الأستاذ العاشق - الدَّرسُ الأَوَّلُ.. والخَيبَةُ الأُولَى
الدَّرسُ الأَوَّلُ.. والخَيبَةُ الأُولَى
الخيانة والغدر
التفت نحو اللوح وبدأت بشرح بعض المعلومات الفيزيائية والمفاهيم الأساسية كمراجعة سريعة لما درسوه في السنوات السابقة لتنشيط عقولهم. عند هذه النقطة، بدأ بعض الطلاب بالتأفف والملل، بينما كان هناك في الزوايا الخلفية بعض المشاغبين الذين يتهامسون بوضوح، وبدا أنهم يخططون لشيء ما لوضعي في موقف محرج أمام بقية الصف.
وعلى الرغم من جدار الصمت الذي حاولت فرضه، إلا أن الحركة في الزاوية الخلفية جهة النافذة لم تهدأ. لم يكن همساً عادياً، بل كان حياكة لمؤامرة صغيرة يقودها طالب يدعى "سامر"، معروف بابتسامته الساخرة وجرأته الزائدة.
التفت نحو اللوح لأكتب قانون السرعة والتسارع، وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت صفير حاد ومفاجئ، أشبه بصوت إنذار ميكانيكي، تلاه صوت "انفجار" مكتوم صادر من علبة كرتونية صغيرة أُلقيت خلف سلة المهملات، لينبعث منها دخان أبيض كثيف ملأ زاوية الصف!
ضجت القاعة بالصراخ والضحك، ووقف بعض الطلاب على مقاعدهم مدّعين الخوف، بينما التفتت الأنظار كلها إلي، ترقب السقوط المدوي للأستاذ الجديد في أول اختبار له. لكنني لم أتحرك من مكاني، لم أصرخ، ولم أركض نحو الباب.
نظرت إلى الدخان بهدوء، ثم سحبت منديلاً من جيبي، واقتربت من العلبة، وحملتها ببرود شديد ووضعتها فوق طاولتي أمام الجميع. نظرت إلى سامر الذي كان يحاول إخفاء ابتسامة النصر، وقلت بنبرة هادئة هزت أركان الصف: "تفاعل بيكربونات الصوديوم مع حمض الخليك داخل زجاجة مضغوطة.. تجربة كلاسيكية مسلية يا سامر، لكن حساباتك للضغط والنسب لم تكن دقيقة، ولهذا خرج الدخان باهتاً ولم يحدث الانفجار المطلوب لتسلية الرفاق".
ساد صمت مفاجئ وصادِم. تلاشت الضحكات، وتحولت نظرات الطلاب من السخرية إلى الذهول التام. لقد كشفت اللعبة في ثوانٍ، وتابعت وأنا أثبت نظري في عيني سامر اللتين اتسعتا صدمة: "بما أنك شغوف بالتفاعلات والغازات، تفضل إلى اللوح.. واكتب لزملائك المعادلة الكيميائية والفيزيائية لهذا التفاعل، واحسب لنا حجم الغاز المنطلق.. وإلا، ستكون هذه أول علامة صفر تنالها معي هذا العام".
ابتلع سامر ريقه، وتلاشت ملامح التحدي عن وجهه ليحل محلها ارتباك حقيقي. نظر إلى الأرض وقال بنبرة خفيضة اعتراها الخجل: "أعتذر منك يا أستاذ.. لن يتكرر هذا الأمر مجدداً".
نظرت إليه بابتسامة هادئة، وأومأت له بيدي كي يجلس قاصداً طمأنته: "لا عليك يا بني، كلنا نخطئ.. والمهم أن نتعلم من هفواتنا".
عدت إلى اللوح، وأكملت درسي بنبرة واثقة وكأن شيئاً لم يكن. لم أرد للحصة أن تكون تلقيناً جافاً، فبدأت أتنقل بين المقاعد، أتحاور مع الطلاب، وأسأل كل واحد منهم عن اسمه، وطموحه المستقبلي، ومعلوماته الفيزيائية، ثم أدون إجاباتهم وشغفهم بعناية في دفتري الخاص. شعرت حينها بجدار التوجس يذوب بيننا، ليحل محله انسجام دافئ ملأ أرجاء الغرفة.
وما هي إلا دقائق حتى دق جرس انتهاء الحصة. جمعت أوراقي وتوجهت إلى غرفة الإدارة، حيث التف حولي بعض المدرسين بفضول، وسألني أحدهم وعيناه تترقبان الإجابة: "كيف وجدت الطلاب في حصتك الأولى يا أستاذ محمد؟ كيف مر الوقت معهم؟"
أجبتهم بابتسامة واثقة يملؤها الرضا: "على ما يرام.. كل شيء كان عال العال، والحمد لله".
أثناء خروجي من بوابة المدرسة متوجهاً إلى الشارع الصاخب، سمعت وقع خطوات متسارعة تلاحقني. التفت لأجد سامر يلهث خلفي، واقترب مني بملامح يكسوها الحياء، ثم مد يده مصافحاً وقال: "أستاذ محمد، أرجو أن تقبل اعتذاري مجدداً، فالحق معك.. لكن، يتملكني فضول شديد لأعرف؛ لِمَ لم تفعل كما يفعل بقية الأساتذة؟ لِمَ لم تطردني إلى غرفة الإدارة أو خارج الصف؟"
نظرتُ إلى عينيه الحائرتين، ورأيت فيهما طفلاً يحاول إثبات وجوده بالشغب لا أكثر. أرحتُ حقيبتي على كتفي، وابتسمتُ له بوقار قائلًا:
"لأنك إنسان يا سامر.. والإنسان يخطئ، ويجرب، ويثور. لو طردتُك لكنتُ قد عاقبتُ فيك طاقة الذكاء والفضول التي دفعتك لابتكار هذه التجربة، وحرمتُ نفسي من طالب متميز أعرف أنه سيكون من الأوائل في صفّي. أنا لا أطرد القادة، بل أعلّمهم كيف يوجّهون طاقتهم".
تجمد سامر في مكانه، وراحت عيناه تلمعان بتأثر شديد لم يعتد أن يظهره أمام أحد. شدّ على يدي بحرارة وكأنه يكتشف قيمته لأول مرة، ثم قال بصوت متهدج: "شكرًا أستاذ.. نلتقي الحصة القادمة، والكتاب سيكون أول شيء على طاولتي".
تركتُه ومشيتُ في شوارع دمشق الدافئة، ونسمات عام 2009 تداعب وجهي. كنتُ أشعر بزهو غامر، طقم تخرجي يبدو مثاليًا، وحقيبتي المحملة بالأحلام تكاد تطير بي، ومكانتي كـ "الأستاذ المتميز" المحبوب بدأت تُبنى لبنة فوق لبنة.. كنتُ أظن أن هذا العالم الوردي المستقر سيدوم إلى الأبد، ولم أكن أعلم أن الحياة تخبئ لي خلف المنعطف درسًا أقسى بكثير من كل قوانين الفيزياء.
عدت إلى المنزل بعد ذلك اليوم الحافل، وكان الإنهاك قد بلغ مني مبلغه. ما إن دلفت من الباب حتى استقبلني صمت غريب على غير العادة؛ لم أجد أمي في مكانها المعتاد، ولا أخي يملأ البيت بحركته.
وقفت في ردهة المنزل مستغرباً، وتملكني التساؤل: "إلى أين يمكن أن يكونا قد ذهبا في مثل هذا الوقت؟". في ذلك الزمن، عام 2009، لم نكن نمتلك هواتف محمولة لنطمئن بها على بعضنا بلمسة زر، فقلت في نفسي: "لا بد أنهما ذهبا لزيارة خالتي في الحي المجاور لنا".
كنت أشعر بجوع شديد، لكن رغبتي في النوم كانت أقوى بكثير. كان جسدي يتوق للغوص في نوم عميق، خصوصاً وأنني لم أذق طعم الراحة في الليلة الماضية بسبب حلم سيئ طرد النوم من عيني. استسلمت لسريري، وما هي إلا لحظات حتى غبت في النوم.
لم أكد أنام ساعة واحدة حتى استيقظت على صوت مفاتيح الباب وضجيج دافئ مألوف. لقد عادت أمي وأخي، ولم يأتيا فارغي الأيدي، بل أحضرا معهما طعاماً جاهزاً تفوح منه رائحة شهية.
التففنا حول المائدة، وبدأنا نتشاور ونتحدث في تفاصيل يومنا بألفة وعفوية، وقمت بسرد كل ما حدث معي في المدرسة لهما. كانت ضحكاتنا تملأ أرجاء الغرفة، والدفء يحيط بنا من كل جانب، دون أن ندري أن هذه اللحظات البسيطة ستصبح يوماً ما مجرد ذكريات بعيدة نتحسر عليها.
التفتت إلي أمي بنظرة تملؤها اللهفة وقالت: "يا بني، متى سأراك عريساً وتتزوج؟ أريد أن أزوجك من ابنة خالتك".
صمتُّ قليلاً، وشعرت بحرج دافئ، ثم اقتربت منها وقلت: "يا أمي يا حبيبتي، أنت نور عيوني، وكلمتك لا تصبح اثنتين أبداً.. ولكنني أحب فيروز، لقد درسنا معاً في الجامعة وتخرجنا سوياً، وهي الآن تدرّس في مدرسة أخرى، وأتمنى أن تكون شريكة حياتي".
تغيرت ملامح أمي قليلاً، ثم قالت بصوت منخفض حمل مسحة من الحنان والرجاء: "كما تشاء يا بني.. ولكن أسرع في هذا الزواج، أريد أن أفرح بك قبل أن أموت".
انقبض قلبي لذكر الموت، فاقتربت منها بسرعة وعانقتها بشدة قائلاً: "أمي، أرجوكِ لا تتحدثي هكذا.. الأطباء قالوا إن أموركِ تمام وكل شيء على ما يرام".
في الماضي، كنت ولداً مشاغباً ومتهوراً، وكانت في شبابها تعاني الأمرين بسببي وبسبب طيشي، أما الآن، وقد كبرت وعرفت قيمتها، فلم أعد أتمنى من الدنيا سوى أن تبقى بجانبي، وأن أعيش طوال عمري أقبّل قدميها
حسمت أمري، وقررت الذهاب إلى منزل فيروز لأعترف لها أخيراً بحبي المخفي الذي طال كتمانه. ارتديت أجمل ما عندي من ثياب، وتعطرت بأفضل عطر أملكه، وخرجت مسرعاً؛ فكلمات والدتي عن الموت، وذلك الحلم المخيف الذي زارني البارحة، كانا الدافع الأكبر وراء هذه العجلة.
لطالما أحببت فيروز، وكنت في الجامعة أحاول التلميح لها بشتى الطرق، لكنها كانت تقابل تلميحاتي بالضحك، وتتظاهر بعدم الفهم تهرّباً من المواجهة.
انطلقت في الشوارع وعقلي يسبق خطواتي، حتى وصلت إلى باب منزلهم. دققت الباب بقلب متسارع، ففُتح ليخرج والدها. كنت أعرفه سابقاً، فتبادلنا السلام والتحية، ثم دعاني للدخول. خطوت إلى داخل المنزل، وهنا.. كانت الصدمة الكبرى التي لم تخطر لي على بال.
خطوت إلى داخل المنزل، وهنا.. كانت الصدمة الكبرى التي تمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني قبل أن أراها.
وجدت فيروز تجلس وبرفقتها شاب غريب، عرفت بعد لحظات أنه ابن عمها المغترب، الذي وصل فجأة ليخطبها. جلست مكاني بعد أن صعقتني المفاجأة وشلت أركاني. قدموا لي القهوة، فارتشفتها دون أن أشعر بمذاقها، وكنت في قمة ذهولي وجنوني الداخلي أحاول التمسك بأي خيط للواقع، فالتفت إليها وسألتها بنبرة حاولت جاهداً أن تبدو طبيعية: "وماذا عن المدرسة والتدريس؟".
أجاب الشاب بابتسامة وثوق: "خطيبتي ستترك المدرسة، أريدها أن تسافر معي إلى البرازيل".
ابتلعت غصتي، وباركت لهما بكلمات خرجت من حنجرتي كالجمر. وكي أجد مخرجاً يحفظ ما تبقى من كبريائي، التفت إلى فيروز وقلت: "أريد منك فقط أن تعيريني محاضرة الدكتور حسن إسماعيل الأخيرة، أود أن أعطيها لصديق لي". غابت لدقائق ثم عادت بالمحاضرة، فودعت الجميع. وقبل أن أخرج، لمحت لها بعيني كي تلحق بي إلى الخارج لنتحدث ثواني معدودة.
التقينا في ممر البناء بعيداً عن الأعين، وهناك تخلّيت عن صمتي الصابر، ونظرت إليها بعينين يعتصرهما الألم وسألتها:
"لماذا؟ لماذا يا فيروز؟ لماذا فعلتِ هذا؟ لقد أحببتك بصدق، ولمحت لك كثيراً!".
نظرت إلي ببرود أعصاب غريب، وبنبرة خالية من أي تعاطف قالت: "أنت شاب رائع يا محمد، لكن الزواج ليس لعبة.. أنا أعلم بأن وضعك المادي سيئ، والحياة تحتاج إلى استقرار".
عند تلك الكلمة، شعرت بقلبي يخفق بعنف مجنون، وتمنيت في تلك الثواني لو أنني أموت في أرضي وتنتهي حياتي. لم أنطق بحرف إضافي، نظرت إليها نظرة أخيرة، ثم قلت بمرارة: "شكراً يا فيروز".
استدرت وذهبت مسرعاً، أركض في شوارع دمشق والدموع تحرق عيني، حاملاً أوراق المحاضرة بيدي، وأنا أشعر أن طقم تخرجي الرسمي قد تحول إلى كفن لكل أحلامي الطفولية الوردية.