روايه عمار وجميله - الفصل الثاني
جميلة وعمار وكريم: مثلث الحكايات
رنت رسالة على هاتفها. فتحتها بسرعة. كان عمار: "أنا وكيمو تحت المستر هيطردنا لو تأخرنا دقيقة كمان، اخلصي يا جيمي." ابتسمت رغم توترها، أخذت حقيبتها الممتلئة بالكتب والملخصات، وأسرعت بالخروج. وعندما فتحت باب الشقة، وجدت والدتها، السيدة نادية، تقف في الممر وعيناها تحملان نظرة عتاب مألوفة. "برضه نازلة معاهم يا جميلة؟" قالت السيدة نادية وهي تكتف ذراعيها.
جميلة كانت تقف أمام مرآة غرفتها، تحاول جاهدة ضبط حجابها، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً. لم يكن التوتر بسبب امتحان اللغة العربية الصباحي هذه المرة، بل كان بسبب تلك النظرة التي استقرت في مخيلتها طوال الليل؛ نظرة يوسف الغامضة، ونظرات عمار التي لم تعد تفهمها، والدعم الهادئ من كريم الذي بات يشعرها بالذنب.
رنت رسالة على هاتفها. فتحتها بسرعة. كان عمار: "أنا وكيمو تحت المستر هيطردنا لو تأخرنا دقيقة كمان، اخلصي يا جيمي."
ابتسمت رغم توترها، أخذت حقيبتها الممتلئة بالكتب والملخصات، وأسرعت بالخروج. وعندما فتحت باب الشقة، وجدت والدتها، السيدة نادية، تقف في الممر وعيناها تحملان نظرة عتاب مألوفة.
"برضه نازلة معاهم يا جميلة؟" قالت السيدة نادية وهي تكتف ذراعيها.
توقفت جميلة والمسؤلية تثقل كتفيها: "يا ماما ما إحنا طول عمرنا بننزل سوا، والسنتر في نفس الشارع."
نادية تنهدت بنبرة حادة بعض الشيء: "زمان غير دلوقتي يا بنتي. أنتوا كبرتوا، والناس في الشارع مفيش وراها غير الكلام. وبعدين والدة عمار دي أنا عارفاها كويس، طريقتها وتلميحاتها مش مريحة، دايماً تحسسني إن ابنها مهندس المستقبل اللي مفيش زيه. ركزي في مذكرتك وبلاش خروج ودخول كتير معاهم."
جميلة شعرت بغصة في حلقها، فوالدتها لم تكن تفوت فرصة إلا وتذكرها بالفوارق الخفية أو بحساسيات الجيرة. "حاضر يا ماما، مش هأتاخر."
نزلت السلالم بسرعة لتتهرب من النقاش. وعندما مرت بالدور الأول، نظرت تلقائيًا نحو شقة يوسف. الباب كان مغلقًا تماماً هذه المرة، لكن كان هناك شعور خانق بالبرودة يخرج من تحت عتبة الباب. لم تلتفت كثيرًا وأكملت هبوطها لتجد عمار وكريم بانتظارها عند المدخل.
عمار كان يستند إلى دراجته النارية الصغيرة، يرتدي قميصًا أبيض خفيفًا ويضع نظارته الشمسية، بينما كان كريم يقف بجانبه ممسكًا بكشكول المراجعة، وعيناه مجهدتان وكأنه لم ينم طوال الليل.
"أخيراً هانم هانم شرفت!" قال عمار وهو يشير بساعته ضاحكًا.
جميلة بنبرة متوترة بعض الشيء: "خلاص بقى يا عمار، ماما كانت بتكلمني في حوار كدا.. يلا بينا."
كريم لاحظ علامات الضيق على وجهها، فاقترب خطوة وسألها بصوت منخفض لا يسمعه عمار: "في حاجة ضايقتك؟ طنط نادية قالتلك حاجة بسببنا؟"
نظرت جميلة إلى كريم، وفوجئت بقدرته الدائمة على قراءة تفاصيل وجهها. "مفيش يا كريم، كلام عادي عن المذاكرة والوقت. يلا عشان نلحق."
عمار تحرك بجانبهما وهم يسيرون نحو السنتر: "بقولكم إيه، بعد الحصة لازم نعدي على المكتبة الكبيرة اللي ورا المحكمة، سمعت إن نزل فيها ملخصات المراجعة النهائية بتاعة التاريخ والفيزياء."
كريم: "أنا هروح معاكم، بس مش هأطول. أبويا قالي النهاردة إنه عايزني في البيت بدري.. شكله في حوار كبير في العمارة."
جميلة انتبهت: "حوار إيه؟ ليه علاقة بالشقة اللي تحت؟"
كريم هز رأسه ببطء: "مش عارف بالظبط، بس سمعته بيتكلم مع عم محمد البواب بلهجة شديدة امبارح بالليل بعد ما رجعنا. أبويا أصلاً مبيرتاحش للحركات الغريبة، وأنتوا عارفين إنه لما بيقلق من حاجة بيبقى صعب."
عمار لوّح بيده بلامبالاة: "يا عم كبر دماغك، تلاقي أبوك بس مضغوط من الشغل. المهم دلوقتي نركز في العربي عشان المستر ده مبيسمّيش."
داخل قاعة السنتر الضخمة، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. مئات الطلاب يتنافسون على المقاعد الأولى، وصوت الأوراق يملأ المكان. جلس الثلاثة في صف واحد؛ جميلة في المنتصف كالعادة، وعمار على يمينها يتهامس مع بعض الأصدقاء، وكريم على يسارها يراجع السطور الأخيرة بتركيز كامل.
أثناء الشرح، كانت جميلة تحاول التركيز مع المستر، لكن عمار التفت إليها فجأة ومرر لها ورقة صغيرة مطوية.
نظرت إليه بدهشة، فأشار لها بعينيه أن تفتحها.
فتحت الورقة أسفل الطاولة بخوف، لتجد رسالة مكتوبة بخطه العشوائي: "شعرِك الطالع من الطرحة ده هيخلي المستر يطردنا إحنا الاتنين، ظبطيه بدل ما أظبطهولك أنا."
شعرت جميلة بموجة من الحرارة تجتاح وجهها. التفتت إليه بغضب مصطنع، لكن قلبها كان يدق بعنف لدرجة خافت أن يسمعها أحد. ظبطت حجابها بسرعة وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. عمار ضحك بصوت مكتوم والتفت للشرح.
كريم شاهدهما. رأى الورقة، ورأى حمرة الخدين على وجه جميلة، ورأى تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا لعمار. شعر وكأن الأوكسجين يقل في القاعة. قبض على قلمه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وظل ينظر إلى السبورة دون أن يستوعب كلمة واحدة مما يقال. كان التوتر العاطفي في تلك المساحة الصغيرة بين المقاعد الثلاثة يكفي لتفجير المكان.
بعد انتهاء الحصة وخروجهم وسط زحام الطلاب، كان الصمت يسود بينهم بشكل غريب، عكس طبيعتهم.
عمار أحس بالأجواء المشحونة: "مالكم؟ قلبتم نكديين كدا ليه بعد الحصة؟ ده أنا حتى مقفل الامتحان!"
كريم بنبرة جافة لم يعتدها عمار منه: "مش كل الناس رايقة زيك يا عمار. في ناس بتفكر في مصلحتها وفي اللي وراها."
عمار توقف في وسط الشارع ونظر لكريم باستغراب: "في إيه يا كريم؟ أنت ملقح عليا كلام من الصبح ليه؟ أنا عملتلك حاجة؟"
كريم وقف في مواجهته، وكان التوتر بينهما قد وصل لذروته: "معملتش يا عمار. بس حس شوية باللي حواليك. مش كل حاجة هزار ولعب وورق بيتكتب في الحصص. إحنا في سنة مصيرية، وجميلة مش ناقصة تشتيت."
جميلة تدخلت بسرعة والذعر يملأ عينيها من هذا الصدام المفاجئ: "كريم! عمار! في إيه؟ أنتوا هتتخانقوا في الشارع؟ كريم، عمار مكنش يقصد حاجة، ده هزار عادي بيننا."
كلمة "بيننا" وقعت على قلب كريم كالسكين. نظر إلى جميلة بنظرة عتاب طويلة مكسورة، ثم التفت لعمار وقال بصوت منخفض وحاد: "تمام.. أنا اللي غلطان. أنا ماشي."
تركهم كريم ومشى بخطوات واسعة وسريعة وسط الحشود، دون أن ينظر خلفه.
بقيت جميلة واقفة مع عمار، وكانت تشعر برغبة في البكاء. الصداقة التي دامت سنوات بدأت تتشقق أمام عينيها.
عمار نظر إلى أثر كريم وهو يحك رأسه بضيق: "هو ماله ده بجد؟ أول مرة يكلمني بالطريقة دي. أنا عملت إيه لكل ده؟"
جميلة بصوت مخنوق: "أنت عارف إن كريم بيمر بضغط كبير يا عمار، وأنت برضه مستفز ساعات. الحوار مكنش مستاهل العصبية دي كلها."
عمار نظر إليها، وتغيرت ملامحه الخفيفة إلى ملامح أكثر جدية وعمقًا: "جميلة.. هو كريم مضايق عشان الورقة؟ ولا عشان حاجة تانية؟"
نظرت إليه جميلة بوجل: "حاجة تانية زي إيه؟"
عمار اقترب منها خطوة، وكانت عيناه تبحثان في عينيها عن إجابة مخفية: "أنتِ عارفة قصدي كويس. كريم مش غبي، وأنا مش غبي. بس في حاجات لو اتفتحت دلوقتي.. كل حاجة بيننا هتبوظ. وأنا مش عايز أخسر حد فيكم."
جميلة شعرت أن الأرض تميد بها. هل عمار يعلم بمشاعر كريم؟ أم يعلم بمشاعرها هي تجاهه؟ التوتر العاطفي بينهما في تلك اللحظة كان ملموسًا، كحبل مشدود على آخره كاد أن ينقطع.
"يلا نرجع يا عمار،" قالت جميلة وهي تدير وجهها لتخفي دموعها، "يلا نرجع عشان الدنيا متبوظش أكتر."
عندما عادوا إلى العمارتهم، كانت الأجواء في المنزل مشحونة بطريقة مختلفة تمامًا.
بمجرد دخول جميلة شقتها، سمعت صوت نقاش حاد يأتي من الصالون. كانت والدتها نادية تتحدث بنبرة غاضبة مع والدها، الأستاذ أحمد.
"أنا بقولك الراجل ده مش مظبوط وطريقته مش عاجباني!" قالت نادية بغضب.
أحمد بصوت هادئ يحاول التهديد: "يا نادية يا حبيبتي، الراجل مستأجر الشقة بعقد رسمي، وجار جديد، ومشفناش منه حاجة وحشة لحد دلوقتي. وبعدين ده راجل مستشار قديم، يعني مقامه كبير."
نادية: "مستشار قديم ومعهوش غير ابن واحد مبيخرجش غير بالليل؟ والأنوار مقفولة؟ وعم محمد البواب بيقول إنه بيسمع أصوات غريبة طالعة من الشقة الفجر؟ أنا مش مرتاحة، والبنت بتنزل وتطلع طول اليوم، أنا خايفة عليها."
جميلة دخلت الصالون ببطء: "في إيه يا ماما؟ بتتكلموا على مين؟ يوسف؟"
التفتت إليها نادية بسرعة: "وأنتِ عرفتي اسمه منين وبتقوليه براحة كدا ليه؟"
جميلة بتلعثم: "عادي.. إحنا شوفناه امبارح وأحنا راجعين أنا وعمار وكريم، وهو عرفنا بنفسه."
ناديا ضربت على صدرها بخفة: "شفتي؟ بدأ يتكلم معاهم ويتعرف عليهم! أنا قايلة من الأول العمارة دي مبقتش أمان. من بكرة مفيش نزول ولا طلوع لوحدك يا جميلة، ومفيش قعدة فوق السطوح دي خالص تاني."
الأستاذ أحمد تنهد وقام من مقعده: "خلاص يا نادية، كبرتي الموضوع. البنت عندها مذكرتها ومش فاضية للكلام ده." ثم نظر لجميلة: "ادخلي يا بنتي ذاكري، ومتركزيش في كلام مامتك كتير، بس برضه خدي بالك."
خرجت جميلة من الصالون وهي تشعر أن الحصار يضيق عليها من كل جانب؛ أهلها يرفضون الجار الجديد، ويرفضون عائلات أصدقائها، والأصدقاء أنفسهم يتفككون.
في نفس الوقت، في الدور الرابع، كان هناك مواجهة أخرى لا تقل حدة.
كريم كان واقفًا في الصالة، ووالده، الحاج توفيق، يجلس ويدخن سجائر بغضب.
"أنا شوفتك واقف مع ابن الراجل اللي تحت ده امبارح،" قال توفيق بنبرة صارمة.
كريم: "يا بابا ده واد في سننا تقريباً، واسمه يوسف، بنتعرف عليه كجار جديد."
توفيق وقف بعصبية ونفض الرماد: "لا جار ولا زفت! الراجل ده أنا عارف تاريخه كويس.. أبوه كان وراه قضايا قديمة وتصفيات حسابات، وجايين يستخبوا هنا في منطقتنا. العيلة دي وراها مصايب، وأنا مش عايز اسمي ولا اسم ابني يتربط بيهم. فاهم ولا لأ؟"
كريم بشك وغموض: "قضايا إيه يا بابا؟ هو أبوه بيشتغل إيه بالظبط؟"
توفيق بنظرة حادة: "مملكش دعوة بيشتغل إيه. ليك دعوة بنفسك وبمستقبلك. والبت بتاعة أحمد اللي في الدور الثالث دي، جميلة.. خف كلام معاها شوية. أمها ست لسانها طويل وبتاعة مشاكل، وأنا مش ناقص قيل وقال في الراية والجاية. ركز في كليتك وبس."
كريم شعر بنبضات قلبه تتسارع غضبًا: "جميلة ملهاش دعوة بأمها يا بابا، وإحنا أصحاب من صغرنا."
توفيق بصوت جهوري قاطع: "أصحاب لما كنتم عيال! دلوقتي كبرتم، وكل واحد يروح لحاله. كلمتي مش هتنزل الأرض يا كريم. ابعد عن الحوارات دي كلها."
ترك كريم الصالة ودخل غرفته وأغلق الباب بعنف. ارتمى على السرير وهو يشعر بالاختناق. والده يرفض جميلة، ويرفض عمار، ويحذره من الجار الجديد بغموض يثير الرعب.
أخرج هاتفه ونظر إلى رقم جميلة. كان يريد الاتصال بها، يريد أن يصرخ ويخبرها بكل ما في قلبه، يعترف لها بحبه الذي يأكله من الداخل، ويحذرها من هذا العالم الذي يتهاوى حولهم. لكنه تردد.. كالعادة. تذكر نظرتها لعمار، فتراجع ووضع الهاتف جانباً وغطى وجهه بيديه.
في منتصف الليل، ساد الهدوء الشارع، لكن القلوب داخل العمارت لم تكن هادئة.
جميلة لم تستطع النوم. كانت تشعر باختناق حقيقي في غرفتها. تذكرت السطوح، مكانهم الآمن. علمت أن والدتها نائمة، فتحركت بخفة شديدة، وفتحت باب الشقة دون صوت، وصعدت السلالم المؤدية إلى السطح. كانت تحتاج إلى الهواء النقي لتتنفس.
عندما فتحت باب السطح، تفاجأت بوجود شخص يجلس على السور في نفس المكان الذي كان يجلس فيه عمار صباحًا. لكنه لم يكن عمار.
كان يوسف.
كان يرتدي سترته السوداء، ويدخن سيجارة ببطء، وعيناه معلقتان بالنجوم. عندما سمع صوت الباب، لم يفزع، بل التفت ببطء شديد وابتسم ابتسامته الغامضة المألوفة.
"كنت عارف إنك هتيجي،" قال يوسف بصوت هادئ اخترق سكون الليل.
تراجعت جميلة خطوة للوراء بخوف: "أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ وده سطح بيتنا إحنا."
يوسف نزل من على السور بخفة واقترب منها عدة خطوات، لكنه ترك مسافة كافية ليجعلها تشعر بالأمان: "السطح ملك العمارة كلها يا جميلة.. وأنا بقيت من سكان العمارة. وبعدين، المكان هنا هادي ومناسب للتفكير، ولا إنتِ شايفة إيه؟"
جميلة بنبرة متوترة تحاول إخفاء خوفها: "أنا نازلة.. مش عايزة مشاكل."
يوسف بصوت منخفض وعميق فيه نبرة غريبة: "ليه خايفة مني؟ عشان الكلام اللي أهلك بيقولوه تحت؟ ولا عشان كريم وعمار محذرينك مني؟"
توقفت جميلة مكانه وسألته بشك: "أنت عرفت منين إنهم بيتكلموا عليك؟"
يوسف ضحك ضحكة قصيرة باردة: "الأصوات في العمارة دي بتطلع بسرعة يا جميلة. الشدران ليها ودان، وأنا وداني قوية شوية. بس متخافيش.. أنا مش جاي أعمل مشاكل لحد. أنا جاي أصلح حاجات قديمة.. حاجات تخصنا كلنا."
جميلة: "تخصنا كلنا إزاي؟ إحنا مانعرفكش أصلاً!"
يوسف اقترب خطوة إضافية، ونظر في عينيها مباشرة في الظلام، وكانت نظرته تحمل كمية مرعبة من الغموض والمعرفة: "أنتِ ممكن تكوني ميعرفنيش.. بس عمار وكريم يعرفوا حاجات كتير.. أو على الأقل أهاليهم يعرفوا. وفي سر قديم في البيت ده، لو اتعرف.. مفيش حاجة هتفضل زي ما هي. لا حبكم، ولا جيرتكم، ولا حتى أصحابك اللي بتتخانقوا عليهم في الشارع."
جميلة شعرت بركبها تهتز: "أنت بتقول إيه؟ سر إيه؟"
يوسف وضع يده في جيبه واستدار ليعود إلى السور: "مش وقته يا جميلة. روحي نامي دلوقتي عشان عندك مذاكرة بكرة. بس خليكي فاكرة.. الحبل لما بيتشد زيادة عن اللزوم.. بيقطع. وأنا هنا عشان أشوف مين اللي هيتوجع أكتر لما يقطع."
لم تنتظر جميلة ثانية أخرى؛ التفتت وركضت نحو الباب، ونزلت السلالم وقلبها يكاد يتوقف من الرعب والتوتر. دخلت شقتها وأغلقت الباب خلفها وهي تلهث، وظلت واقفة خلف الباب تستمع لعلها تسمع خطواته.
في تلك اللحظة، من عين سحرية لشقة الدور الرابع، كان كريم واقفًا يراقب السلم. رأى جميلة وهي تنزل راكضة وعلامات الرعب على وجهها. ورأى بعدها ببضع دقائق يوسف وهو ينزل السلالم بهدوء تام، وهو يبتسم ويدندن بنغمة غامضة.
انقبض قلب كريم. تلاقت خيوط التوتر العاطفي، والرفض الأسري، والغموض المخيف في عقدة واحدة بدأت تلتف حول رقابهم جميعًا، معلنة أن أيام الهدوء قد انتهت بلا عودة.