فتاة الفرن: هوو فونغ (اختبار ؟ لكن ما هو الاختبار ؟)
اختبار ؟ لكن ما هو الاختبار ؟
.........
مرّت أيام الدراسة بشكل عادي حتى يومٍ قبل الاختبار الكتابي. يومها أطلّ عليهم المعلم لي و قد بدا عليه الحزم في، مشيته والعزم في عينيه. اعتدل في جلسته ثم أعلمهم أن التّحدي القادم سيكون غدًا .
هو مجرد اختبار كتابي فيه مئة سؤال. سيحدّدهم رفقة المعلم الاكبر وو شين. فسّر لهم كيفية سير الأمر في الأكاديمية السماوية ثم خرج مسرعا.
بدأت هوو فونغ تحدّث نفسها و الحيرة بادية على محياها:
- ماذا يقصد بأسئلة الاختبار أصلا؟ ولم كلّ هذه الجدّية في تصرفاته؟
و دون أن تشعر قالت بصوت عال:
- يجب أن أعرف معنى ذلك الآن...
سمعها سوو المشاكس فظنّ أنّها تريد معرفة الاسئلة قبلهم. لذلك سحبها من يدها خارج قاعة الدرس وهي مستسلمة له تماما .
عندما وصلا إلى غرفة المعلم الأكبر وو شين كادت تصيح فيه:
- ماذا تفعل؟
أسكتها و هو يأمرها:
- اتبعيني في هدوء و حسب.
ثم وسوس لها بصوت خافت :
- ألا تريدين معرفة أسئلة الاختبار؟ ألا تريدين النجاح؟
اذا أصمتي... و انصتي.
اقترب من الباب وهو يجرّها بهدوء ثم ألصق أذنه بحذر.
أرهف سمعه كي يتجسس على معلميه. فربما كانا يتحدثان عن أسئلة الامتحان.
والعجيب في الأمر أنّ تلك الساذجة كانت تقلّده في حركاته و كلّ تصرّفاته ولا تعلم لم تفعل ذلك.
تعبت من الانحناء على الباب فقالت وهي تهمس بتذمر:
- هل هناك خطب ما؟ لم نقف هكذا؟ هل هو تمرين قبل الاختبار؟
- لا... بل يُعلمكِ كيفية استراق السّمع والتّجسس. أظنّ أنّها مهارة يجب أن تتدرّبي عليها أكثر.
التفتت هوو فونغ الى مصدر الهمس فاتّضح أنّه معلمها لي. كان يقف بجانبها وهو منحنٍ مثلهما.
اقتربت من أذنه و سألته بكل براءة:
- وهل تتدرّب أنت معنا ايضا ؟ هل تريد أن تصبح جاسوسا مثلنا؟
انتبه أخيرا سوو لحديثهما فاعتدل في وقفته و قال و هو متلعثم:
- لا... نحن لا نتجسس عليكما.
ردّت هي بكلّ ثقة:
- نعم... نحن لا نفعل ذلك. فقط نريد معرفة أسئلة الاختبار قبل الجميع.
ضحك المعلم لي ضحكته الساحرة، فسرت رعشة في قلبها كأنها كانت تداعبه. وقالت له بكل عفوية:
- ما أحلى ضحكتك يا معلمي.
في تلك اللحظة، فتح وو شين الباب وكان نظره لا يبارح وجه تلك البريئة. حتى كاد يثقب بشرتها النضرة بنظراته الحادة .
فهل كان يلومها على الغشّ؟ أم أنّ الغيرة أعمته عندما أحسّ بانجذابها الى صديقه المعلم لي ؟
لم يتكلم.
فقط خرج والغضب بادٍ عليه. تقدّم بعنف نحوهما ثمّ مرّ بينهما عنوة .كأنّه يريد أن يفرقهما وهو لا يزال يلومها بعينيه.
في اليوم الموعود, يوم الاختبار, استقرّ كل تلميذ في مكانه المعهود. وزّع عليهم مساعد المعلم لي ورقة الامتحان. أمّا وو شين فقد كان يراقب تصرّفات كلّ واحد منهم، خصوصا هوو فونغ التي بدت مطمئنة على عكس بقية التلاميذ.
أمرهم المعلم لي بالبدء في الإجابة. فأمسك جُلّهم بالورقة و بدؤوا بقراءة الأسئلة إلاّ هوو فونغ التي كانت تحدّق في ورقتها طورا و تجول بنظرها طورا آخر بين البقية .
عندما لمح سوو تصرّفها الغامض أراد أن ينتقم منها، لما فعلته به أمس. فقال لها بصوت عالٍ كي يحرجها:
- هل ستبدئين الآن؟ أم ستتفرجين علينا فقط؟
أجابته بكل برود:
- اهتم بشؤونك فقط. فأنا لم أبدأ بعد لكنني سأنتهي قريبا ...قبلك بالتأكيد.
أراد اغضابها أكثر فقال لها:
- ما كلّ هذه الثقة التي لديك؟ أتساءل من أين حصلت عليها؟
ردّت مي لينغ بسخرية:
- حتى و إن أنهيت قبله... فلن تكوني الأولى أبدا... ستكونين دائما بعدي.
قالت لهم هوو فونغ وهي تتنهّد بارتياح:
- لقد أنهيت فعلا أيتها الخاسرة.
وقفت مي لينغ من مكانها غير مصدّقة حتى انتبه لها المعلمان.
كانت تحدّث نفسها والغضب باد عليها:
- كيف لها أن تنهي الاختبار بهذه السرعة؟ هل هي بهذا الذكاء؟ أم أنّها قامت بالغشّ؟ لكن كيف لها أن تغشّ وهي لم تفارق نظرها منذ توزيع أوراق الامتحان.
استلّت منها الورقة فقرأتها فلم تجد فيها غلطة واحدة.
تلعثمت مي لينغ وهي تتكلّم:
- لكن... لكن ما هذا؟
أخذ منها المعلم لي ورقة الاجابة وانفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ ... لقد كانت ورقتها بيضاء نقيّة كروحها.
غضبت منها مي لينغ وصاحت في وجهها :
- هل تسخرين منّا؟ لماذا كذبت علينا وقلت أنّك أنهيت و ها هي ورقتك بيضاء؟
ردّت هوو فونغ بكلّ ثقة:
- لكنّني أنهيت فعلا...
زاد تشنّج مي لينغ وصاحت فيها:
- هل أنت عمياء؟ إنّ ورقتك بيضاء فكيف أنهيت الامتحان؟ أين اجاباتك؟
أجابتها هوو فونغ ببراءة:
- أكيد أنّها في رأسي...
تدخّل المعلم لي وسألها بكل لطف:
- ولمَ لَم تقومي بكتابتها على الورقة؟
أجابته بعفوية:
- لأنّني لا أعرف الكتابة.
دُهشت مي لينغ ممّا سمعت مثل الجميع و صاحت فيها:
- ماذا؟ هل تسخرين منّا مجدّدا؟
قالت هوو فونغ:
- لا... أبدا. أنا فعلا لا أعرف الكتابة.
تدخّل المعلم لي كي ينهي الامر بسرعة :
- حسنا... لا بأس. أخبرينا بإجابتك شفويا الآن وسنجد حلاًّ لمشكلة الكتابة لاحقًا. هيّا ابدئي.
رفضت مي لينغ بشدة وقالت:
-لا... لا يمكنها ذلك فهو اختبار كتابي.
ردّ عليها وو شين الذي أحسّ بالحرج على عكس هوو فونغ اللّامبالية :
- لا بأس... سنخصم لها بعض النقاط على هذا التقصير.
ثم التفت الى بقيّة التلاميذ كأنّه يستشيرهم، كأنّه يترجّاهم أن يوافقوا على اقتراحه. وافق الجميع على ذلك. عندها اقترب منها وو شين وقال لها:
- هيّا... أخبرينا بإجابتك أمام الجميع.
سألته بكل براءة:
- إجابتي على ماذا؟
ردّت عليها مي لينغ بسخرية:
- على أسئلة الاختبار طبعا. هل انت بلهاء؟
التفتت هوو فونغ لسوو الذي كان يراقب الموقف وهو لا يكاد يصدق الفوضى التي تحدثُ أمامه خصوصًا في يوم مهم كهذا.
حدّقت فيه مليا ثم قالت له:
- أيمكنك أن تساعدني ؟ أيمكنك أن تقرأه لي؟
سألها وهو فاتح ثغره في مشهد مضحك:
- لماذا؟
قالت له وهي تهمس همسا سمعه الجميع:
- لأنني لا استطيع القراءة.
في تلك اللحظة، انفجر المعلم لي ضحكا حتى كاد يسقط . أمّا مي لينغ فكانت قاب قوسين أو أدنى من أن تنفجر غضبا من تلك الفتاة التي تأكّدت أنّها غبيّة فعلاً.
لكنّ تصرّف وو شين هو الوحيد غير المتوقع. اذ اقترب من هوو فونغ وأمسكها من ياقة ثوبها ثم قام بجرها نحو غرفته وهو لا يعلم أيضحك من موقفها أم يسخر من غباءها أم يُعجب بنقائها وبراءتها.
أجلسها أمامه و بدأ يحدّق فيها مليّا ثم تنهّد و هو يقول:
- لم أدرك أنّك بهذا الغباء... بهذا الخمول. كيف لك أن لا تتعلّمي القراءة والكتابة... يا لك من كسول.
قالت له :
- أنا لست كسولة ولا خمولة... أمهلني يوما أو بضع يوم وسترى من العجب.
نظر لها بدهشة متصنّعة وقال:
- حسنا لك ذلك. سأمهلك حتى الاختبار القادم . بعدها إن لم تتقني ما ذكرته سأعاقبك على كل ما فعلته منذ قدومك للأكاديمية.
القت عليه نظرة خيبة واستدارت وهي تتمتم:
- و كأنّك لم تفعل ذلك من قبل.
وقف مسرعا لأنه سمعها... لأنه أراد توضيح الأمر لها.
أمسكها من كتفها و أدارها نحوه بغلظة على عكس ما كان يخطط له.
قال لها:
- لم أقصد أذيّتك في الاختبار الأخير. لكنّ حماية الوحش كان مهمتي لا تحتمل التقصير.
ضحكت باستهزاء وقالت له:
- فعلا أنت لم تقصر في أذيتي من قبل... وحتى الآن.
أحكم قبضته على كتفها وهو يسألها:
- متى فعلت ذلك ؟ هيا أخبريني. أ لهذا السبب كنت دائما تتجنّبينني ؟
أدارت رأسها نحو الفراغ لأنّها تذكّرت ما حدث في غرفته بالتحديد. وقالت بحزن و هي تشير الى يديه:
- ها أنت تفعل ذلك الآن ... فلا داعي للنّكران.
أفلتها بسرعة وأراد أن يعتذر فقالت له وهي مغادرة:
- سأقبل اعتذارك عما حدث الآن . لكن ما فعلته بي من قبل لن يمحوه النسيان... لن يغفر له حتى الغفران.
و هكذا اختفت من أمام عينيه تاركة اياه يتخبط في الندم... ولا يعرف حقيقة عما يندم.