عز وغزل - الفصل الثاني
المسافة التي تركها بيننا
أما الآن، فكنت أتبع شابًا في العشرين كأنني سأعثر في شقته على تفسير لاثني عشر عامًا لا أتذكر منها ساعتين. بلغ عز الطابق الثالث. توقف أمام باب شقته، ثم أخرج المفتاح. لم يلتفت نحوي، مع أن صوت خطواتي كان واضحًا في السلم الضيق
الفصل الثاني: المسافة التي تركها بيننا
لم أكن ذاهبة خلفه.
أقسم أنني رددت هذه الجملة في رأسي منذ اللحظة التي توقفت فيها السيارة أمام بيت خالتي اعتماد، وحتى رأيته يعبر الشارع متجهًا إلى العمارة المقابلة.
لم أكن ذاهبة خلف عز.
كنت فقط أريد أن أعرف أين ستكون أمي، ولماذا أرسلها إلى بيت خالتي من دون أن يستأذنني، وماذا يخفي في جيبه، ولماذا ترك الورقة التي وجدناها خلف الصورة معه.
أسباب كثيرة ومحترمة ومنطقية.
كلها سقطت عندما رفعت عيني نحوه وهو يصعد درجات العمارة.
مشيت خلفه.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وشارعنا في روض الفرج لم يكن ينام تمامًا. بائع الفول يغسل عربته عند الناصية، صوت تلفاز مرتفع يخرج من نافذة مفتوحة، ورجلان يجلسان أمام المقهى يتجادلان في نتيجة مباراة انتهت قبل ساعات.
أمي كانت في بيت خالتي، ومعها امرأة من طرف شريف كما قال عز. رأيتها بعيني، اطمأننت عليها، واخترعت عذرًا سخيفًا كي أنزل مرة أخرى.
قلت إنني نسيت هاتفي في السيارة.
والهاتف كان في يدي.
لم أكن أعرف ماذا أفعل بنفسي.
قبل ساعات، كنت امرأة تعرف طريقها، وموعد عملها، ومصروف بيتها، والأدوية التي تحتاج إليها أمها في أول كل شهر. امرأة في السادسة والثلاثين، لا يحق لأحد أن يربكها بنظرة، ولا أن يجرها خلفه إلى عمارة قديمة في منتصف الليل.
أما الآن، فكنت أتبع شابًا في العشرين كأنني سأعثر في شقته على تفسير لاثني عشر عامًا لا أتذكر منها ساعتين.
بلغ عز الطابق الثالث.
توقف أمام باب شقته، ثم أخرج المفتاح. لم يلتفت نحوي، مع أن صوت خطواتي كان واضحًا في السلم الضيق.
قلت وأنا أقف على بعد درجتين منه:
— عز.
وضع المفتاح في القفل.
— اطلعي لخالتك يا غزل.
— إنت عرفت إني وراك إزاي؟
فتح الباب، ثم التفت إليّ.
— مشيتك وإنتِ متعصبة مسموعة من أول الشارع.
كان الوقوف أمامه في السلم مختلفًا عن الجلوس إلى جواره في السيارة. الضوء الأصفر الضعيف المتدلي من السقف جعل ظله يمتد خلفه، ومعطفه الأسود زاد كتفيه اتساعًا، أو ربما كنت أراه للمرة الأولى بعيدًا عن صورة الطفل التي أصررت على حبسه داخلها.
بدا متعبًا.
خصلة من شعره سقطت فوق جبهته، وأكمام قميصه كانت مطوية إلى منتصف ساعديه. لم يكن ضخمًا كما حاولت مخيلتي أن تجعله، لكنه كان طويلًا، متماسك الوقفة، يتحرك بثقة شخص تعلم مبكرًا ألّا يظهر تردده.
أما عيناه فكانتا الشيء الوحيد الذي أزعجني حقًا.
عينان لا تمنحانك إجابة، لكنهما تجعلانك تشك في كل إجاباتك.
مددت يدي.
— هات الورقة.
نظر إلى كفي المفتوحة.
— تطلعي ورايا في نص الليل عشان ورقة؟
— تخصني.
— مكتوب عليها اسم شارع وتاريخ. اسمك مش موجود.
— كانت ورا صورتي.
— وصورة أبويا.
— يبقى نروح بيها الشرطة.
فتح الباب أكثر، لكنه لم يدخل.
— الناس اللي خطفوا مديرك عرفوا يوصلوا لمكتبه ويطلعوه من غير ما حد يشوفهم. تفتكري معندهمش حد يعرف اللي بيحصل في القسم؟
— أنت شاكك في الشرطة؟
— أنا بشك في كل الناس.
— حتى شريف؟
صمت.
كان ذلك صمته السيئ؛ الصمت الذي يحمل جوابًا لا يريد قوله.
اقتربت درجة.
— حتى شريف يا عز؟
— خصوصًا شريف.
شعرت بقبضة باردة تعتصر صدري.
— وأنت باعت أمي مع ناس من طرفه؟
— اللي مع أمك مش من طرفه.
— أنت قلت لي إنها من طرفه.
— كذبت.
قالها بلا ارتباك، ثم دخل شقته كأنه أخبرني بأن الجو سيتغير غدًا.
دفعت الباب قبل أن يغلقه.
استدار إليّ بسرعة، لكنني كنت قد عبرت العتبة.
— اطلعي بره يا غزل.
— مين الست اللي مع أمي؟
— واحدة أعرفها.
— واحدة من علاقاتك؟
خرج السؤال أسرع مما ينبغي.
حدق في وجهي، ثم أمال رأسه قليلًا. مرّت ابتسامة صغيرة فوق فمه، ولم تعجبني لأنها كانت ابتسامة شخص التقط كلمة لم يكن يتوقع سماعها.
قال:
— ده اللي شاغلك؟
— اللي شاغلني إن أمي مع واحدة معرفهاش.
— اسمها الدكتورة داليا. كانت زميلة أمي، ومحدش يعرف صلتها بيا. بيت خالتك عليه مراقبة، وداليا هناك عشان لو حصل أي شيء تخرج أمك من الباب الخلفي.
— ومين بيراقب البيت؟
— أنا.
— إنت كنت في العربية معايا.
— عندي كاميرات.
نظرت حولي.
كانت شقته أهدأ مما توقعت. لا فوضى شاب يعيش وحده، ولا صور نساء، ولا زجاجات ملقاة كما رسمتها شائعات الجارات في رأسي. صالة واسعة بأثاث بسيط، طاولة فوقها حاسوبان وعدة ملفات، وخريطة كبيرة للقاهرة معلقة على الحائط.
انتشرت فوق الخريطة علامات حمراء.
روض الفرج. شبرا. العباسية. الساحل.
ومكان عمل أبي القديم.
تقدمت نحوها.
— إيه ده؟
أغلق عز الباب، لكنه ظل واقفًا أمامه.
— شغل.
— شغل إيه؟
— غزل، الوقت متأخر.
— مش همشي قبل ما أفهم.
— وإنتِ فاكرة إنك لو فضلتي هنا عشر دقايق هتفهمي حاجة بدأت قبل اتناشر سنة؟
التفت إليه.
— على الأقل هفهم أنت مين.
ضحك بهدوء.
— اختاري سؤال أسهل.
أخرج الورقة من جيبه ووضعها فوق الطاولة، ثم خلع معطفه وألقاه على ظهر الكرسي. تحرك نحو النافذة ليتحقق من الشارع، ولاحظت أن التعب لم يغيّر دقة حركاته. كل شيء يفعله محسوب: ميل رأسه، وقفته، حتى اللحظة التي يقرر فيها النظر إليك.
كنت أكره الرجال الذين يتعمدون إظهار قوتهم.
وعز لم يكن يحتاج إلى التعمد.
كان حضوره ممتلئًا بذلك النوع من الثقة الذي لا أعرف إن كان حقيقيًا أم ستارًا سميكًا يخفي به خوفه. بدا أصغر من الأسرار التي يحملها، وأكبر من عمره حين يصمت.
وهذا التناقض كان يربكني.
أشرت إلى الورقة.
— هاتها.
— شوفيها هنا.
اقتربت من الطاولة. فرد الورقة أمامي وثبت طرفيها بيده. انحنيت لقراءة الأرقام. كانت أرقامًا متفرقة، بعضها داخل دوائر، وتحتها عنوان في شارع قديم بشبرا.
وقف عز إلى جواري، قريبًا بما يكفي لأشعر بوجوده، لكنه ترك بيننا مسافة صغيرة متعمدة.
قلت:
— الأرقام دي ممكن تكون حسابات.
— أو تواريخ.
— أو أرقام خزائن.
— أو أرقام ملفات.
نظرت إليه.
— الملفات الموجودة فين؟
أشار إلى العنوان المكتوب أسفل الورقة.
— كان فيه مكتب محاسبة في المكان ده. اتقفل من حداشر سنة.
— وصاحبه؟
— فؤاد السيوفي.
عدت إلى الورقة.
— يعني وصلنا لفين؟
— وصلنا لأن الصورة اتصورت في فرح أختي، وفؤاد كان ظاهرًا فيها، والورقة اتخبّت وراها. بعدها بأيام فؤاد اختفى، وبعدها أبويا مات.
ترددت قبل أن أسأل:
— والدم اللي قلت إنه كان على فستاني؟
أخفض عينيه إلى الورقة.
— شوفته.
— أنا مش فاكراه.
— كنتِ مرعوبة.
— حكيت لك حاجة؟
— لأ. لقيتك في المخزن اللي ورا القاعة. هدومك عليها تراب، وفي دم عند كتفك. سألتك، قلتي لي أجيب لك مية.
— وبعدين؟
— رجعت بالمية، مكنتيش موجودة.
اقتربت منه دون أن أنتبه.
— ليه ما قلتش لحد؟
— كان عندي تمان سنين.
— كنت بتفهم.
— كنت فاهم إنك خايفة، وإنك طلبتي مني مساعدة. بس.
رفعت رأسي إليه. أصبحت المسافة بيننا أقصر من قبل. لم يتحرك، لكن عينيه نزلتا إلى وجهي، وتغيرت طريقته في التنفس.
كان ينبغي أن أتراجع.
لم أفعل.
لا أعرف هل كان خوفي من الماضي هو ما دفعني، أم الراحة الغريبة التي شعرت بها حين اعترف أنه حماني بطريقته وهو طفل. ربما كان التعب، وربما كانت الصدمات الكثيرة في ليلة واحدة، وربما كانت سنواتي الهادئة تنتقم مني دفعة واحدة.
مددت يدي نحو ياقة قميصه.
لم ألمسه في البداية. توقفت أصابعي على بعد مسافة صغيرة، وكأنني أستأذنه وأختبر نفسي في الوقت ذاته.
قال عز بصوت خافت:
— غزل.
لم تكن نبرته تحذيرًا كاملًا، ولا سؤالًا كاملًا.
رفعت عيني إليه.
نسيت الورقة والخريطة ومديري المقيد والرسالة المجهولة. لم يبقَ أمامي سوى وجه أعرفه ولا أعرفه، وصبي كنت أظن أنني تركته خلفي، ورجل عاد يطالبني بالنظر إليه كما أصبح.
اقتربت خطوة أخرى.
لامست أصابعي طرف ياقة قميصه للحظة قصيرة. لم تكن حركة محسوبة، ولم تشبهني. وما إن فعلت حتى شعرت أنني استيقظت داخل جسد امرأة أخرى لا أعرفها.
تحرك عز نحوي نصف خطوة.
ارتفعت يده، وتوقفت قرب وجهي من دون أن تتجاوزه. نظرت عيناه إلى عيني مباشرة، ثم انخفض صوته:
— إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه؟
لم أملك الشجاعة لأقول نعم، ولم أملك الصدق لأقول لا.
قلت:
— كنت فاكرة إني أعرفك.
— ودي مش إجابة.
— ومن إمتى بتطلب إجابات واضحة؟
بقي قريبًا. قريبًا إلى درجة جعلت ضجيج السيارات تحت النافذة يبدو بعيدًا. شعرت للحظة أنه سيسمح للمسافة بأن تختفي، وأنه فهم ما لم أستطع الاعتراف به حتى لنفسي.
لكنه تراجع.
خطوة واحدة فقط أعادت الهواء إلى المكان، وأعادتني إلى عمري ووعيي وكل القواعد التي نسيتها.
أنزل يده، ثم ابتسم.
كانت ابتسامته جميلة على نحو غير عادل؛ هادئة، متعبة، وفيها شيء من الحنان لم أره فيه منذ عاد.
قال:
— ارجعي لأمك.
سحبت يدي كأنني اكتشفت متأخرة أنها كانت ممدودة نحوه.
— بتطردني؟
— بحميكي من ليلة ملخبطة.
— أنا مش محتاجة حمايتك.
— عارف.
— لأ، مش عارف. إنت متخيل إنك الوحيد اللي بيفكر.
— وإنتِ متخيلة إن اللي حاسة بيه دلوقتي حقيقة كاملة.
أحرجتني كلماته، فتحول الإحراج إلى غضب.
— متقلقش. أنا مش واقعة في حبك.
اتسعت ابتسامته قليلًا.
— الحمد لله.
قلت بحدة:
— ابتسامتك مستفزة.
— وإنتِ لما بتكدبي صوتك بيعلى.
أمسكت حقيبتي من فوق الكرسي.
— مغرور.
فتح لي الباب.
— غالبًا.
مررت من أمامه، ثم توقفت عند العتبة.
كنت أريد أن أقول شيئًا يعيد لي كرامتي، أي شيء يثبت أن ما حدث لم يكن أكثر من لحظة ضعف. لكن الكلمات رفضت خدمتي.
قلت أخيرًا:
— الورقة.
أمسكها وقدمها لي داخل غلاف شفاف.
نظرت إليه بدهشة.
— هتديهالي؟
— إنتِ مش هتنامي لو فضلت معايا.
— وأنا ممكن أهرب بيها.
— مش هتهربي.
— واثق أوي؟
— إنتِ ما بتهربيش. إنتِ بتقربي من الخطر عشان تثبتي له إنك مش خايفة.
كانت جملته قاسية لأنها صحيحة.
أخذت الورقة.
وقبل أن أبتعد قال:
— اقفلي باب خالتك كويس، ومتفتحيش لأي حد.
— دي أوامر؟
— نصيحة.
— والفرق؟
— النصيحة تقدري ترفضيها.
— ولو رفضت؟
نظر إليّ بصمت، ثم قال:
— هافضل صاحي لحد الصبح.
لم أعرف هل قصد أنه سيراقب البيت، أم سيقلق عليّ، أم أراد فقط أن يضيف سؤالًا جديدًا إلى رأسي.
ابتعدت عنه، وبدأت أنزل الدرج. بعد خطوات، التفتُّ.
كان لا يزال واقفًا أمام بابه.
عيناه تتبعانني، لكن ملامحه لم تعد تحمل تلك السخرية المعتادة. بدا كأنه يريد قول شيء، ثم قرر الاحتفاظ به.
قلت:
— تصبح على خير.
— وإنتِ من أهله يا غزل.
أغلق الباب.
وقفت في منتصف السلم أحدق في الخشب المغلق، وأنا غاضبة منه لأنه ابتعد، وغاضبة من نفسي لأن ابتعاده آذاني.
لم أنم في تلك الليلة.
جلست على طرف الفراش في غرفة خالتي، بينما كانت أمي نائمة إلى جواري. وضعت الورقة فوق ركبتي، لكنني لم أرَ الأرقام.
كنت أرى ابتسامته.
كنت أتذكر كيف وقف قريبًا ثم تراجع، وكيف فهم ارتباكي ولم يحاول أن يستغله. كان في استطاعته أن يسخر مني، أن يجعلني أندم، أو أن يتعامل مع اللحظة بوصفها انتصارًا جديدًا يضيفه إلى علاقاته الكثيرة.
لكنه ابتعد.
وهنا بدأت مشكلتي.
لو كان سيئًا تمامًا، لكرهته واستراحت نفسي. لو كان قاسيًا بلا سبب، أو كاذبًا بلا خوف، أو مغرورًا بلا وجع، لاستطعت وضعه في خانة واضحة.
لكن عز كان يفسد كل حكم أصدره عليه.
يكذب ليحمينا، ثم يطلب مني الثقة.
يأمرني بالابتعاد، ثم يسهر لمراقبة البيت.
يتصرف كرجل لا يهتم بأحد، ثم يتذكر بعد اثني عشر عامًا أنني طلبت منه كوب ماء.
وضعت يدي فوق وجهي.
ماذا فعلت أمام بابه؟
كيف صعدت خلفه؟ وكيف اقتربت منه؟ وكيف تركت مشاعري تسبق عقلي بهذه السهولة؟
طوال حياتي كنت أظن أن الاحترام يعني أن تمنع المرأة قلبها من ارتكاب الحماقات. اكتشفت ليلتها أن القلب لا يهتم بالصورة التي رسمناها لأنفسنا، ولا بعدد السنوات التي قضيناها نتعلم الحكمة.
العاطفة لا تطرق الباب.
تدخل من تأخر نظرة، ومن ابتسامة كان يجب ألّا تؤثر، ومن خطوة تراجعها رجل في اللحظة التي كان يستطيع فيها استغلال ارتباكك.
لم أقل إنني عشقته.
كانت الكلمة أكبر من ليلة، وأخطر من أن أمنحها لشاب لا أعرف إن كان ضحية أم كاذبًا بارعًا.
لكنني منذ تلك الليلة بدأت أخاف من اسمه.
لأنني كلما رددته في رأسي، لم أعد أرى الطفل الذي كان يركض في الشارع.
كنت أرى عز كما وقف أمامي: طويلًا، متعبًا، يختبئ خلف صلابته، ويترك بيننا مسافة صغيرة احترمتها قدماي ولم يحترمها قلبي.
عند السادسة صباحًا، غلبني النعاس لدقائق.
استيقظت على صوت باب الشقة يُفتح.
نهضت بسرعة، وأخفيت الورقة داخل الحقيبة. خرجت إلى الصالة، فوجدت الدكتورة داليا تدخل ومعها أكياس إفطار.
كانت في أواخر الثلاثينيات، أنيقة، هادئة، وتنظر إلى المكان بعينين لا تفوتهما التفاصيل.
قالت:
— صباح الخير. عز قال إنك بتحبي الجبنة القديمة.
توقفت أمامها.
— عز قال لك؟
— آه.
— عرف منين؟
ابتسمت.
— هو يعرف عنك حاجات كتير.
لم تعجبني الجملة.
قبل أن أسألها، سمعت صوت خطوات في السلم. فتح الباب، ودخل عز من دون أن يطرقه كأنه صاحب البيت.
كان قد غيّر ملابسه. ارتدى قميصًا رماديًا داكنًا، وشعره لا يزال رطبًا قليلًا، لكنه بدا كأنه لم ينم.
توقف عندما رآني.
تذكرت وقوفي أمام شقته.
نظرت بعيدًا.
قالت داليا وهي ترفع الأكياس:
— جبت الفطار، زي ما طلبت.
شكرها عز، ثم أخذ منها هاتفًا صغيرًا لم أره من قبل.
لم تفُتني الألفة بينهما.
قال لها:
— العربية تحت؟
— آه. وشريف اتصل تلات مرات.
— مترديش عليه.
— هيفهم إن في حاجة.
— هو فاهم من بدري.
وقفت داليا أمامه، وعدلت طرف ياقة قميصه بحركة سريعة وعفوية.
لم يعترض.
شيء ساخن ومزعج تحرك داخلي.
كرهت نفسي فورًا.
لم يكن لي حق في ذلك الشعور، ولم يمنحني عز وعدًا، ولم يحدث بيننا شيء. بل إنه تراجع عني بوضوح. ومع ذلك، وجدتني أراقب يد داليا، ثم أراقب وجهه، وأتساءل عن طبيعة علاقتهما.
التفت عز إليّ.
رآني أنظر.
ظهرت ابتسامته المستفزة من جديد.
قلت:
— في إيه؟
— مفيش.
— بتبتسم ليه؟
— افتكرت حاجة.
— حاجة إيه؟
— إنك مش واقعة في حبي.
شعرت بأن وجهي يشتعل.
نظرت داليا بيننا، ثم ضحكت بهدوء.
قلت لعز:
— اطلع بره.
— ده بيت خالتك.
— وأنا بقول لك اطلع بره منه.
أخرج هاتفه ووضعه أمامي.
— قبل ما أطرد، شوفي دي.
كانت صورة ملتقطة منذ نصف ساعة أمام مبنى قديم. ظهر فيها رجل يقف بجوار سيارة رمادية، نفس السيارة التي ركبتها نادين أمام الشركة.
كبر عز الصورة.
كان الرجل نفسه الذي ظهر نصف وجهه خلفنا في صورة الفرح.
فؤاد السيوفي.
حيًا.
قال عز:
— اتصور النهارده الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة.
نظرت إلى الصورة، ثم إليه.
اختفى ارتباكي للحظة، وحل مكانه الخوف.
— فين المكان ده؟
أشار إلى الورقة داخل حقيبتي.
— نفس العنوان المكتوب عليها.
— هنروح الشرطة؟
— لأ.
— هتعمل إيه؟
أخذ مفاتيح السيارة من داليا.
— هروح أقابله.
قلت فورًا:
— وأنا جاية معاك.
— مستحيل.
— الصورة صورتي، والورقة كانت معايا، وهو يعرف اسمي.
— عشان كده مش جاية.
التقط معطفه واتجه إلى الباب.
تبعته.
— عز، أنا مش هفضل هنا مستنية.
استدار إليّ، وعلى وجهه ذلك الجمود الذي يستخدمه حين يريد إنهاء النقاش.
— المرة دي اسمعي كلامي.
— قلت لك مفيش أوامر.
— وقلت لك إن النصيحة تقدري ترفضيها.
— وأنا برفضها.
نظر إليّ طويلًا.
تقدمت نحوه، متعمدة هذه المرة ألّا أشيح بعيني. في الليلة السابقة اقتربت لأنني كنت مرتبكة. أما الآن فاقتربت لأنني أردت أن أثبت له أن تراجعه لم يمنحه سلطة فوقي.
قلت:
— لو رحت لوحدك، هاروح وراك. ولو حبستني هنا، هكلم الشرطة وأقول لهم كل حاجة. اختار الحل اللي يريحك.
ظل ساكنًا لثوانٍ، ثم مرر يده فوق شعره بعصبية.
— إنتِ كابوس.
— وأنت كذاب.
— عندك خمس دقايق.
— دقيقتين كفاية.
اتجهت إلى الغرفة لأحضر معطفي. وقبل أن أغلق الباب، سمعت داليا تقول له بصوت خافت:
— خليك حذر معاها.
رد عز:
— أنا حذر.
قالت:
— مش من فؤاد. منها.
لم أسمع إجابته.
وقفت خلف الباب، وقلبي يخفق بطريقة أزعجتني.
ربما بدأت أعشقه في اللحظة التي ابتعد فيها عني.
وربما كنت فقط أنجذب إلى الخطر لأنه أعادني إلى جزء من حياتي نسيته.
لكنني حين خرجت ووجدته ينتظرني، أدركت حقيقة واحدة:
لم يعد خوفي أن يؤذيني عز.
صار خوفي أن أعرفه جيدًا، ثم أعجز عن الابتعاد عنه.