شفة.
و فجأة، انقضّت عليه بكل قوّتها ودفعته بكتفها حتى ارتطم بالسور الحجري فدمّر جزءًا منه.
بدأ العدوّان يتقدمان ببطء نحو بعضهما البعض و قد قررا انهاء الأمر. الموت أو الموت فلا مفرّ.
رفع التّنين رأسه عاليًا ثم فتح فمه معتقدا أنّها ستكون لقمة طرية جزاء ضربتها التي أخزته أمام الجميع.
لكنّها كانت فريسة عصيّة.
نزعت قفازا من يدها اليمنى، غير عادي، لونه لا تميّزه من جلدها الطري. ثم طارت نحوه و قد ظهرت يدها حديدية، نارية.
أطبقت بها على عنق عدّوها الكبيرة، كأنها تقبض على عصا يابسة تسمع طقطقة تكسرها من بعيد.
صرخ التّنين من الألم، من الخزي. لكنّها لم تتأثر.
نزلت من عينيه دمعة سحرية، دمعة ماسية. لكنّها لم تلق لها بالا. بل عصرته بقوة أكبر، كأنّه استفزها بضعفه و بدموعه أكثر.
حتى كادت تهلكه في لمح البصر.
قالت وهي تودّعه بابتسامة نصر:
- لن أسامح... لا مفرّ. أخطأت عندما جرحتها. فتحمّل الأمر.
استسلم التنين لقدره و أغمض عينيه كي تنهي أمره بسرعة.
فجأة، دوّى اسمها في كل المدرج بصوت ،مألوف، غاضب كعادته منها. لم تكترث له أيضا عنادًا و تحدٍّ. لذلك، أوقفها المعلم وو شين بضربة قاسية من سوطه اللاذع. كي يُنهي الاختبار ويحفظ كرامة الوحش.
ولأنها الثانية آلمتها تلك الضربة أكثر .
وعلمت في قرارة نفسها أنّها ستتكرّر. أمّا ذلك التنين فابتلعته تلك الدمعة الماسية، دمعة استسلامه. معلنًا للجميع أنه سيكون تابعها المطيع.
التقطته هوو فونغ من الأرض بلامبالاة وقالت :
- سأزيّن بك أذني أيّها الوحش و من اليوم لن تعصي لي أمرا.
ثم أسرعت نحو يوي التي تذكرتها أخيرا. ساعدتها على الوقوف و التفتت نحو معلمها لي وهي تستفزّ من بجانبه:
- هل اجتزت الاختبار هذه المرّة... أم أعيد الكرّة.
أومأ المعلم لي برأسه معلنا عن نهاية الاختبار كي يسمح لفتاتنا بمعالجة جروح صديقتها بسرعة.