بداية العهد السري - بروتون:كوكب المسالخ البشرية
بداية العهد السري
.........
في قلب المعسكر الجنوبي لقارة الجفاف، تلاشت طمأنينة الليل فجأة عندما نجحت العيون اليقظة لقبيلة السود في الإيقاع بأحد جواسيس قبائل الشينغار الشرسة . خضع الجاسوس لتعذيب مرير تحت وطأة رمال الصحراء والتهديد بفوهات سلاح "رعد الصمت"، حتى انهار وأقرّ بكل شيء؛ كاشفاً أن كايان اللقيط يجمع خيرة مقاتلي الشينغار لشن غارة ليلية حارقة بهدف دفن الأقزام السحرة أحياء في الرمل تنفيذاً لقانون القبيلة القديم، وإبادة المعسكر بالكامل قبل الصباح .
ساد الرعب في الخيمة بعد سماع هذا الإقرار الصادم، وتحركت أصابع رئيس الأقزام الخُرس بسرعة جنونية ووحشية؛ فالخوف من الدفن حياً أشعل قلوبهم . لكن شيخ قبيلة السود، الذي كان يملك بعداً سياسياً أعمق، رفع يده ليوقف اندفاع المقاتلين، والتفت نحو الفيلسوف أريدون فانيس قائلاً بنبرة حازمة:
• "الشينغار وحوش ضارية في معارك الليل، وإذا تصادمنا معهم الآن فستأكل الحرب الأهلية قارتنا بالكامل وتتحول رمالنا لمسلخ بشر . نحن بحاجة لقوة سياسية تملك الشرعية وتلجم اندفاع كايان اللقيط قبل أن تنطلق الشرارة الأولى" .
في تلك الساعات الحرجة، أصدر شيخ السود أمره بإرسال مرسال طارئ وسريع على متن أسرع زوارق البحر، مصطحباً معه وفداً صغيراً من الأقزام الخُرس، متوجهاً مباشرة نحو جزيرة إيليريا (الجزيرة الديمقراطية) لطلب التدخل وحقن الدماء . وصل المرسال وفد الأقزام في غسق الفجر إلى شواطئ الجزيرة، واخترقوا الحراس ليمثلوا بين يدي الحاكم المنتخب حديثاً: الأمير أندرياس غراي .
داخل قاعة منارة فيريديان الكبرى، تقدم مرسال السود ووقف خلفه الأقزام الخُرس بهيبتهم الصامتة . ارتمى المرسال تحت أقدام الأمير، صامتاً لثوانٍ ثم صاح بذعر:
• "أيها الأمير الحكيم.. جئتكم مستنجداً من قاع قارة الجفاف! تحالفنا مع هؤلاء الغرباء الصامتين يوشك أن يفجر حرباً عظيمة ستلتهم القارة؛ فقبائل الشينغار بقيادة كايان اللقيط تشهر نصالها لتبيدنا وتدفن هؤلاء الأقزام أحياء في الرمل!"
في تلك اللحظة بالذات، سقط القناع الدستوري الهادئ عن وجه الأمير أندرياس غراي، ولأول مرة يراه حراسه في حالة من الذهول الكامل والصدمة المطلقة . جحظت عيناه وهو يتأمل الأقزام الخُرس الواقفين أمامه؛ ففي تاريخ كوكب بروتون بأكمله، لم يسبق لأحد أن رأى أو سمع عن "أقزام أذكياء" يملكون سفناً أو يقودون وفوداً، لطالما جرى التعامل مع الأقزام كمسوخ مشوهة ولعنات شيطانية تدفنها القبائل حية في الرمال فور ولادتها .
تقدم الأمير غراي بخطوات بطيئة ومرتعشة من الانذهال، ونظر إلى ملابسهم الجلدية المتقنة ورشاقة أصابعهم التي بدأت تتحرك بلغة إشارة معقدة وسريعة . نظر الأمير إلى المرسال وسأله بصوت متهدج يحاول استيعاب المعجزة:
• "ما هذا الذي تراه عيني؟ أقزام.. بكم.. يتحركون كالملوك ويملكون وفداً؟ كيف نجت هذه الكائنات من مقابر الرمل، ومن أين أتوا بهذه السفن؟"
شرح المرسال بسرعة تكنولوجيتهم وسلاح "رعد الصمت" (البواريد الخارقة) التي يحملونها والتي تفوق بذكائها كل علوم الكوكب . استجمع الأمير غراي وقاره الديمقراطي مجدداً أمام المرسال والبرلمان، وأظهر تعاطفاً كبيراً واعداً بالتدخل الفوري لحل المشكلة ظاهرياً عبر إرسال رسل وهدنة ملزمة تمنع كايان من شن الغارة، وجيشه الصلب سيكون بالمرصاد .
لكن، بعد أن غادر المرسال القاعة واطمأن باله، أمر الأمير حراسه سراً بإحضار وفد الأقزام الخُرس وحدهم إلى أقبية منارة فيريديان السفلية المغلقة .
هناك، خلف الأبواب الحجرية السميكة وفي عتمة الأقبية، اجتمع الأمير أندرياس غراي بالأقزام وجهاً لوجه دون قيود البرلمان أو عيون الصحافة . تحرك رئيس الأقزام بإشارات أصابعه الرشيقة ليكشف للأمير عن السر المرعب للقارة الرابعة المدمرة بفعل حشرة "جراد الفناء" .
في هذه اللحظات بالذات، انتبه العقل السايكوباتي للأمير غراي إلى فرصة كونية لم يتخيلها . الأقزام ليسوا مسوخاً، بل عباقرة يملكون علماً خارقاً ويريدون الاستيطان واحتكار مياه الوفرة ! ومن رحم هذه الصدمة، وُلد الاتفاق السري والشيطاني الأكبر بينهما في الظلام ؛ عرض الأمير تسهيل استيطانهم وحمايتهم سياسياً ودبلوماسياً ليتمددوا، وبالمقابل، وعدوه بـ "مصل بيولوجي" يحمي جزيرته من الحشرة الهاربة معهم، فضلاً عن منحه تكنولوجيا تضمن نفوذه . والأهم من ذلك:
الأمير استخدم هذا التحالف السري ليفتح خط تواصل مع الملك أوريك لاحقاً، ليرتب طبخته السادية بالاستمتاع بأكل لحوم المواليد المشحونة سراً، بعد أن تحول ذهوله الأول إلى تحالف أسود سيحرق الكوكب .