اللغة: العربية
الرئيسية اكتب

حبيبُ الرسول - الفصل الأول

جاري التحميل...

حبيبُ الرسول.

لقد حارب بجانب النبي صلى الله عليه وسلم فترة كافية ليدرك أن الغدر في زمن الحرب لا يمكن أن يمر دون عقاب. كان يعرف جيدًا المصير الذي ينتظرهم، وحكم سعد بن معاذ الذي أوكل إليه أمر البت في عقوبتهم. ومع ذلك، في تلك اللحظة، وأمام العيون الحزينة لأولئك الذين دعوه يومًا بالصديق، ضعف عزمه. بدون كلمة، ودون تفكير، ارتفعت يده إلى عنقه. إشارة بسيطة، حركة غريزية، توحي بما ينتظرهم. مرت لحظة قبل أن تضربه الحقيقة كالصاعقة. تجمد الدم في عروقه. ما الذي فعلته؟

تحميل الفصول...
المؤلف

                       في مدينة المدينة المنورة المباركة، حيث سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين، عاش يتيم، صبي لا أب له يعوله، ولا ولي يدافع عن حقوقه، سوى الله ورسوله.

هذا اليتيم، سعيًا منه لبناء جدار بسيط ليحيط بأرضه، وجد جهوده تعطلت بسبب نخلة واحدة، شجرة كانت مملوكة لرجل آخر. ومهما فعل، لم يستطع إكمال سياجه ما لم يُسمح له بتلك الشجرة.

بقلب يثقله الضيق، التمس اليتيم المساعدة من خير الخلق، النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

استمع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان دائمًا المرشد والحامي للضعفاء، إلى شكوى الصبي والتفت إلى مالك النخلة. وبصوت مليء بالحكمة والرحمة، قال: "أعطِ هذه النخلة لأخيك، ولك بها نخلة في الجنة".

نخلة واحدة في هذه الدنيا الزائلة مقابل نخلة في جنات الخلد، صفقة لا تقدر بثمن. لكن الرجل، متمسكًا بماله الدنيوي، رفض.

أجاب: "يا رسول الله، نخلتي تحمل ثمرًا طيبًا. لا أستطيع الاستغناء عنها".

لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فالسخاء الحقيقي يجب أن ينبع من القلب.

ومن بين الذين شهدوا هذا الموقف كان أبو الدحداح رضي الله عنه، رجل عُرف بإخلاصه وكرمه. كان قد استمع إلى كلمات النبي، وتحرك شيء في أعماق قلبه.

تقدم إلى الأمام والتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، إن اشتريتُ هذه النخلة وأعطيتها لليتيم، ألي تلك النخلة في الجنة؟"

أشرق وجه النبي وقال: "نعم يا أبا الدحداح".

دون تردد، اقترب أبو الدحداح من مالك النخلة. كان صوته ثابتًا، وهدفه واضحًا. سأله: "هل تبيعني تلك النخلة؟"

تردد الرجل، الذي كان لا يزال متعلقًا بملكيته، وقال: "ماذا ستعرض عليّ ثمنًا لها؟"

لم يساوم أبو الدحداح بالدراهم أو بالمدفوعات الصغيرة. كان يعلم ما هو الأهم. قال: "سأعطيك بستاني بأكمله".

لم يكن هذا بستانًا عاديًا. كانت أرض أبي الدحداح غنّاء، مليئة بالكثير من أشجار النخيل، مصدرًا للثراء والقوت. كان بيته ومصدر رزقه. ومع ذلك، في قلبه، رأى شيئًا أعظم؛ وعد الله، وجزاء الجنة. (تذكر بعض الروايات أنه كان يملك فيه ما بين أربعمائة إلى ستمائة نخلة).

وافق مالك النخلة، المذهول من العرض، دون تردد. بالنسبة له، كان ذلك كسبًا دنيويًا. أما بالنسبة لأبي الدحداح، فكانت تجارة مع الله.

دون تأخير، عاد أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، قد اشتريتُ النخلة وأعطيتها لليتيم!"

ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "كم من نخلة مودقة، ذليلة العذوق، لأبي الدحداح في الجنة!"

لقد أعطى أبو الدحداح أغلى ما يملك في هذه الدنيا، لكنه ضمن لنفسه شيئًا أعظم بكثير؛ حديقة في الجنة، غرسها الله بنفسه.

كانت هذه هي التجارة الحقيقية. ليست تجارة مال بمال، بل تجارة إيمان بخلود.

ثم سارع أبو الدحداح إلى منزله، وتذكر الروايات أنه لم يدخل بستانه، بل نادى زوجته من الخارج. لماذا لم يدخل؟ لأنه لم يرد أن يتذكر قلبه كل ذكرياته وكم كان البستان جميلاً، لدرجة أنه قد يتراجع عن الصفقة.

خرجت زوجته وسألته لماذا ناداها، فأخبرها أبو الدحداح أنه باع كل شيء. سألت: "لمن بعتها؟" فقال: "لله".

كيف كانت ردة فعلها؟ ضع في اعتبارك أن هذه العائلة بأكملها قد تصبح بلا مأوى، فأبو الدحداح لا يملك شيئًا آخر! فكيف ردت؟

بدلاً من أن تكون محبطة أو قلقة، قالت: "ربح البيع يا أبا الدحداح!"

أبو الدحداح، المعروف أيضًا باسم ثابت بن الدحداح، استشهد لاحقًا في غزوة أحد التي وقعت عام ستمائة وخمسة وعشرين ميلاديًا.

خلال غزوة أحد، بينما واجه المسلمون الشدائد وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم، نادى: "من يرد هؤلاء القوم، ويكون معي في الجنة؟" استجاب أبو الدحداح رضي الله عنه دون تردد، منطلقًا إلى قلب المعركة لحماية النبي صلى الله عليه وسلم. قاتل ببسالة حتى استشهد. وعندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم جثمانه، قال: "كم من نخلة لأبي الدحداح في الجنة الآن!"



كانت شمس الجزيرة العربية الحارقة تسلط أشعتها على مدينة المدينة المنورة، وتلقي بظلال طويلة على شوارعها الضيقة. كان أبو لبابة بن عبد المنذر يمشي بخطوات موزونة، وقلبه مثقل بعبء قرار لم يتخذه بعد. كرجل شريف، كان قد عاهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الولاء، ووقف بثبات بجانبه في الحرب والسلم. ولكن في هذا اليوم، وقفت روابطه الماضية وواجبه الحالي على طرفي نقيض في اختبار لم يتوقعه قط.

كان هواء المدينة لا يزال مشبعًا ببقايا الحرب. لقد انتهت غزوة الخندق بالنصر، لكن المدينة كانت لا تزال تعاني من خيانة بني قريظة. لقد كانوا حلفاء ذات يوم، تربطهم اتفاقية مع المسلمين، ولكن عندما حاصرت قريش وحلفاؤهم المدينة، انقلب بنو قريظة. لقد تآمروا بالخيانة، وكادت خيانتهم أن تكلف المسلمين كل شيء.

الآن، كانت حصونهم محاصرة. استمر الحصار لأيام. وبدأ الطعام ينفد، وكان يمكن سماع صرخات الأطفال الخائفين من خلف الجدران السميكة. كان رجال القبيلة يدركون أنه لا مفر، فأرسلوا رسالة يطلبون فيها التفاوض على الشروط. ولكن ليس مع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، بل أرادوا أبا لبابة.

كان أبو لبابة قد تقرب منهم ذات يوم. فقبل أن يغير الإسلام مجرى حياته، كانوا حلفاء. كانوا يثقون به. وربما، للحظة، شعر بالألفة القديمة تغمره وهو يدخل حصنهم. (سنة ستمائة وسبعة وعشرين ميلادية).

كان الهواء داخل الحصن راكدًا. اتجهت إليه عيون منهكة تتوسل. جلس كبار بني قريظة في صمت، وقد ارتسمت على وجوههم خطوط القلق. أما المحاربون، الذين أصبحوا رجالاً يائسين، فقد حبسوا أنفاسهم. ولكن رؤية النساء والأطفال هي التي اعتصرت قلبه أكثر من أي شيء آخر؛ وجوههم الملطخة بالدموع، وأيدي الأمهات المرتجفة التي تحتضن صغارهن.

تقدموا نحوه وسألوه: "ماذا سيحل بنا إن استسلمنا؟"

ضاق حلق أبي لبابة. كان يعرف الإجابة. لقد حارب بجانب النبي صلى الله عليه وسلم فترة كافية ليدرك أن الغدر في زمن الحرب لا يمكن أن يمر دون عقاب. كان يعرف جيدًا المصير الذي ينتظرهم، وحكم سعد بن معاذ الذي أوكل إليه أمر البت في عقوبتهم. ومع ذلك، في تلك اللحظة، وأمام العيون الحزينة لأولئك الذين دعوه يومًا بالصديق، ضعف عزمه.

بدون كلمة، ودون تفكير، ارتفعت يده إلى عنقه. إشارة بسيطة، حركة غريزية، توحي بما ينتظرهم.

مرت لحظة قبل أن تضربه الحقيقة كالصاعقة. تجمد الدم في عروقه.

ما الذي فعلته؟

في هذه المناسبة نزلت الآية التالية: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم". (القرآن الكريم، سورة الأنفال: 27-28).

غلب عليه الخجل، فخرج من الحصن وتوجه مباشرة نحو مسجد المدينة، وربط نفسه بواحد من سواريه (أعمدته) في مسجد النبي، ونادى: "لا يحلني أحد حتى يتوب الله عليّ".

بقي أبو لبابة على تلك الحالة لعشرة إلى خمسة عشر يومًا، ولا يسمح لنفسه بالفكاك إلا للصلاة أو للذهاب لقضاء الحاجة.

قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما علم بما فعله أبو لبابة: "لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ قد أبى فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه".

تقول أم المؤمنين أم سلمة: "في أحد الأيام، عند الفجر، رأيت النبي محمدًا سعيدًا ومبتسمًا. فقلت: أضحك الله سنك يا رسول الله! ما الذي يضحكك؟"

قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "قد تيب على أبي لبابة".

فقلت: "يا رسول الله، أفلا أبشره؟"

قال: "بلى إن شئتِ". فصحتُ من وراء حجرتي: "أبشر يا أبا لبابة، فقد تاب الله عليك".

هرع الناس ليطلقوا سراحه، لكنه أمرهم قائلاً: "أقسم عليكم بالله أن لا يحلني إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم".

وعندما وصل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد لصلاة الصبح، أطلق سراح أبي لبابة من العمود الذي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا في مسجد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ويُعرف شعبياً بـ "أسطوانة التوبة" أو "أسطوانة أبي لبابة".

ملاحظة: أبو لبابة هو جار اليتيم الذي استبدل نخلة بستان أبي الدحداح في القصة السابقة.

-----


في سجلات التاريخ، ومن بين أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذين لا يحصون، كان هناك من قلّما ذُكر اسمه في المحافل الكبرى، ومع ذلك يتردد صدى قصته بمعانٍ عميقة، إنه جليبيب رضي الله عنه. كانت حياته حياة عزلة، وسمتها همسات المجتمع القاسية. كان قصير القامة، وتُعتبر ملامحه غير جذابة، ونسبه مجهول، ولم تكن له قبيلة ينتسب إليها. وفي أزقة المدينة، كان الأطفال يسخرون منه، وكان الناس يصرفون أبصارهم عنه. لكن الله كتب له قدراً مختلفاً، قدراً يجعل اسمه يُذكر بين الصالحين.

على الرغم من الرفض والوحدة، وجد جليبيب رضي الله عنه السلام في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم. كان يجلس بتواضع عند قدميه، ينهل من كلماته، ولا يجرؤ أبداً على طلب أي شيء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أبعد من المظاهر، كان يرى جمال روح جليبيب. وفي يوم من الأيام، التفت إليه النبي وقال: "يا جليبيب، ألا تتزوج؟"

تردد جليبيب رضي الله عنه قبل أن يجيب بصوت خافت يكاد يرتجف: "يا رسول الله، ومن يزوجني؟"

ومع ذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف حزنه غير المعلن، والشوق إلى الرفقة، وإلى الحب، وإلى الكرامة في أعين أولئك الذين نبذوه، ولذلك سعى لتغيير مكانة جليبيب. ذهب إلى رجل من الأنصار وقال له: "أريد أن أزوج ابنتك".

أشرق وجه الرجل بالفرح، وقال: "يا لها من نعمة يا رسول الله!"

أضاف النبي صلى الله عليه وسلم: "لا لنفسي"، فقال الرجل: "لمن إذن؟" قال: "لجليبيب".

ساد الصمت. وتلاشت الفرحة عن وجه الأنصاري، وقال: "سأشاور أمها".

وحين وصل الخبر إلى الأم، صُدمت وقالت: "جليبيب؟ لا والله، لا نزوجه".

وبينما كانت أصوات الرفض تتعالى، قاطعتهم ابنتها بصوت هادئ وحازم. فقالت: "أتردون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه، فإنه لن يضيعني".

أصمتت كلماتُها الجميع، فقد أدركت ما فشل الكثيرون في فهمه؛ وهو أن المقياس الحقيقي للشخص ليس في مظهره، بل في خلقه، وأن أي طريق رسمه النبي صلى الله عليه وسلم هو طريق إلى الخير. ولما سمع النبي إجابتها، رفع يديه ودعا لها قائلاً: "اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً".

وكانت بالفعل من بين نساء الأنصار، لم تكن هناك امرأة أنفق منها.

وجد جليبيب رضي الله عنه الحب والكرامة ومكاناً في عائلة ترددت يوماً في قبوله، لكن قصته لم تنتهِ عند هذا الحد. خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، ولما انتهت المعركة، سأل النبي: "هل تفقدون من أحد؟" فذكروا أسماء من استشهدوا، ولكن لم يذكر أحد جليبيباً. فسأل النبي مرة أخرى: "هل تفقدون من أحد؟"

قالوا: "لا يا رسول الله".

حينها قال النبي بصوت يملؤه الحزن: "لكني أفقد جليبيباً".

بحث الصحابة في ساحة المعركة حتى وجدوه، صغير القامة، لكنه عظيم الروح. وكان حوله جثث سبعة من الأعداء الذين قتلهم قبل أن يستشهد هو. ركع النبي صلى الله عليه وسلم بجانبه وحمله بين ذراعيه، وكان صوته يملؤه الحب والفخر: "قتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه".

لم يكن هناك مكان أفضل لجليبيب رضي الله عنه ليستريح فيه من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيديه الشريفتين، وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في قبره، فالشهيد لا يُغسل، ودمه هو طهارته، وهكذا كُرّم من كان العالم ينبذه يوماً ما، من قِبل أحب خلق الله إلى الله.
                       
×
يتم التحقق من حالة حسابك..
مرحباً بك في شركاء Novlay
حسابك الآن موثق كشريك رسمي. هذه مميزاتك:
إغلاق الروايات إجعل رواياتك حصرية بمقابل مادي يحدده المشتري.
فصول خاصة فصولك متاحة فقط لمن يشتري الرواية كاملة.
أرباح مضمونة تحصل على أرباحك بشفافية عبر وسيلتك المفضلة.
تحكم كامل إدارة تسعير رواياتك ومتابعة مبيعاتك بسهولة.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياً

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياً. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.

رصيدك الحالي
شحن الرصيد
سحب الأرباح
100
10 ج.م
+50 بونص
350
30 ج.م
+150 بونص
650
50 ج.م
توفير!
1500
100 ج.م

كل 1000 عملة = 70 ج.م