الدكتاتور _ بروتون:كوكب المسالخ البشرية
الدكتاتور
مرجل التطهير
بينما كانت رياح الحقد والرماد تعصف بجزيرة إيليريا، كانت قارة العظمة الباردة ترزح تحت وطأة عهدٍ جديد، عهدٌ لم تعد تحكمه القوانين الأرضية، بل تحكمه الرغبة النرجسية الفظيعة للحاكم الجديد .
في ساحة قصر ستاركارد الحجري الأسود، وتحت سماء رمادية ثقيلة تتساقط منها الثلوج كأكفان ميتة، جمع الملك أوريك الإله أبناء شعبه وقادة في تجمع عائلي وقَبَلي مهيب . لم يكن هذا التجمع للاحتفال، بل كان طقساً لترسيخ العبودية المطلقة . أُدخل آلاف المدنيين والجنود المقاتلين قسراً إلى قاعة العرش الكبرى الشاهقة، حيث صُفت جثث الوزراء والجنرالات المقتولين في ليلة النصال المغلقة على الجوانب، كأعمدة من اللحم البشري البارد لتذكير الجميع بثمن العصيان .
كان الملك الصغير أوريك يتربع على عرشه الضخم، وعيناه الوحشيتان تلمعان ببريق جليدي مرعب خلع قلوب الحاضرين . وبأمر من حراسه النخبة، جثت العائلات وبدأ الناس بالركوع والسجود أرضاً بجباههم فوق البلاط البارد، مرددين صكوك الطاعة لألوهية الصبي الذي باتوا يرون فيه ملكاً وإلهاً قسرياً يملك حياتهم وموتهم .
وسط هذا الخنوع الخانق وصوت النحيب المكتوم، شق الصمتَ صوتُ خطى ثابته وعنيدة . وقف من بين الصفوف الساجدة رجلٌ مخضرم من كبار نبلاء ستاركارد، كان صديقاً للملك الراحل ويحمل كبرياء المقاتلين القدامى . نظر النبيل إلى الملك الصغير الجالس على العرش، وصرخ بصوت هادر لم يهتز أمام النصال:
• "تباً لجنتك يا أوريك! لقد سكتنا على تصفيتك لمالاكور والوزراء لأنهم خانوا العهد، لكننا لن نبيع عقولنا لجنون صبي ممسوخ! السلالة الملكية نطيعها بالولاء والسيف، لكنك لست إلهاً ولن تكون! أجسادنا خُلقت من صخر هذه الجبال، وركبنا لم تنحنِ لغير الخالق، ولن نسجد لفتى يرتدي تاجاً أثقل من رأسه!"
ساد صمتٌ مرعب جمدت فيه الدماء في العروق، وتوقف الناس عن التنفس وهم ينظرون إلى العرش . لم يغضب الملك أوريك الإله، ولم يصرخ؛ بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة سايكوباتية باردة ومتعالية زادت المشهد فظاعة . أشار بيده الصغيرة نحو الحراس، وبنبرة صوت جليدية هادئة قال:
• "أحضروا مرجل التطهير الفوري أمام شعبي" .
اندفع الحراس وسحبوا النبيل العجوز وثبتوه بالقوة وسط القاعة، بينما جُرّ مرجلٌ حديدي ضخم يغلي فيه الماء إلى درجة الانفجار، وتتصاعد منه أبخرة حارقة تذيب الصقيع . وقف الملك أوريك وسار ببطء حتى وقف على حافة منصة العرش، ونظر إلى النبيل المكبّل ثم إلى آلاف الرؤوس الساجدة رعباً، وصاح بصوت جهوري حاد:
• "الحمقى يظنون أن الألوهية تحتاج إلى معجزات من السماء، وأنا أقول لكم إن ألوهيتي تكمن في قدرتي على سحق أنوفكم المستكبرة في الطين! من يرفض السجود لجوهر وجودي، سأطهّر روحه بالنار والماء أمام أعين عائلته!"
بأمر من أوريك، رفع الحراس المرجل الحديدي الشاهق، وبدم بارد، أفرغوا الماء المغلي بالكامل فوق رأس وجسد النبيل العجوز أمام الحشود المذهولة .
انفجرت في القاعة صرخة ممزقة، وحشية، ولم تشهد القارة مثيلاً لها؛ كان الماء المغلي يسلخ جلد الرجل الحي، ويذيب لحمه عن عظام وجهه وجسده، ليتحول في غضون ثوانٍ إلى كتلة محترقة ومشوهة من اللحم البشري الساقط يتلوى في بركة من البخار والدماء حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وسط ذهول ورعب رواد القصر وشعبه الذين انحنوا أكثر وألصقوا جباهم بالبلاط خوفاً من أن تطالهم اللعنة .
نظر الملك أوريك الإله إلى الجثة المشوهة بنشوة طاغية، واستدار نحو جنرالاته الباقين، وأصدر قراره الاستراتيجي الأكبر الذي سيغير وجه الكوكب:
• "الآن.. طُهرت القاعة وسقط آخر معاقل العصيان في ستاركارد . ولأنني إلهكم الذي يحمي عظمتم، ولأن قارة الوفرة الجشعة بدأت تهتز بالثورات والفلسفة وقد تقطع عنا الغذاء، أعلن اليوم قراري الإلهي المنفرد: حرّكوا كتائب الجيش الألفي بالكامل، وابدأوا فوراً ببناء جدران عملاقة وشاهقة وعازلة (أسوار الصقيع العازلة) تطوق حدود قارتنا بالكامل وتفصلنا عن بقية هذا الكوكب الملعون! سنحبس أنفسنا خلف الحجر، وسنحمي نقاء حكمنا بقوة السور؛ فمن أراد العيش تحت ظل ألوهيتي فليلزم جدراني، ومن أراد الفناء فليتركه خلف الأسوار!"
انطلقت الفؤوس والمعاول، وبدأ الجيش الألفي العظيم بقطع الصخور وبناء الأسوار الشاهقة تحصيناً لجنون الملك أوريك الإله ؛ دون أن يدرك أوريك أو شعبه الراكع، أن هذا الجدار العملاق الذي بناه لعزل مملكته وحمايتها، سيكون هو السجن الكبير الذي سيقطع عنهم الموارد الحيوانية، ويفجر داخل ستاركارد مجاعة بيولوجية سوداوية تجبره على تحويل النساء لمزارع بشرية والمواليد الجدد لولائم ولحوم للبقاء !