أصداء ستاركارد الملعونة | روايه بروتون:كوكب المسالخ البشرية
أصداء ستاركارد الملعونة
ما هو مصير الملك أوريك ؟
لم يتأخر دوي الصاعقة الدموية التي ضربت ساحة ستاركارد في الوصول إلى قارة الوفرة . فبينما كانت بحيرات مدينة أكواليس الصافية تعكس هدوء الليل الزائف، وصلت سفينة دبلوماسية هاربة من الصقيع، تحمل على متنها بقايا حراس وفد التجار الذين شهدوا بأعينهم أهوال ليلة النصال المغلقة .
انفجر الرعب داخل قصر رئاسة التجار الأعلى كالنار في الهشيم . دعت الهيئة العليا لعقد اجتماع طارئ في منتصف الليل، وجلس كبار الأسياد والأغنياء حول الطاولة الزجاجية الكبيرة، وعيونهم تفيض بالذعر والهلع الصافي . الفوضى كانت عارمة، والتهامس ساد القاعة؛ فالوزير مالاكور—الذي كان يمثل درعهم الأمني ووكيل مصالحهم القذر في العظمة—قد طار رأسه في الهواء، والحليف العسكري الموثوق الممتد لألف عام قد اختفى ليحل مكانه كابوسٌ لم يحسبوا له أي حساب .
وقف أحد كبار تجار النقاء البيئي، ويداه ترتجفان وهو يمسك بتقارير الحراس الهاربين، وصاح بصوت متهدج يملؤه الخوف الشديد:
• "أيها الأسياد.. نحن لا نواجه حاكماً تقليدياً يمكن شراؤه بالذهب أو مساومته بصهاريج الماء! الأمير الصغير أوريك لم يكن أبلهاً بل كان شيطاناً يتخفى وراء قناع البلاهة . لقد ذبح مالاكور وتخلص من كل وزرائنا وجنرالاتنا في ساعة واحدة، وأعلن نفسه ملكاً وإلهاً قسرياً أمام الحشود، وطالب شعبه بعبادته وطاعته العمياء! كيف سنأمن على حدودنا المائية ومخازننا من حاكم مجنون يعتقد أنه إله يمشي على الأرض؟"
ضرب تاجرٌ آخر بقبضته المترفة على الطاولة وصوته يرتجف رعباً:
• "المصيبة الأكبر هي جيش العظمة الألفي المرعب! الجنود ركعوا له وامتثلوا لألوهيته خوفاً وطاعة، والآن بات هذا الجيش العقائدي الصلب تحت إمرة دكتاتور نرجسي مصاب بجنون العظمة . إذا قرر هذا الملك الإله اجتياح أكواليس بذريعة إرادته المقدسة، فماذا نحن فاعلون؟ مرتزقتنا لن يصمدوا يوماً واحداً أمام زحف ستاركارد العقائدي، ونحن بلا دروع عسكرية تحمي غاباتنا وأنهارنا!"
تعالت الأصوات وتضاربت الآراء وسط ذعر التجار؛ فبعضهم طالب بقطع قوافل الغذاء والمواشي فوراً عن العظمة لشل حركتهم، وبعضهم طالب بإرسال كل ثروات أكواليس كقربان استسلام لاستعطاف الملك الجديد وتأمين شره
وسط هذه الفوضى العارمة والذعر الخانق، وقف التاجر الأشد مكراً ودهاءً في القارة: ليونارد الجريء . كان يرتدي عباءته القرمزية، ورغم الصدمة الكامنة في عينيه، إلا أنه حافظ على بروده التجاري المعهود .
سار ببطء نحو حافة الشرفة المطلة على المياه، مستنداً على عصاه الأبنوسية ذات الرأس الذهبي، ثم التفت نحو التجار الأسياد وأشار بيده ليلجم صراخهم، وقال بنبرة صوت حازمة ومحكمة أعادت الهدوء القسري للقاعة:
• "أيها الأسياد، اهدأوا وتوقفوا عن العويل كالنساء؛ فالذهب لا يحمي المذعورين . قطع قوافل الغذاء عن ستاركارد الآن هو انتحار سياسي، واستعطافه بالمال سيكشف عجزنا تماماً أمام جنونه . الزموا مواقعكم، وحافظوا على شحن المزارع والمواشي بموجب الميثاق القديم كأن شيئاً لم يكن" .
خطا ليونارد خطوة نحو وسط الطاولة، وارتسمت على شفتيه نظرة ثاقبة وباردة مكملاً كلماته الختامية:
• "الملك أوريك قد يملك عقيدة جنده ويسمي نفسه إلهاً كما يشاء، لكن ألوهيته المزعومة لا يمكنها إطعام فم واحد جائع داخل قارته الجليدية الباردة .هو يعتمد كلياً على مزارعنا ولحوم مواشينا ليعيش جيشه، ويعلم أن إفلاسنا يعني مجاعة حتمية تطحن عرشه وعظمته .
نصيحتي لكم هي الصبر قليلاً على قرارات هذا المجنون؛ دعونا نراقب خطوته القادمة ونرى كيف سيحكم شعبه خلف الثلوج، ريثما تكتمل شبكة مرتزقتنا، فالوقت دائماً يخدم الطرف الذي يملك لقمة العيش وقطرة الماء!"
تنفس التجار الصعداء، وقبلوا بمنطق ليونارد الماكر؛ فقرروا الصبر والانتظار ومراقبة تصرفات الملك الإله، غافلين عن أن أوريك سيصدمهم قريباً بقرار بناء أسوار الصقيع العازلة، ليقطع بنفسه خط الغذاء ويقلب موازين التجارة والبيولوجيا الإنسانية للكوكب بأكمله.