اللغة: العربية
الرئيسية اكتب

الفصل الخامس: عودة السلطان

جاري التحميل...

الفصل الخامس: عودة السلطان

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

مرّت خمس سنوات على عودة مراد خان إلى العرش، خمس سنوات قضاها محمد في مانيسا يبني نفسه بصمت، بينما كانت الدولة العثمانية تستعيد توازنها تحت يد أبيه المتمرسة. لم تكن تلك السنوات سهلة على الشاب الطموح، لكنها كانت ضرورية، كما فهم لاحقًا، لصقل عزيمته وتنضيج رؤيته.




في تلك الفترة، توطدت علاقة محمد بمعلمه الروحي آق شمس الدين أكثر فأكثر. كان الشيخ يزوره بين الحين والآخر في مانيسا، ويطيل الجلوس معه في أحاديث عميقة تتجاوز الفقه والتاريخ إلى ما هو أبعد: معنى القيادة، وحمل الأمانة، وثقل المسؤولية التي ينتظرها.




في إحدى تلك الجلسات، سأل محمد معلمه سؤالاً ظل يقلقه طويلاً: "يا شيخي، هل تظن أنني سأُعطى فرصة أخرى؟ أم أن ما حدث في أدرنة كان نهاية حلمي؟"




أجابه آق شمس الدين بابتسامة هادئة، وكأنه يرى شيئًا وراء الأفق: "الأقدار لا تُغلق بابًا إلا لتفتح بابًا أعظم منه، لكنها تنتظر أن يكون الرجل جاهزًا حين يُفتح. هل أنت جاهز الآن يا محمد أكثر مما كنت قبل خمس سنوات؟"




فكّر محمد طويلاً قبل أن يجيب: "أظن ذلك. لم أعد ذلك الصبي الذي يريد إثبات نفسه بالصراخ والاندفاع. تعلّمت الصبر."




ابتسم الشيخ ابتسامة رضا، وقال: "إذن، فالباب سيُفتح قريبًا، وسيكون آخر باب تحتاج أن تطرقه، لأنك ستفتح بعده كل الأبواب بنفسك."




***




في شتاء عام 1451 الميلادي (855 هجرية)، وبينما كان مراد خان الثاني يقيم في أدرنة بعد سنوات من الحروب المتواصلة التي أنهكت جسده رغم عزيمته التي لم تلن، بدأ الأطباء يلاحظون تدهورًا حادًا في صحته. أصابته سكتة قلبية مفاجئة، وحاول الأطباء إسعافه بكل الطرق المتاحة آنذاك، لكن الجسد المُتعب لم يستجب.




توفي مراد خان الثاني في السادس والعشرين من رمضان، تاركًا خلفه دولة قوية موحدة، لكنه ترك أيضًا فراغًا هائلاً، وسؤالاً يتردد في كل زاوية من زوايا القصر: هل الابن الشاب الذي فشل قبل سنوات جاهز الآن لحمل هذه الأمانة الثقيلة وحده؟




حاول الصدر الأعظم چاندارلي خليل باشا، الذي لا يزال يشغل منصبه، أن يُخفي نبأ الوفاة لبعض الوقت، خشية أن تستغل القوى المعادية، الداخلية والخارجية، حالة الفراغ في السلطة. أرسل رسالة عاجلة وسرية إلى محمد في مانيسا، يطلب منه القدوم فورًا إلى أدرنة.




***




حين وصلت الرسالة إلى محمد، وقرأ فيها نبأ وفاة أبيه، وقف صامتًا طويلاً عند نافذة قصره في مانيسا، ينظر إلى الأفق البعيد. لم يكن الحزن وحده ما يعتصر قلبه، بل خليط معقد من المشاعر: حزنٌ صادق على فقدان أبيه، وقلقٌ من ثقل المسؤولية القادمة، وإحساسٌ غريب بأن اللحظة التي انتظرها طويلاً قد حانت أخيرًا.




قال له إبراهيم باشا، الذي لا يزال إلى جانبه مستشارًا مقربًا: "سيدي، عليك التحرك بسرعة. كل يومٍ تأخير قد يعني فرصة لأعداء الدولة، من الداخل والخارج."




أومأ محمد برأسه، وقال بصوت هادئ حازم، صوت رجل تجاوز مرحلة الشك في نفسه: "لن أتأخر. لكنني هذه المرة لن أذهب كصبي يحاول إثبات نفسه. سأذهب كرجل يعرف تمامًا ما يريد فعله."




انطلق محمد في رحلة سريعة من مانيسا إلى أدرنة، رحلة قطعها بأقصى سرعة ممكنة، وكأنه يسابق الزمن نفسه، خشية أن تتسرب أنباء الوفاة قبل وصوله وتُستغل الفوضى ضد استقرار الدولة.




***




عند وصوله إلى أدرنة، استقبله الصدر الأعظم خليل باشا وكبار رجال الدولة استقبالًا مهيبًا، لكن محمد لاحظ في عيونهم ذلك القلق القديم نفسه الذي رآه قبل سنوات: هل هذا الشاب جاهز حقًا هذه المرة؟




وقف محمد أمامهم في قاعة الديوان الكبرى، المكان نفسه الذي شهد تتويجه الأول الفاشل قبل سنوات. لكنه هذه المرة لم يكن ذلك الصبي المرتبك؛ وقف بثبات رجل ناضج، ونظر إلى الحاضرين بعينين هادئتين لكن حازمتين.




قال بصوت واضح رصين: "أعلم أن بعضكم يتذكر محاولتي الأولى، ويتساءل إن كنت قد تغيّرت. لن أطلب منكم كلامًا، ولن أتباهى بوعود. سأُثبت لكم بأفعالي، كما وعدتكم من قبل، لكن هذه المرة سأفي بوعدي."




نظر خليل باشا إلى الشاب الواقف أمامه، ورأى فيه تغيّرًا حقيقيًا لا يخطئه عين رجل خبِر السياسة لعقود. أومأ برأسه احترامًا، وقال: "لتكن السلطنة مباركة عليك يا مولاي. الدولة بين يديك."




أُعلن محمد سلطانًا للمرة الثانية، سلطانًا سابعًا لآل عثمان، في السابعة عشرة من عمره، لكنه هذه المرة كان يحمل شيئًا لم يكن يملكه في المرة الأولى: خبرة الفشل، ونضج الانتظار، ورؤية واضحة لما يريد تحقيقه.




***




أول قرار اتخذه محمد بعد توليه العرش لم يكن عسكريًا، بل كان قرارًا حساسًا يتعلق بأمن الدولة الداخلي. كان له أخٌ صغير من زوجة أبيه الأخرى، طفلٌ رضيع لا يتجاوز عمره أشهرًا قليلة، قد يشكل يومًا مصدر تهديد لاستقرار العرش إن استُغل من قِبل طامعين في السلطة، كما حدث مرارًا في تاريخ الدولة.




كان القرار قاسيًا وصعبًا، لكن محمد، الذي تعلّم من دروس التاريخ العثماني القاسية أن الصراعات على العرش كثيرًا ما مزّقت الدول، اتخذ قراره بثقل بالغ في قلبه، مستندًا إلى ما كان يُعرف حينها بقانون آل عثمان في وأد الفتنة قبل أن تكبر.




لم يكن هذا القرار سهلاً على محمد، ولم يكن ليتخذه بقلب بارد كما صوّره بعض المؤرخين لاحقًا؛ بل حمله معه كثقلٍ صامت طوال حياته، جزءًا من ثمن العرش الذي لم يختره بنفسه بالكامل، بل فُرض عليه بمنطق عصره القاسي.




قال لآق شمس الدين في تلك الأيام، وهو يحاول أن يجد سلامًا لضميره: "هل أثقلتُ روحي بذنبٍ لن يُغتفر يا شيخي؟"




نظر إليه الشيخ بعينين ملؤهما الرحمة والفهم العميق لثقل ما يحمله السلاطين، وقال: "الأقدار تُحمّل الملوك أوزارًا لا يحملها عامة الناس يا محمد. اطلب المغفرة، واجعل ما تبنيه من عدلٍ ومجدٍ للأمة، كفارة لكل ثقل تحمله روحك."




***




بعد استقرار الأمور الداخلية، بدأ محمد فورًا في إعادة تنظيم الدولة، لكنه أدرك سريعًا أن التحدي الأكبر الذي ينتظره ليس في الداخل، بل خارج أسوار أدرنة، في تلك المدينة التي طالما سمع عنها منذ طفولته: القسطنطينية، عاصمة الروم البيزنطيين المتهالكة، لكنها لا تزال حصنًا منيعًا يتحدى كل من حاول اقتحامه منذ قرون.




استدعى محمد كبار مهندسيه وقادته العسكريين إلى مجلس سري، ونشر أمامهم خريطة قديمة، الخريطة نفسها التي عرضها عليه معلمه الكوراني قبل سنوات طويلة حين كان طفلاً صغيرًا.




نظر إلى القادة المجتمعين، ورأى في عيونهم دهشة ممزوجة بالشك، إذ لم يكن أحد يتوقع أن يكون فتح القسطنطينية أول ما يشغل بال سلطان شاب توّج للتو.




قال محمد بصوت هادئ، لكنه يحمل عزيمة لا تتزعزع: "منذ كنت طفلاً، وأنا أسمع أن هذه المدينة لا تُفتح. ثمانمائة عام من المحاولات الفاشلة. أنا لا أنوي أن أكون محاولة أخرى فاشلة تُضاف إلى القائمة."




سأله أحد القادة المسنين بحذر: "ومن أين نبدأ يا مولاي؟ فقد حاول أسلافك العظام هذا من قبل، وفشلوا جميعًا."




ابتسم محمد ابتسامة هادئة، ملؤها ثقة رجل خطط لهذه اللحظة منذ سنوات طويلة في صمت مانيسا، وقال: "نبدأ من حيث لم يبدأ أحد من قبل: لن نحاصر المدينة بجيشٍ فحسب، بل سنُحاصرها بعقلٍ يفكر فيما لم يفكر فيه أحد. سنبني حصنًا يقطع عنها الإمداد من البحر، وسنصنع مدفعًا لم ير له العالم مثيلًا، وسنجعل المستحيل ممكنًا."




نظر القادة إلى بعضهم البعض في صمت مثقل بالدهشة والترقب، بينما وقف محمد عند النافذة، ينظر نحو الأفق البعيد حيث تقع تلك المدينة الأسطورية، وكأنه يرى بالفعل قبابها وأسوارها، ويرى نفسه يومًا يدخلها فاتحًا.




لم يكن يعلم حينها أن الطريق أمامه سيمتد سنتين كاملتين من التخطيط الدقيق، والبناء الهندسي غير المسبوق، والدبلوماسية الحذرة، قبل أن تقف جيوشه أخيرًا أمام تلك الأسوار التي تحدّت العالم لثمانية قرون.




[نهاية الفصل الخامس — يتبع في الفصل السادس: "المهندس أوربان ومدفع الرعد"]
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..
مرحباً بك في شركاء Novlay
حسابك الآن موثق كشريك رسمي. هذه مميزاتك:
إغلاق الروايات إجعل رواياتك حصرية بمقابل مادي يحدده المشتري.
فصول خاصة فصولك متاحة فقط لمن يشتري الرواية كاملة.
أرباح مضمونة تحصل على أرباحك بشفافية عبر وسيلتك المفضلة.
تحكم كامل إدارة تسعير رواياتك ومتابعة مبيعاتك بسهولة.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياً

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياً. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.

رصيدك الحالي
شحن الرصيد
سحب الأرباح
100
10 ج.م
+50 بونص
350
30 ج.م
+150 بونص
650
50 ج.م
توفير!
1500
100 ج.م

كل 1000 عملة = 70 ج.م