عفو تحت ظلال المشانق (بروتون:كوكب المسالخ البشرية)
عفو تحت ظلال المشانق
عفو الأمير غراي
لم يكد رأس طارق زعيم الأورُكس يستقر متدحرجاً فوق الأرض الصخرية الصافية، حتى انشقت قاعة الحكم عن بركان من الغضب، وبسرعة الفهد الشرس، استل الشاب الأبيض كايان اللقيط سيفه البدائي الصدئ، واشتعلت عيناه بشرارة وحشية عمياء؛ واندفع كالمقذوف الناري نحو المنصة الشاهقة، مخترقاً حراس المنارة بجرأة انتحارية، وموجهاً نصله مباشرة نحو عنق الأمير أندرياس غراي ليقطع أنفاسه ثأراً للدم المسفوك غدراً .
انفجرت القاعة بصراخ الحراس وهم يشهرون نصالهم لاعتراضه، لكن قبل أن يصل حد سيف كايان إلى جسد الأمير، دوت صرخة حازمة ومبجلة هزت أرجاء القاعة . كانت الجدة موران، حاكمة الشينغار المسنة، قد اندفعت نحو الأمام بقوة لم يعهدها جسدها العجوز، وقبضت بكل ما تبقى لها من عزم على ذراع كايان المشرعة بالموت، وصرخت بنبرة يملؤها الذعر والخوف على بقاء سلالتها:
• "توقف يا كايان! اغمد سيفك اللعین! إنك بضربتك هذه لن تقتل أميراً، بل ستقتل قبائل الشينغار بأكملها! ستتسبب في إبادتنا وسحق أطفالنا تحت أقدام جيش إيليريا الصلب! تراجع طاعةً لأمر عجز سلالتنا!"
توقف كايان مكانه وجسده يرتجف غيظاً، وعيناه المثبتتان على الأمير تقطران وعيداً، لكن احترامه ورضوخه التام للمرأة التي أنقذته طفلاً جعلاه يخفض سيفه ببطء وألم يمزق صدره .
ارتمت الجدة موران بركبتيها الواهنتين أمام المنصة، ورفعت وجهها المحفور بالتجاعيد نحو الأمير أندرياس غراي، وقالت بصوت متهدج يطلب النجاة لقومها:
• "أيها الأمير الحكيم.. نطلب العفو عن جهل هذا الفتى . لقد أعمى الغضب عينه بعد رؤية دماء حليفه، لكن الشينغار جاؤوا طوعاً لنداء استدعائك وامتثلوا لقوانين جزيرتك . اعفُ عن طيشه، ولا تجعل دم طارق الأورُكس سبباً في حرق صحرائنا" .
في تلك اللحظة بالذات، كان بروكان (ابن الزعيمة) يقف خلفهم، وقد جن جنونه بالكامل واشتعلت عيناه بحقد أسود .كان يراقب ركوع والدته وتراجع كايان بذهول ممزوج بالعار؛ فكبرياؤه القبلي تحطم تماماً، والتفت نحو بقية قادة الشينغار وهمس بفحيح مسموم: "انظروا إلى الذل الذي أوردتنا إليه أمي! اللقيط الأبيض تراجع جبناً وخوفاً من الموت، وزعيمتنا تركع لطاغية قطع رأس حليفنا بالخفاء.. لقد ضاعت هيبة أسياد الصحراء تحت أقدام الغرباء!"
أما فوق المنصة الشاهقة، فقد عادت الابتسامة المريحة والباردة لتتسلل إلى شفتي الأمير أندرياس غراي . عدّل من هندام عباءته المدنية الفاخرة، ونظر إلى الجدة موران وكايان بنظرة نفاق تنضح بالتعالي والوقار الدستوري، ورفع يده ليعلن بيانه الجديد أمام حراسه وبرلمانه قائلاً بنبرة تقطر دهاءً مستوراً:
"قومي يا موران، فمنارة فيريديان لا تبنى على سحق النادمين . أنا رجلٌ متسامح، وديمقراطيتنا تملك قلباً كبيراً يعفو عند المقدرة ويحقن الدماء . لقد قبلت عفوك عن طيش هذا الفتى الأبيض اللقيط، ولن أحاسب الشينغار على جنون غلام لا يعرف أصول البلاط؛ لكن ليعلم الجميع.. أن حلم الأمير له حدود، والهدنة الدستورية التي جئتم لأجلها باتت أمراً واقعاً، وأي سلاح يُشهر في قارة الجفاف بعد اليوم، سيكون رده الموت الشامل لخيامكم!"
انحنى شيوخ الشينغار المذعورين شاكرين "تسامح" الأمير الزائف، بينما كان كايان يقف كالصنم، وعقله يسجل أبشع درس عركه في السياسة . الأمير غراي استخدم العفو ليثبت شرعيته الأخلاقية ويظهر بمظهر الحاكم الرحيم ، بينما كان في الخفاء يبتسم لأنه قيد حركة الشينغار تماماً، ومنح الأقزام الخُرس (الواقفين في الظلال يراقبون المشهد بصمت) الوقت الكامل لتثبيت بواريدهم الاستيطانية ونشر حشراتهم الفتاكة رويداً رويداً لتبدأ الكارثة الوجودية للكوكب .