اللغة: العربية
متصدر نوفلاي #1 تحديث اسبوعى جودة عالية

حكايات الزيزفون

على متن سفينة سياحية تنطلق من البحر المتوسط متجهة لانطاليا تلتقي دولت بشهاب هي تحمل ماض يجيد التخفي داخل حقيبة سوداء هو يصعد من اجل مهمة لكنه ينسى المهمة ويعمل على حمايتها من نفسها لكن فى البحر لا تنتهي القصة وعندما ترسو السفينة على مرفأ انطاليا تبدأ الحكايات

موصى به

روايات مكتملة

اقرأ عن الحب

أفضل الروايات

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية اكتب

عز وغزل - الفصل الثاني

جاري التحميل...

المسافة التي تركها بيننا

أما الآن، فكنت أتبع شابًا في العشرين كأنني سأعثر في شقته على تفسير لاثني عشر عامًا لا أتذكر منها ساعتين. بلغ عز الطابق الثالث. توقف أمام باب شقته، ثم أخرج المفتاح. لم يلتفت نحوي، مع أن صوت خطواتي كان واضحًا في السلم الضيق

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الثاني: المسافة التي تركها بيننا

لم أكن ذاهبة خلفه.

أقسم أنني رددت هذه الجملة في رأسي منذ اللحظة التي توقفت فيها السيارة أمام بيت خالتي اعتماد، وحتى رأيته يعبر الشارع متجهًا إلى العمارة المقابلة.

لم أكن ذاهبة خلف عز.

كنت فقط أريد أن أعرف أين ستكون أمي، ولماذا أرسلها إلى بيت خالتي من دون أن يستأذنني، وماذا يخفي في جيبه، ولماذا ترك الورقة التي وجدناها خلف الصورة معه.

أسباب كثيرة ومحترمة ومنطقية.

كلها سقطت عندما رفعت عيني نحوه وهو يصعد درجات العمارة.

مشيت خلفه.

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وشارعنا في روض الفرج لم يكن ينام تمامًا. بائع الفول يغسل عربته عند الناصية، صوت تلفاز مرتفع يخرج من نافذة مفتوحة، ورجلان يجلسان أمام المقهى يتجادلان في نتيجة مباراة انتهت قبل ساعات.

أمي كانت في بيت خالتي، ومعها امرأة من طرف شريف كما قال عز. رأيتها بعيني، اطمأننت عليها، واخترعت عذرًا سخيفًا كي أنزل مرة أخرى.

قلت إنني نسيت هاتفي في السيارة.

والهاتف كان في يدي.

لم أكن أعرف ماذا أفعل بنفسي.

قبل ساعات، كنت امرأة تعرف طريقها، وموعد عملها، ومصروف بيتها، والأدوية التي تحتاج إليها أمها في أول كل شهر. امرأة في السادسة والثلاثين، لا يحق لأحد أن يربكها بنظرة، ولا أن يجرها خلفه إلى عمارة قديمة في منتصف الليل.

أما الآن، فكنت أتبع شابًا في العشرين كأنني سأعثر في شقته على تفسير لاثني عشر عامًا لا أتذكر منها ساعتين.

بلغ عز الطابق الثالث.

توقف أمام باب شقته، ثم أخرج المفتاح. لم يلتفت نحوي، مع أن صوت خطواتي كان واضحًا في السلم الضيق.

قلت وأنا أقف على بعد درجتين منه:

— عز.

وضع المفتاح في القفل.

— اطلعي لخالتك يا غزل.

— إنت عرفت إني وراك إزاي؟

فتح الباب، ثم التفت إليّ.

— مشيتك وإنتِ متعصبة مسموعة من أول الشارع.

كان الوقوف أمامه في السلم مختلفًا عن الجلوس إلى جواره في السيارة. الضوء الأصفر الضعيف المتدلي من السقف جعل ظله يمتد خلفه، ومعطفه الأسود زاد كتفيه اتساعًا، أو ربما كنت أراه للمرة الأولى بعيدًا عن صورة الطفل التي أصررت على حبسه داخلها.

بدا متعبًا.

خصلة من شعره سقطت فوق جبهته، وأكمام قميصه كانت مطوية إلى منتصف ساعديه. لم يكن ضخمًا كما حاولت مخيلتي أن تجعله، لكنه كان طويلًا، متماسك الوقفة، يتحرك بثقة شخص تعلم مبكرًا ألّا يظهر تردده.

أما عيناه فكانتا الشيء الوحيد الذي أزعجني حقًا.

عينان لا تمنحانك إجابة، لكنهما تجعلانك تشك في كل إجاباتك.

مددت يدي.

— هات الورقة.

نظر إلى كفي المفتوحة.

— تطلعي ورايا في نص الليل عشان ورقة؟

— تخصني.

— مكتوب عليها اسم شارع وتاريخ. اسمك مش موجود.

— كانت ورا صورتي.

— وصورة أبويا.

— يبقى نروح بيها الشرطة.

فتح الباب أكثر، لكنه لم يدخل.

— الناس اللي خطفوا مديرك عرفوا يوصلوا لمكتبه ويطلعوه من غير ما حد يشوفهم. تفتكري معندهمش حد يعرف اللي بيحصل في القسم؟

— أنت شاكك في الشرطة؟

— أنا بشك في كل الناس.

— حتى شريف؟

صمت.

كان ذلك صمته السيئ؛ الصمت الذي يحمل جوابًا لا يريد قوله.

اقتربت درجة.

— حتى شريف يا عز؟

— خصوصًا شريف.

شعرت بقبضة باردة تعتصر صدري.

— وأنت باعت أمي مع ناس من طرفه؟

— اللي مع أمك مش من طرفه.

— أنت قلت لي إنها من طرفه.

— كذبت.

قالها بلا ارتباك، ثم دخل شقته كأنه أخبرني بأن الجو سيتغير غدًا.

دفعت الباب قبل أن يغلقه.

استدار إليّ بسرعة، لكنني كنت قد عبرت العتبة.

— اطلعي بره يا غزل.

— مين الست اللي مع أمي؟

— واحدة أعرفها.

— واحدة من علاقاتك؟

خرج السؤال أسرع مما ينبغي.

حدق في وجهي، ثم أمال رأسه قليلًا. مرّت ابتسامة صغيرة فوق فمه، ولم تعجبني لأنها كانت ابتسامة شخص التقط كلمة لم يكن يتوقع سماعها.

قال:

— ده اللي شاغلك؟

— اللي شاغلني إن أمي مع واحدة معرفهاش.

— اسمها الدكتورة داليا. كانت زميلة أمي، ومحدش يعرف صلتها بيا. بيت خالتك عليه مراقبة، وداليا هناك عشان لو حصل أي شيء تخرج أمك من الباب الخلفي.

— ومين بيراقب البيت؟

— أنا.

— إنت كنت في العربية معايا.

— عندي كاميرات.

نظرت حولي.

كانت شقته أهدأ مما توقعت. لا فوضى شاب يعيش وحده، ولا صور نساء، ولا زجاجات ملقاة كما رسمتها شائعات الجارات في رأسي. صالة واسعة بأثاث بسيط، طاولة فوقها حاسوبان وعدة ملفات، وخريطة كبيرة للقاهرة معلقة على الحائط.

انتشرت فوق الخريطة علامات حمراء.

روض الفرج. شبرا. العباسية. الساحل.

ومكان عمل أبي القديم.

تقدمت نحوها.

— إيه ده؟

أغلق عز الباب، لكنه ظل واقفًا أمامه.

— شغل.

— شغل إيه؟

— غزل، الوقت متأخر.

— مش همشي قبل ما أفهم.

— وإنتِ فاكرة إنك لو فضلتي هنا عشر دقايق هتفهمي حاجة بدأت قبل اتناشر سنة؟

التفت إليه.

— على الأقل هفهم أنت مين.

ضحك بهدوء.

— اختاري سؤال أسهل.

أخرج الورقة من جيبه ووضعها فوق الطاولة، ثم خلع معطفه وألقاه على ظهر الكرسي. تحرك نحو النافذة ليتحقق من الشارع، ولاحظت أن التعب لم يغيّر دقة حركاته. كل شيء يفعله محسوب: ميل رأسه، وقفته، حتى اللحظة التي يقرر فيها النظر إليك.

كنت أكره الرجال الذين يتعمدون إظهار قوتهم.

وعز لم يكن يحتاج إلى التعمد.

كان حضوره ممتلئًا بذلك النوع من الثقة الذي لا أعرف إن كان حقيقيًا أم ستارًا سميكًا يخفي به خوفه. بدا أصغر من الأسرار التي يحملها، وأكبر من عمره حين يصمت.

وهذا التناقض كان يربكني.

أشرت إلى الورقة.

— هاتها.

— شوفيها هنا.

اقتربت من الطاولة. فرد الورقة أمامي وثبت طرفيها بيده. انحنيت لقراءة الأرقام. كانت أرقامًا متفرقة، بعضها داخل دوائر، وتحتها عنوان في شارع قديم بشبرا.

وقف عز إلى جواري، قريبًا بما يكفي لأشعر بوجوده، لكنه ترك بيننا مسافة صغيرة متعمدة.

قلت:

— الأرقام دي ممكن تكون حسابات.

— أو تواريخ.

— أو أرقام خزائن.

— أو أرقام ملفات.

نظرت إليه.

— الملفات الموجودة فين؟

أشار إلى العنوان المكتوب أسفل الورقة.

— كان فيه مكتب محاسبة في المكان ده. اتقفل من حداشر سنة.

— وصاحبه؟

— فؤاد السيوفي.

عدت إلى الورقة.

— يعني وصلنا لفين؟

— وصلنا لأن الصورة اتصورت في فرح أختي، وفؤاد كان ظاهرًا فيها، والورقة اتخبّت وراها. بعدها بأيام فؤاد اختفى، وبعدها أبويا مات.

ترددت قبل أن أسأل:

— والدم اللي قلت إنه كان على فستاني؟

أخفض عينيه إلى الورقة.

— شوفته.

— أنا مش فاكراه.

— كنتِ مرعوبة.

— حكيت لك حاجة؟

— لأ. لقيتك في المخزن اللي ورا القاعة. هدومك عليها تراب، وفي دم عند كتفك. سألتك، قلتي لي أجيب لك مية.

— وبعدين؟

— رجعت بالمية، مكنتيش موجودة.

اقتربت منه دون أن أنتبه.

— ليه ما قلتش لحد؟

— كان عندي تمان سنين.

— كنت بتفهم.

— كنت فاهم إنك خايفة، وإنك طلبتي مني مساعدة. بس.

رفعت رأسي إليه. أصبحت المسافة بيننا أقصر من قبل. لم يتحرك، لكن عينيه نزلتا إلى وجهي، وتغيرت طريقته في التنفس.

كان ينبغي أن أتراجع.

لم أفعل.

لا أعرف هل كان خوفي من الماضي هو ما دفعني، أم الراحة الغريبة التي شعرت بها حين اعترف أنه حماني بطريقته وهو طفل. ربما كان التعب، وربما كانت الصدمات الكثيرة في ليلة واحدة، وربما كانت سنواتي الهادئة تنتقم مني دفعة واحدة.

مددت يدي نحو ياقة قميصه.

لم ألمسه في البداية. توقفت أصابعي على بعد مسافة صغيرة، وكأنني أستأذنه وأختبر نفسي في الوقت ذاته.

قال عز بصوت خافت:

— غزل.

لم تكن نبرته تحذيرًا كاملًا، ولا سؤالًا كاملًا.

رفعت عيني إليه.

نسيت الورقة والخريطة ومديري المقيد والرسالة المجهولة. لم يبقَ أمامي سوى وجه أعرفه ولا أعرفه، وصبي كنت أظن أنني تركته خلفي، ورجل عاد يطالبني بالنظر إليه كما أصبح.

اقتربت خطوة أخرى.

لامست أصابعي طرف ياقة قميصه للحظة قصيرة. لم تكن حركة محسوبة، ولم تشبهني. وما إن فعلت حتى شعرت أنني استيقظت داخل جسد امرأة أخرى لا أعرفها.

تحرك عز نحوي نصف خطوة.

ارتفعت يده، وتوقفت قرب وجهي من دون أن تتجاوزه. نظرت عيناه إلى عيني مباشرة، ثم انخفض صوته:

— إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه؟

لم أملك الشجاعة لأقول نعم، ولم أملك الصدق لأقول لا.

قلت:

— كنت فاكرة إني أعرفك.

— ودي مش إجابة.

— ومن إمتى بتطلب إجابات واضحة؟

بقي قريبًا. قريبًا إلى درجة جعلت ضجيج السيارات تحت النافذة يبدو بعيدًا. شعرت للحظة أنه سيسمح للمسافة بأن تختفي، وأنه فهم ما لم أستطع الاعتراف به حتى لنفسي.

لكنه تراجع.

خطوة واحدة فقط أعادت الهواء إلى المكان، وأعادتني إلى عمري ووعيي وكل القواعد التي نسيتها.

أنزل يده، ثم ابتسم.

كانت ابتسامته جميلة على نحو غير عادل؛ هادئة، متعبة، وفيها شيء من الحنان لم أره فيه منذ عاد.

قال:

— ارجعي لأمك.

سحبت يدي كأنني اكتشفت متأخرة أنها كانت ممدودة نحوه.

— بتطردني؟

— بحميكي من ليلة ملخبطة.

— أنا مش محتاجة حمايتك.

— عارف.

— لأ، مش عارف. إنت متخيل إنك الوحيد اللي بيفكر.

— وإنتِ متخيلة إن اللي حاسة بيه دلوقتي حقيقة كاملة.

أحرجتني كلماته، فتحول الإحراج إلى غضب.

— متقلقش. أنا مش واقعة في حبك.

اتسعت ابتسامته قليلًا.

— الحمد لله.

قلت بحدة:

— ابتسامتك مستفزة.

— وإنتِ لما بتكدبي صوتك بيعلى.

أمسكت حقيبتي من فوق الكرسي.

— مغرور.

فتح لي الباب.

— غالبًا.

مررت من أمامه، ثم توقفت عند العتبة.

كنت أريد أن أقول شيئًا يعيد لي كرامتي، أي شيء يثبت أن ما حدث لم يكن أكثر من لحظة ضعف. لكن الكلمات رفضت خدمتي.

قلت أخيرًا:

— الورقة.

أمسكها وقدمها لي داخل غلاف شفاف.

نظرت إليه بدهشة.

— هتديهالي؟

— إنتِ مش هتنامي لو فضلت معايا.

— وأنا ممكن أهرب بيها.

— مش هتهربي.

— واثق أوي؟

— إنتِ ما بتهربيش. إنتِ بتقربي من الخطر عشان تثبتي له إنك مش خايفة.

كانت جملته قاسية لأنها صحيحة.

أخذت الورقة.

وقبل أن أبتعد قال:

— اقفلي باب خالتك كويس، ومتفتحيش لأي حد.

— دي أوامر؟

— نصيحة.

— والفرق؟

— النصيحة تقدري ترفضيها.

— ولو رفضت؟

نظر إليّ بصمت، ثم قال:

— هافضل صاحي لحد الصبح.

لم أعرف هل قصد أنه سيراقب البيت، أم سيقلق عليّ، أم أراد فقط أن يضيف سؤالًا جديدًا إلى رأسي.

ابتعدت عنه، وبدأت أنزل الدرج. بعد خطوات، التفتُّ.

كان لا يزال واقفًا أمام بابه.

عيناه تتبعانني، لكن ملامحه لم تعد تحمل تلك السخرية المعتادة. بدا كأنه يريد قول شيء، ثم قرر الاحتفاظ به.

قلت:

— تصبح على خير.

— وإنتِ من أهله يا غزل.

أغلق الباب.

وقفت في منتصف السلم أحدق في الخشب المغلق، وأنا غاضبة منه لأنه ابتعد، وغاضبة من نفسي لأن ابتعاده آذاني.

لم أنم في تلك الليلة.

جلست على طرف الفراش في غرفة خالتي، بينما كانت أمي نائمة إلى جواري. وضعت الورقة فوق ركبتي، لكنني لم أرَ الأرقام.

كنت أرى ابتسامته.

كنت أتذكر كيف وقف قريبًا ثم تراجع، وكيف فهم ارتباكي ولم يحاول أن يستغله. كان في استطاعته أن يسخر مني، أن يجعلني أندم، أو أن يتعامل مع اللحظة بوصفها انتصارًا جديدًا يضيفه إلى علاقاته الكثيرة.

لكنه ابتعد.

وهنا بدأت مشكلتي.

لو كان سيئًا تمامًا، لكرهته واستراحت نفسي. لو كان قاسيًا بلا سبب، أو كاذبًا بلا خوف، أو مغرورًا بلا وجع، لاستطعت وضعه في خانة واضحة.

لكن عز كان يفسد كل حكم أصدره عليه.

يكذب ليحمينا، ثم يطلب مني الثقة.

يأمرني بالابتعاد، ثم يسهر لمراقبة البيت.

يتصرف كرجل لا يهتم بأحد، ثم يتذكر بعد اثني عشر عامًا أنني طلبت منه كوب ماء.

وضعت يدي فوق وجهي.

ماذا فعلت أمام بابه؟

كيف صعدت خلفه؟ وكيف اقتربت منه؟ وكيف تركت مشاعري تسبق عقلي بهذه السهولة؟

طوال حياتي كنت أظن أن الاحترام يعني أن تمنع المرأة قلبها من ارتكاب الحماقات. اكتشفت ليلتها أن القلب لا يهتم بالصورة التي رسمناها لأنفسنا، ولا بعدد السنوات التي قضيناها نتعلم الحكمة.

العاطفة لا تطرق الباب.

تدخل من تأخر نظرة، ومن ابتسامة كان يجب ألّا تؤثر، ومن خطوة تراجعها رجل في اللحظة التي كان يستطيع فيها استغلال ارتباكك.

لم أقل إنني عشقته.

كانت الكلمة أكبر من ليلة، وأخطر من أن أمنحها لشاب لا أعرف إن كان ضحية أم كاذبًا بارعًا.

لكنني منذ تلك الليلة بدأت أخاف من اسمه.

لأنني كلما رددته في رأسي، لم أعد أرى الطفل الذي كان يركض في الشارع.

كنت أرى عز كما وقف أمامي: طويلًا، متعبًا، يختبئ خلف صلابته، ويترك بيننا مسافة صغيرة احترمتها قدماي ولم يحترمها قلبي.

عند السادسة صباحًا، غلبني النعاس لدقائق.

استيقظت على صوت باب الشقة يُفتح.

نهضت بسرعة، وأخفيت الورقة داخل الحقيبة. خرجت إلى الصالة، فوجدت الدكتورة داليا تدخل ومعها أكياس إفطار.

كانت في أواخر الثلاثينيات، أنيقة، هادئة، وتنظر إلى المكان بعينين لا تفوتهما التفاصيل.

قالت:

— صباح الخير. عز قال إنك بتحبي الجبنة القديمة.

توقفت أمامها.

— عز قال لك؟

— آه.

— عرف منين؟

ابتسمت.

— هو يعرف عنك حاجات كتير.

لم تعجبني الجملة.

قبل أن أسألها، سمعت صوت خطوات في السلم. فتح الباب، ودخل عز من دون أن يطرقه كأنه صاحب البيت.

كان قد غيّر ملابسه. ارتدى قميصًا رماديًا داكنًا، وشعره لا يزال رطبًا قليلًا، لكنه بدا كأنه لم ينم.

توقف عندما رآني.

تذكرت وقوفي أمام شقته.

نظرت بعيدًا.

قالت داليا وهي ترفع الأكياس:

— جبت الفطار، زي ما طلبت.

شكرها عز، ثم أخذ منها هاتفًا صغيرًا لم أره من قبل.

لم تفُتني الألفة بينهما.

قال لها:

— العربية تحت؟

— آه. وشريف اتصل تلات مرات.

— مترديش عليه.

— هيفهم إن في حاجة.

— هو فاهم من بدري.

وقفت داليا أمامه، وعدلت طرف ياقة قميصه بحركة سريعة وعفوية.

لم يعترض.

شيء ساخن ومزعج تحرك داخلي.

كرهت نفسي فورًا.

لم يكن لي حق في ذلك الشعور، ولم يمنحني عز وعدًا، ولم يحدث بيننا شيء. بل إنه تراجع عني بوضوح. ومع ذلك، وجدتني أراقب يد داليا، ثم أراقب وجهه، وأتساءل عن طبيعة علاقتهما.

التفت عز إليّ.

رآني أنظر.

ظهرت ابتسامته المستفزة من جديد.

قلت:

— في إيه؟

— مفيش.

— بتبتسم ليه؟

— افتكرت حاجة.

— حاجة إيه؟

— إنك مش واقعة في حبي.

شعرت بأن وجهي يشتعل.

نظرت داليا بيننا، ثم ضحكت بهدوء.

قلت لعز:

— اطلع بره.

— ده بيت خالتك.

— وأنا بقول لك اطلع بره منه.

أخرج هاتفه ووضعه أمامي.

— قبل ما أطرد، شوفي دي.

كانت صورة ملتقطة منذ نصف ساعة أمام مبنى قديم. ظهر فيها رجل يقف بجوار سيارة رمادية، نفس السيارة التي ركبتها نادين أمام الشركة.

كبر عز الصورة.

كان الرجل نفسه الذي ظهر نصف وجهه خلفنا في صورة الفرح.

فؤاد السيوفي.

حيًا.

قال عز:

— اتصور النهارده الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة.

نظرت إلى الصورة، ثم إليه.

اختفى ارتباكي للحظة، وحل مكانه الخوف.

— فين المكان ده؟

أشار إلى الورقة داخل حقيبتي.

— نفس العنوان المكتوب عليها.

— هنروح الشرطة؟

— لأ.

— هتعمل إيه؟

أخذ مفاتيح السيارة من داليا.

— هروح أقابله.

قلت فورًا:

— وأنا جاية معاك.

— مستحيل.

— الصورة صورتي، والورقة كانت معايا، وهو يعرف اسمي.

— عشان كده مش جاية.

التقط معطفه واتجه إلى الباب.

تبعته.

— عز، أنا مش هفضل هنا مستنية.

استدار إليّ، وعلى وجهه ذلك الجمود الذي يستخدمه حين يريد إنهاء النقاش.

— المرة دي اسمعي كلامي.

— قلت لك مفيش أوامر.

— وقلت لك إن النصيحة تقدري ترفضيها.

— وأنا برفضها.

نظر إليّ طويلًا.

تقدمت نحوه، متعمدة هذه المرة ألّا أشيح بعيني. في الليلة السابقة اقتربت لأنني كنت مرتبكة. أما الآن فاقتربت لأنني أردت أن أثبت له أن تراجعه لم يمنحه سلطة فوقي.

قلت:

— لو رحت لوحدك، هاروح وراك. ولو حبستني هنا، هكلم الشرطة وأقول لهم كل حاجة. اختار الحل اللي يريحك.

ظل ساكنًا لثوانٍ، ثم مرر يده فوق شعره بعصبية.

— إنتِ كابوس.

— وأنت كذاب.

— عندك خمس دقايق.

— دقيقتين كفاية.

اتجهت إلى الغرفة لأحضر معطفي. وقبل أن أغلق الباب، سمعت داليا تقول له بصوت خافت:

— خليك حذر معاها.

رد عز:

— أنا حذر.

قالت:

— مش من فؤاد. منها.

لم أسمع إجابته.

وقفت خلف الباب، وقلبي يخفق بطريقة أزعجتني.

ربما بدأت أعشقه في اللحظة التي ابتعد فيها عني.

وربما كنت فقط أنجذب إلى الخطر لأنه أعادني إلى جزء من حياتي نسيته.

لكنني حين خرجت ووجدته ينتظرني، أدركت حقيقة واحدة:

لم يعد خوفي أن يؤذيني عز.

صار خوفي أن أعرفه جيدًا، ثم أعجز عن الابتعاد عنه.
                       

روايه غز وغزل - الفصل الأول (أحببته مع فارق السن)

جاري التحميل...

أحببته مع فارق السن

لم أكن أملك نحوه شيئًا واضحًا منذ رأيته واقفًا أمام بيتنا في روض الفرج، يدير مفتاح سيارته حول إصبعه وينظر إليّ كأنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي. ظللت واقفة على الرصيف، أحمل حقيبتي وملف الأوراق الذي كاد يسقط من يدي. كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا، والشارع مزدحمًا كعادته؛ صوت الباعة، أبواق السيارات، ورجل المخبز ينادي على عامل اختفى في وقت الذروة.

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الأول: أحببته مع فارق السن

لم أكرهه عندما أغلق باب السيارة في وجهي.

الكراهية شعور واضح، وأنا لم أكن أملك نحوه شيئًا واضحًا منذ رأيته واقفًا أمام بيتنا في روض الفرج، يدير مفتاح سيارته حول إصبعه وينظر إليّ كأنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

ظللت واقفة على الرصيف، أحمل حقيبتي وملف الأوراق الذي كاد يسقط من يدي. كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا، والشارع مزدحمًا كعادته؛ صوت الباعة، أبواق السيارات، ورجل المخبز ينادي على عامل اختفى في وقت الذروة.

أما هو فكان هادئًا بصورة مستفزة.

عز.

الولد الذي كان يركض خلف الكرة أسفل شرفتنا، ثم يصعد إليّ باكيًا كلما جُرحت ركبته.

لكنه لم يعد ولدًا.

كان في العشرين الآن، أطول مما تسمح به ذاكرتي، يرتدي قميصًا أسود وساعة لامعة، وقد اختفت من وجهه تلك البراءة التي كنت أعرفها. بقيت عيناه فقط؛ حادتين، سوداوتين، تنظران إلى الناس كأنهما تبحثان عن نقطة ضعف في كل شخص.

فتح زجاج السيارة وقال:

— اركبي يا غزل.

نظرت خلفي، ثم عدت إليه.

— بتكلم مين؟

— مفيش غيرك واقفة قدامي.

— وأنا مش فاكرة إني طلبت منك توصلني.

ضرب بأصابعه على عجلة القيادة مرتين. لم يبدُ غاضبًا، لكنه لم يكن معتادًا أن يناقشه أحد، أو هكذا أراد أن يوحي لي.

— أمك قالت لي أوصلك.

— أمي قالت لك؟

— آه. عندها ضيوف، وأنا نازل العباسية. مشوارك في طريقي.

كذبت عيناه قبل أن ينتهي من الجملة.

كنت أعرف أنه لا يذهب إلى العباسية. على الأقل ليس في التاسعة صباحًا، وليس بتلك السيارة التي كانت الموسيقى تخرج منها منخفضة، وبجوار مقعده زجاجة عطر نسائية صغيرة لم يحاول إخفاءها.

اقتربت منه خطوة.

— أمي نايمة من بعد الفجر.

توقفت أصابعه.

لثانية واحدة فقط، ظهرت المفاجأة على وجهه، ثم عاد البرود إليه.

— يبقى خالتي اعتماد قالت لي.

— خالتي اعتماد مسافرة المنصورة من امبارح.

ابتسم.

لم يخجل من الكذبة، ولم يعتذر. ابتسم كأن انكشافه جزء من اللعبة.

— واضح إني اخترت أعذار وحشة.

— وواضح إنك اتغيرت للأسوأ.

رفعت يدي لأوقف سيارة أجرة، لكنه حرّك سيارته إلى الأمام، فحجبني عنها. صرخت في وجهه:

— إنت بتعمل إيه؟

— بمنعك تركبي مع واحد مش عارفاه.

— وأنت أعرفك؟

تغيرت ملامحه للحظة.

لم يكن السؤال عابرًا. أعرف ذلك لأن الابتسامة ماتت تمامًا على فمه، ولأن يده ثبتت فوق عجلة القيادة.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال:

— المفروض.

— كنت أعرف ولد عنده تمان سنين، كان بيخاف يعدّي الشارع لوحده. إنما أنت… لا، أنا معرفكش.

لم يجب.

مرت سيارة أجرة أخرى، فأشرت إليها. توقفت، وفتحت الباب الخلفي قبل أن يمنعني. قلت للسائق عنوان المكتب، ثم أغلقت الباب ونظرت من الزجاج.

كان عز لا يزال في مكانه.

لم يتحرك حتى ابتعدنا.

كان ينبغي أن ينتهي الأمر عند ذلك الحد؛ لقاء ثقيل في صباح مزدحم، وكلمتان تُنسيان مع أول كوب قهوة. لكن عز لم يعد إلى روض الفرج ليصبح ذكرى عابرة.

ومنذ اللحظة التي رأيته فيها، بدأت الصدف تتصرف كأنها مأجورة عنده.

اسمي غزل عبد الحميد.

عمري ستة وثلاثون عامًا، وأكره من يسألني لماذا لم أتزوج حتى الآن. لا لأن السؤال يحرجني، بل لأن الناس يسألونه بالطريقة نفسها التي يسألون بها عن مصباح لا يعمل: أين العطل؟

كنت أعمل مديرة إدارية في شركة استيراد صغيرة قرب ميدان العباسية. ليس عملًا أحبه، لكنه يدفع الإيجار ويساعدني على رعاية أمي، ويمنحني سببًا للخروج من البيت حين تبدأ الجارات في تحليل حياتي فوق أكواب الشاي.

عندما وصلت إلى المكتب، كان المدير ينتظرني أمام المصعد.

قال وهو ينظر إلى ساعته:

— تسعة وربع يا أستاذة غزل.

— الطريق كان واقف.

— الطريق ده شماعة الموظفين كلهم.

— وأنا بقالى سبع سنين بوصل قبل حضرتك، فممكن نعتبر النهارده استثناء.

لم يعجبه الرد، لكنه ابتلعه. دخلت مكتبي، وضعت الملف فوق الطاولة، ثم وقفت حين وجدت ظرفًا أبيض فوق لوحة المفاتيح.

لم يكن يحمل اسمًا ولا شعارًا.

فتحته، فوجدت داخله صورة قديمة.

أنا في الرابعة والعشرين، أقف في فرح أخت عز الكبرى. إلى جواري عز، في الثامنة تقريبًا، يرتدي بدلة أكبر من حجمه، وينظر إلى الكاميرا بعبوس مضحك.

قلبت الصورة.

وجدت جملة مكتوبة بخط أسود:

«بعض الناس بيتغير شكلهم بس.»

شعرت ببرودة تسير في ذراعي.

فتحت باب المكتب وناديت عامل الاستقبال:

— يا حسام، مين دخل مكتبي؟

— محدش يا أستاذة غزل.

— الظرف ده مين حطه؟

نظر إليه، ثم هز رأسه.

— معرفش. يمكن كان موجود من امبارح.

— أنا اللي قفلت المكتب امبارح. مكنش موجود.

اقترب المدير من صوتنا وسأل بانزعاج:

— في إيه؟

أخفيت الصورة داخل الظرف.

— مفيش. ورقة ناقصة من ملف.

عدت إلى مكتبي وأغلقت الباب. لم أفكر في عز مباشرة، أو حاولت ألّا أفكر فيه. ربما أرسلت أمه الصورة، وربما وجدتها أمي في درج قديم وأعطتها لأحدهم، وربما…

توقفت.

لا توجد مصادفة تكتب بتلك الطريقة.

أخرجت هاتفي واتصلت بأمي.

ردّت بعد رنات كثيرة:

— وصلتي يا غزل؟

— وصلت. إنتِ كلمتي عز الصبح؟

— عز مين؟

— عز ابن طنط سناء.

— هو رجع؟

أغمضت عيني.

لم تكن تعرف أنه عاد.

— شوفته تحت البيت.

— يا حبيبي! ده غايب بقاله سنين. طيب ماطلعش ليه؟

— معرفش.

— بقى عامل إزاي؟

نظرت إلى الظرف.

— غريب.

ضحكت أمي.

— طبيعي. آخر مرة شفتيه كان عيل.

— أمي، إنتِ بعتي له صورة فرح أخته؟

— صورة إيه؟ أنا معرفش رقمه أصلًا.

سمعت صوت المدير يناديني، فأنهيت المكالمة. وضعت الصورة في حقيبتي وحاولت أن أبدأ عملي، لكنني لم أستطع التركيز.

كنت أراه كلما نظرت إلى شاشة الكمبيوتر.

في الصور القديمة كان يقف بقربي كطفل يطمئن إلى وجودي.

وفي الشارع وقف أمامي كرجل يريد أن يقرر أين أذهب وكيف أصل.

كرهت التحول.

وكرهت أكثر أنني لاحظته.

عند الثانية عشرة، دخل المدير مكتبي بلا استئذان.

— في عميل مهم جاي بعد نص ساعة. عايز العقد القديم بتاع مخزن شبرا.

— العقد في الأرشيف الخارجي.

— ما هو عشان كده بطلبه منك.

— طلب الأرشيف بياخد يومين.

رمى ملفًا فوق مكتبي.

— اتصرفي. الصفقة لو ضاعت مش هتضيع مني لوحدي.

كانت تلك طريقته المعتادة: يخلق الأزمة ثم يوزعها علينا.

اتصلت بمسؤول المخزن، وبعد جدال طويل وافق أن يرسل نسخة مصورة من العقد. وصلت النسخة قبل الموعد بدقائق، لكن العميل تأخر ساعة كاملة.

وحين دخل أخيرًا، تمنيت لو أنني لم أطلب العقد.

لم يكن عز هو العميل.

كان رجلًا في أواخر الأربعينيات اسمه شريف المنشاوي، أعرفه من صور الإعلانات المنتشرة في المنطقة. رجل أعمال بدأ من ورشة صغيرة، ثم اشترى نصف المخازن الواقعة ناحية الساحل.

لكن عز دخل خلفه.

كان يحمل ملفًا رماديًا، ويتحدث في الهاتف. مر من أمام مكتبي دون أن ينظر إليّ، كأن لقاء الصباح لم يحدث. لم أعرف لماذا ضايقني تجاهله بعدما كنت أريده أن يختفي.

سمعت المدير يقول:

— اتفضل يا باشا. نورتنا.

رد شريف:

— النور نوركم. ده عز، مسؤول عن مراجعة التفاصيل معايا.

مسؤول؟

منذ متى؟

كان في العشرين. أصغر من أصغر موظف لدينا. فماذا يراجع؟

دخلوا قاعة الاجتماعات، وبعد دقائق استدعاني المدير. حملت العقود ودخلت.

كان عز جالسًا في آخر الطاولة، يدور بقلم معدني بين أصابعه. لم يرفع رأسه عندما جلست.

بدأ المدير في شرح الصفقة. كان يريد تأجير أحد مخازن الشركة لشريف لمدة خمس سنوات، لكن العقد القديم يحتوي على نزاع حول بوابة جانبية مشتركة مع العقار المجاور.

قلت:

— لازم يتضاف بند واضح بخصوص البوابة، وإلا الطرفين هيدخلوا في مشكلة بعدين.

قاطعني المدير:

— التفاصيل دي تتحل ودي.

رفع عز عينيه أخيرًا.

— لأ، هي عندها حق.

كانت أول مرة ينطق فيها منذ دخولي.

تضايق المدير، لكنه ابتسم لشريف.

— طبعًا، إحنا بس بنناقش.

فتح عز الملف أمامه.

— العقد القديم فيه شرط يمنع تغيير النشاط من غير موافقة المالك. وإحنا مش هنستخدم المكان كمخزن.

سأله المدير:

— هتستخدموه إيه؟

أجاب شريف بدلًا منه:

— مركز توزيع.

قلت:

— مركز التوزيع نشاطه بيحتاج موافقات مختلفة، خصوصًا لو في حركة سيارات طول اليوم.

ابتسم عز ابتسامة صغيرة.

— عشان كده أنا هنا.

نظرت إليه.

— وأنت صفتك القانونية إيه؟

هبط الصمت على الغرفة.

حدّق المدير فيّ كأنه يريد خنقي. أما شريف فضحك بصوت مرتفع.

— سؤال في محله. عز شريكي في المشروع.

لم أستطع إخفاء دهشتي.

عشرون عامًا، شريك لرجل أعمال بحجم شريف المنشاوي؟

لم يبدُ عز مسرورًا بدهشتي. انحنى إلى الخلف وقال:

— في اعتراض على سني؟

— في استغراب، مش اعتراض.

— الاستغراب بيضيع وقت.

— والثقة الزايدة بتضيع فلوس.

ضرب المدير كفه على الطاولة.

— يا جماعة، إحنا هنا عشان نتفق.

نظر إليّ عز لثوانٍ، ثم ابتسم. لم تكن ابتسامة ودية؛ كانت ابتسامة شخص وجد خصمًا يثير اهتمامه.

استمر الاجتماع قرابة ساعة. اكتشفت خلالها أنه يعرف تفاصيل المشروع أكثر من شريف، وأنه لا يتحدث إلا عندما يملك ما يقوله، لكنه حين يتحدث لا يقبل المقاطعة.

كان مباشرًا، قاسيًا أحيانًا، ويعامل الأرقام كأنها أشخاص يمكن تهديدهم حتى تستقيم.

وفي نهاية الاجتماع، رفض توقيع العقد.

قال:

— هيتعدل الأول.

احمر وجه مديري.

— بس إحنا متفقين من الأسبوع اللي فات.

— كنت متفق مع الأستاذ شريف. أنا مكنتش موجود.

— والصفقة تخص الأستاذ شريف.

أغلق عز الملف.

— وتخصني. التوقيع بعد التعديل.

نهض شريف من مكانه بلا اعتراض. بدا معتادًا على طريقته، أو ربما كان مستفيدًا منها.

خرج الاثنان، فاستدار المدير إليّ فورًا.

— كان لازم تعملي فيها بطلة؟

— أنا وضحت مشكلة في العقد.

— مشكلة كانت هتعدّي.

— وبعدين ترجع علينا قضية.

اقترب مني وقال بصوت منخفض:

— شغلك تنفذي، مش تعلميني أحمي شركتي إزاي.

نظرت إليه دون رد.

تابع:

— والعقد هيتعدل قبل آخر اليوم. اقعدي لحد ما يخلص.

— عندي ارتباط.

— ألغيه.

خرج وأغلق الباب بعنف.

لم يكن لدي ارتباط. لكنني كرهت أن يقرر أن وقتي ملك له.

جلست أراجع البنود، وأنا ألعن عز في سري. لو وقّع العقد، لكنت عدت إلى أمي في موعدي. لكنه ظهر في صباحي، ثم في مكتبي، ثم قلب يومي كله وغادر.

عند الخامسة، كان الموظفون قد رحلوا. بقيت وحدي مع عامل الأمن والمدير الذي أغلق مكتبه على نفسه.

عدلت العقد وأرسلته بالبريد. بعد عشر دقائق، وصل الرد:

«البند السابع غير مقبول.»

المرسل: Ezz S.

كتبت:

«هذا هو البند الذي طلبت إضافته.»

جاء الرد بعد أقل من دقيقة:

«طلبت توضيحه، مش كتابته بالطريقة دي.»

شددت أصابعي حول الهاتف. عدت إلى الحاسوب، أعدت صياغة البند وأرسلته.

جاء الرد:

«أفضل. البند التاسع محتاج تعديل.»

كتبت:

«هل تنوي مراجعة العقد كاملًا بندًا بندًا بعد انتهاء الدوام؟»

رد:

«لو العقد محتاج، آه.»

«يمكنك إرسال كل ملاحظاتك مرة واحدة.»

ظهرت علامة أنه يكتب، ثم اختفت. بعد دقيقة، رن هاتفي برقم مجهول.

عرفت أنه هو قبل أن أجيب.

— ألو؟

— افتحي الملف اللي بعته.

— أنا فتحاه.

— صفحة أربعة.

ذهبت إلى الصفحة.

قال:

— آخر سطر. كلمة المسؤولية متكررة مرتين.

— عشان الطرفين عليهم مسؤوليتين مختلفتين.

— الصياغة ملتبسة.

— الصياغة قانونية.

— مش كل كلام طويل يبقى قانوني يا غزل.

— ومش كل واحد اشترى ساعة غالية يبقى رجل أعمال يا عز.

صمت.

وضعت يدي على فمي. لم أصدق أنني قلتها، لكنني لم أتراجع.

قال بهدوء:

— لسه زي ما إنتِ.

— وإنت لسه قليل الأدب، بس صوتك اتغير.

— كنتِ بتقولي إني مؤدب زمان.

— كان عندك تسع سنين.

— تمانية.

نظرت إلى الصورة داخل حقيبتي.

— أنت اللي حطيت الظرف في مكتبي؟

انقطع صوت أنفاسه للحظة.

— ظرف إيه؟

— بلاش لعب.

— سؤال واضح: ظرف إيه؟

حكيت له عن الصورة والجملة المكتوبة خلفها. توقعت أن يضحك أو يعترف، لكنه قال بلهجة مختلفة:

— الصورة معاكي؟

— آه.

— خديها وروحي البيت دلوقتي.

— كنت مستنياك تسمح لي.

— غزل، اسمعيني. متسيبيش الصورة في المكتب، ومتوريهاش لحد.

وقفت.

— ليه؟

سمعت صوت باب سيارة يُغلق عنده، ثم قال:

— عشان الصورة دي كانت عندي.

بردت أطرافي.

— يعني أنت اللي بعتها؟

— لأ.

— أمال وصلت لمكتبي إزاي؟

— معرفش.

— والكلام المكتوب؟

— مش خطي.

فتحت الصورة من جديد. دققت في الوجوه القديمة، في فستاني الأخضر، وفي عز الصغير الواقف إلى جواري. كان هناك شخص ثالث في الخلفية، لكن وجهه ظهر نصفه فقط.

سألته:

— الصورة كانت فين؟

— في شقتي.

— ومين يدخل شقتك؟

لم يجب فورًا.

— ناس كتير.

فهمت ما تعنيه العبارة، أو ظننت أنني فهمت. علاقاته لم تكن سرًا. منذ عودته، سمعت اسمه يتردد على ألسنة بنات الشارع، كل واحدة تزعم أنها تعرف قصة لا تعرفها الأخرى.

قلت بحدّة:

— حل مشاكلك بعيد عني.

— دي مش واحدة من المشاكل اللي في دماغك.

— أنا معنديش حاجة في دماغي.

— كويس. اخرجي من المكتب وأنا جاي لك.

— ما تجيش.

— عشر دقايق وأكون عندك.

— عز، أنا مش طفلة عشان تصدر لي أوامر.

— وأنا مش بناقشك دلوقتي.

— يبقى اقفل.

وأغلقت الهاتف.

قلبي كان يدق بسرعة، لا خوفًا منه، بل من السؤال الذي تركه في رأسي: من أخذ صورة من شقته ووضعها على مكتبي؟

جمعت أوراقي، أغلقت الحاسوب، ثم اتجهت نحو مكتب المدير. وجدته قد غادر من الباب الخلفي دون أن يخبرني.

خرجت من الشركة. كانت السماء قد اسودت، والشارع ما زال مزدحمًا. وقفت أبحث عن سيارة أجرة، ثم سمعت صوت فتاة تناديني:

— أستاذة غزل؟

التفتُّ.

كانت فتاة في أوائل العشرينيات، ترتدي معطفًا فاتحًا وتحمل حقيبة صغيرة. بدت متوترة، تنظر خلفها باستمرار.

— أيوه؟

— حضرتك تعرفي عز؟

لم يعجبني السؤال.

— ليه؟

— أنا لازم أكلمه، وهو مش بيرد.

— وأنا مالي؟

— قالوا لي إنكم قرايب.

— إحنا جيران قدام.

اقتربت الفتاة.

— طيب لو شفتيه، قوليله إن نادين كانت هنا.

استدارت لتغادر، لكنني أوقفتها.

— استني. إنتِ عرفتي شغلي منين؟

نظرت إليّ بعينين مرتبكتين.

— هو قال لي.

— عز قال لك؟

— من فترة.

— قال لك إيه بالضبط؟

تراجعت خطوة.

— مش فاكرة.

كانت تكذب.

أخرجت الصورة من حقيبتي ورفعتها أمامها.

— شوفتي الصورة دي قبل كده؟

اتسعت عيناها.

وهذا كان جوابًا كافيًا.

أمسكت بذراعها قبل أن تهرب، لكنها نزعتها بعنف.

قالت:

— سيبيني!

— الصورة دي وصلتيها مكتبي؟

— معرفش حاجة.

— أمال اتخضيتي ليه؟

ركضت نحو الرصيف الآخر. حاولت اللحاق بها، لكن دراجة نارية مرت بيننا بسرعة، فتراجعت. وصلت الفتاة إلى سيارة رمادية كانت تنتظرها، ركبت، وانطلقت.

حاولت قراءة اللوحة، لكن الطين كان يغطي نصف أرقامها.

وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة عز أمامي.

نزل منها وصفق الباب بعنف.

— إنتِ واقفة في الشارع ليه؟

كان غاضبًا، والغضب فوق ملامحه جعله يبدو أكبر من عمره. لكنني لم أكن مستعدة لقبول نبرته.

— وطّي صوتك.

— قلت لك استنيني جوه.

— وأنا قلت لك ما تجيش.

نظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة الرمادية.

— كنتِ بتجري ورا مين؟

— واحدة اسمها نادين. تعرفها؟

تغير وجهه، هذه المرة بوضوح.

— قالت لك إيه؟

— رد على السؤال.

اقترب خطوة، فتراجعت أنا خطوة مماثلة، لا خوفًا، ولكن كي يعرف أن المسافة بيننا أحددها أنا.

— تعرفها؟

قال:

— آه.

— كانت في شقتك؟

— مالكيش دعوة.

ضحكت دون مرح.

— عظيم. هي تعرف عنوان شغلي، وشافت الصورة اللي كانت عندك، وبعدين تيجي لي وتقول لي ماليش دعوة؟

تلفت حوله.

— اركبي ونتكلم.

— هنتكلم هنا.

— مش هقف أشرح لك في الشارع.

— وأنا مش هركب معاك.

مد يده نحو حقيبتي، فأبعدتها بسرعة.

— إياك تلمس حاجتي.

ثبت نظره في عيني.

بدا كأنه سيجادل، لكنه قبض يده وأعادها إلى جانبه.

قال بصوت أخفض:

— الصورة لازم تبقى معايا.

— لأ.

— غزل.

— اسمها مالكش دعوة، مش كده؟

شد فكه، ثم قال:

— نادين كانت مرتبطة بصاحبي.

— وبتدخل شقتك ليه؟

— لأنها كانت بتدور عليه.

— وصاحبك فين؟

لم يجب.

كانت تلك عادته الجديدة: يجيب ما يريد، ويترك الباقي فراغًا تتعذب فيه.

قلت:

— مش هديك الصورة غير لما أفهم.

— الفهم مش هيحميكي.

— وأنت هتحميني؟

— لو اضطرّيت.

خرجت مني ضحكة قصيرة.

— الولد اللي كنت بربط له رباط الجزمة هيحميني؟

اختفى الغضب من وجهه، وحل مكانه شيء أشد قسوة.

— بطلي تشوفيني عيل.

كان صوته منخفضًا، لكن الكلمات أصابتني بقوة غير متوقعة.

قلت:

— وبطل تتصرف كأن العالم ملكك.

— أنا مش محتاج العالم.

— محتاج إيه؟

نظر إليّ طويلًا، ثم ابتعد بعينيه.

— الحقيقة.

قبل أن أسأله، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة ورفض المكالمة. رأيت الاسم للحظة: شريف.

رن مرة ثانية.

رفضها أيضًا.

ثم تلقى رسالة. قرأها، فتبدلت ملامحه.

سألته:

— في إيه؟

رفع رأسه فجأة.

— مديرك مشي إمتى؟

— من شوية. ليه؟

— اتصلي بيه.

— مش هيرد.

— اتصلي.

أزعجتني نبرته، لكن القلق في عينيه دفعني إلى إخراج هاتفي. اتصلت بالمدير. ظل الخط يرن حتى انقطع.

قال عز:

— تاني.

اتصلت ثانية.

هذه المرة، جاءنا صوت رنين هاتف قريب.

التفتنا معًا.

كان الصوت يخرج من الزقاق الضيق بجوار مبنى الشركة.

تحرك عز أولًا. أمسكني من كتفي ليمنعني من اللحاق به، ثم تركني فورًا وقال:

— خليكي هنا.

— مديري ممكن يكون جوه.

— عشان كده خليكي هنا.

— أنت مش هتقرر…

قاطعني:

— مش وقت خناقنا.

دخل الزقاق. انتظرت ثواني، ثم تبعته.

كان المكان مظلمًا إلا من ضوء واجهة صيدلية في آخر الشارع. وجدنا هاتف المدير ملقى قرب صندوق قمامة، شاشته مكسورة، وما زال اسمي ظاهرًا عليها.

انحنى عز والتقطه باستخدام منديل من جيبه.

قلت:

— فين هو؟

— معرفش.

— يمكن وقع منه.

— ومين كسر الشاشة؟

سمعنا صوت حركة خلف الباب الحديدي للمخزن الملحق بالشركة. تقدم عز نحوه، لكنه وجد القفل مغلقًا.

نادى:

— في حد جوه؟

جاء صوت خافت.

اقتربت من الباب.

— أستاذ مدحت؟

الصوت تكرر، كأنه ضربة من الداخل.

بحث عز حوله، التقط قضيبًا حديديًا من جوار الحائط، وحاول كسر القفل. أخفق أول مرة، ثم ضربه ثانية حتى سقط.

فتح الباب، فاندفعت رائحة الغبار والورق القديم.

أنار هاتفه.

كان المدير جالسًا على الأرض، يداه مقيدتان خلف ظهره، وفمه مغطى بشريط لاصق. لم يكن مصابًا إصابة ظاهرة، لكنه كان يرتجف.

ركضت نحوه ونزعت الشريط.

— مين عمل فيك كده؟

نظر إليّ، ثم إلى عز.

اتسعت عيناه عندما رآه.

قال بصوت مختنق:

— إنت!

لم يتحرك عز.

— أنا إيه؟

حاول المدير النهوض، لكنه سقط.

— الناس اللي جم… سألوا عليك.

اقترب عز منه.

— مين؟

— معرفش. خدوا نسخة العقد، وفتشوا المكتب.

سألت:

— عقد المخزن؟

أومأ المدير.

— كانوا بيدوروا على حاجة تانية… صورة.

نظرت إلى حقيبتي.

كان عز أسرع مني. أمسك معصمي، لا بعنف، وإنما ليمنعني من إخراجها.

قلت:

— سيب إيدي.

فتركها فورًا، لكن عينيه بقيتا معلقتين بحقيبتي.

سأل المدير:

— قالوا صورة إيه؟

— صورة فرح… فيها بنت لابسة أخضر وولد صغير.

لم أسمع بقية كلماته.

وضعت يدي على الحائط كي لا أفقد توازني. الصورة لم تصلني لتذكّرني بالماضي، ولم تكن لعبة من فتاة غيورة، كما حاولت أن أقنع نفسي.

كان أحدهم يبحث عنها.

قال عز:

— لازم نمشي حالًا.

قلت:

— لازم نبلغ الشرطة.

— هنبلغ، بس إنتِ مش هتفضلي هنا.

— مش همشي قبل ما أفهم.

وقف أمامي مباشرة.

— الناس دي دخلت مكتبك، وخدت مديرك، ودورت على صورة معاكي. مفيش وقت للعناد.

— دي حياتي وليا حق أعرف.

— هتعرفي لما تبقي في مكان آمن.

— وأنت عرفت منين إن في خطر قبل ما نوصل هنا؟

صمت.

— عز، أنت عارف مين عمل كده؟

انحنى ليلتقط هاتف المدير المكسور، ثم أخرج هاتفه واتصل بالإسعاف والشرطة. أعطاهما العنوان، ووصف حالة المدير بدقة غريبة، كأنه مر بموقف مشابه من قبل.

عندما أنهى الاتصال، واجهني.

— مش عارف مين بالضبط.

— لكنك عارف السبب.

— احتمال.

— إيه هو؟

نظر إلى المدير، ثم أشار لي أن نبتعد عنه. رفضت التحرك.

قال:

— الصورة مش مجرد صورة عائلية.

ضحكت بعصبية.

— أمال بوابة لعالم تاني؟

— الراجل اللي واقف في الخلفية اسمه فؤاد السيوفي.

تذكرت نصف الوجه الظاهر خلفي.

— مين فؤاد؟

— كان شريك أبويا.

كنت أعرف أن والد عز مات منذ سنوات في حادث سيارة. لم تتحدث أسرته عن التفاصيل، وغادر عز القاهرة بعد جنازته بفترة قصيرة.

تابع:

— قبل ما أبويا يموت، فؤاد اختفى. والكل قال إنه سافر. من أسبوعين لقيت دليل إنه لسه في مصر.

— وإيه علاقة الصورة؟

— دي آخر صورة ظهر فيها.

— وعايزينها ليه؟

— عشان في حاجة مكتوبة عليها.

أخرجت الصورة من الحقيبة. قلبتها إلى الخلف.

لم أرَ سوى الجملة المكتوبة بالحبر الأسود.

أخذها عز بعد أن سمحت له، ثم قربها من ضوء الهاتف. مرر إصبعه فوق طرفها، وبدأ يفصل طبقتين ملتصقتين ببعضهما.

شهقت.

كانت هناك ورقة رقيقة مخفية خلف الصورة.

فتحها بحذر.

عليها أرقام قصيرة واسم شارع في شبرا وتاريخ قديم يعود إلى اثني عشر عامًا.

قلت:

— ده إيه؟

— معرفش.

— كداب.

رفع عينيه إليّ.

— المرة دي فعلًا معرفش.

بدأ صوت الإسعاف يقترب. وضع عز الورقة داخل جيبه وأعاد لي الصورة.

قلت:

— الورقة تفضل معايا.

— لأ.

— تخص صورتي.

— وتخص موت أبويا.

كانت تلك أول مرة ينكسر فيها صوته.

لثانية واحدة، لم أرَ الشاب المتعالي صاحب السيارة والملابس الغالية والعلاقات الكثيرة. رأيت الصبي الذي وقف تحت شرفتنا ليلة موت أبيه، ولم يبكِ أمام أحد.

لكن اللحظة اختفت سريعًا.

عاد وجهه جامدًا.

— هتروحي عند خالتك الليلة.

قلت:

— هروح بيتي.

— عرفوا شغلك، يبقى غالبًا عارفين بيتك.

— أمي هناك!

تحركت نحو الباب، فأوقفني بصوته:

— شريف بعت حد يجيبها.

استدرت نحوه.

— إنت دخلت أمي في الموضوع؟

— من ساعة ما عرفنا إن الصورة اختفت، حطيت حد يراقب البيت.

— بتراقب بيتي من غير ما أعرف؟

— أيوه.

— ومين ادّاك الحق؟

— محدش.

قالها ببساطة أخافتني أكثر من أي تبرير.

اقتربت منه وقلت:

— اسمعني كويس. كونك خايف، أو شايف نفسك بتحمينا، مش معناه إنك تتحكم في حياتنا. أمي ترجع البيت، والمراقبة تنتهي، والورقة تسلمها للشرطة.

— لأ.

— لأ على إيه؟

— على التلاتة.

حدقت فيه غير مصدقة.

لم يرفع صوته، ولم يهددني؛ كان أكثر استفزازًا من ذلك. قال رفضه كأنه حقيقة نهائية.

أجبرته نفسي على عدم التراجع.

— أنت عندك عشرين سنة يا عز، مش رئيس عصابة.

— والناس اللي بتدور على الصورة مش هتسألك عن سني.

— ولا أنا هسلم نفسي ليك عشان خايفة.

اقترب صوت الشرطة.

قال:

— ممتاز. متسلميش نفسك لحد. بس لحد ما نعرف مين ورا ده، اسمعي الكلام اللي يمنع الأذى، مش الكلام اللي يعجبك.

— وإنت اسمع الكلام ده أنت كمان. أنا مش واحدة من البنات اللي بتقول لهم كلمتين فيمشوا وراك.

ظهر شيء غامض في عينيه.

— عارف.

— متأكد؟

— جدًا. عشان كده جيت بنفسي.

دخل المسعفون ورجال الشرطة، فابتعدنا عن بعض. بدأ أحد الضباط يسأل المدير، بينما طلب آخر بطاقات هويتنا.

قدمت بطاقتي. أما عز فقال إنه نسي محفظته في السيارة.

لم أصدقه.

وأظن أن الضابط لم يصدقه أيضًا.

بينما كان الجميع منشغلًا، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت صورة لأمي وهي تخرج من بيتنا، وبجوارها رجل لا أعرفه.

وتحتها جملة واحدة:

«اسألي عز هو رجع القاهرة ليه.»

رفعت رأسي نحوه.

كان واقفًا في آخر المخزن يتحدث مع شريف في الهاتف. بدا غاضبًا، يمرر يده في شعره ويخفض صوته كي لا يسمعه أحد.

كأن إحساسًا حذره من نظرتي، استدار نحوي.

التقت أعيننا.

خبأت الهاتف خلف ظهري.

أنهى مكالمته واقترب.

— مين بعت لك؟

كان يعرف من وجهي أن شيئًا حدث. لم أجب.

مد يده، ثم توقف قبل أن يلمس هاتفي.

— غزل، وريني الرسالة.

— رجعت القاهرة ليه؟

تجمد.

كررت:

— جاوبني. رجعت ليه بعد السنين دي كلها؟

نظر إلى رجال الشرطة، ثم إلى المدير، ثم أعاد نظره إليّ.

— مش هنا.

— يبقى مش هاجي معاك في أي مكان.

— أمك مستنياكي.

— الراجل اللي معاها مين؟

— من طرف شريف.

— وأثق في شريف ليه؟

لم يملك جوابًا سريعًا، وكانت تلك أول مرة أشعر أنني حاصرته.

أخرجت الهاتف وأريته الصورة دون أن أسلمه إياه.

قرأ الرسالة. لم يتغير وجهه، لكن يده انقبضت.

— الرقم ده كلمك قبل كده؟

— لأ.

— مترديش.

— هرد.

— غزل.

— دي أمي في الصورة.

بدأت أكتب، لكنه أمسك حافة الهاتف، لا يدي. جذبته ناحيتي، فتركه.

قال:

— لو رديتي، هيتأكدوا إن الرقم وصلك وإنك معاكي الصورة.

— هم عارفين أصلًا.

— مش بالضرورة.

ترددت. كرهت أنه قد يكون محقًا.

وضعت الهاتف في حقيبتي.

سألته للمرة الثالثة:

— رجعت ليه؟

بقي صامتًا وقتًا طويلًا. ثم قال:

— لأن موت أبويا مكنش حادثة.

شعرت أن ضجيج المكان ابتعد.

تابع:

— ولأن اسمك ظهر في ورق قديم كان مخبيه.

— اسمي أنا؟

— اسمك كامل، وعنوان بيتكم، وتاريخ فرح أختي.

— ليه؟

— ده اللي بحاول أعرفه.

— من إمتى؟

— من ست شهور.

— وقعدت ست شهور من غير ما تحذرني؟

— مكنتش متأكد إن الخطر وصل لك.

— ولما اتأكدت الصبح، كذبت وقلت إن أمي طلبت منك توصلني.

— لو قلت لك الحقيقة، كنتِ هتركبي؟

لم أجب.

ابتسم ابتسامة خالية من الفرح.

— بالضبط.

اقترب منا الضابط وطلب من عز التوجه معه إلى الخارج للتحقق من بياناته. أومأ عز، ثم قال لي قبل أن يبتعد:

— استنيني هنا.

نظرت إليه بحدة.

فتوقف وأضاف:

— لو سمحتِ.

كانت أول مرة يطلب بدل أن يأمر.

خرج مع الضابط.

بقيت قرب الباب الحديدي، أضم حقيبتي إلى صدري. في داخلها الصورة، وفي جيب عز الورقة، وبيننا اثنا عشر عامًا من الأسئلة التي لم يسألها أحد.

رن هاتفي مرة أخرى.

الرقم نفسه.

هذه المرة لم تكن رسالة، بل اتصالًا.

نظرت إلى الخارج. كان عز واقفًا بجوار سيارة الشرطة وظهره لي.

أجبت.

— ألو؟

لم يأتِ صوت في البداية، ثم سمعت رجلًا يتنفس ببطء.

قال:

— مساء الخير يا غزل.

— مين؟

— عز قال لك إن أبوه مات إزاي؟

— أنت مين؟

ضحك ضحكة قصيرة.

— اسأليه عن الليلة اللي اختفى فيها. اسأليه كان فين، وليه رجع لوحده بعد الفجر.

نظرت إلى عز من بعيد.

كان يتحدث إلى الضابط بهدوء، يداه في جيبيه، وملامحه ثابتة.

قلت:

— إنت عايز إيه؟

— الصورة.

— ليه؟

— لأنها الحاجة الوحيدة اللي تثبت إن عز كداب.

ثم أغلق الخط.

ظللت ممسكة بالهاتف، غير قادرة على الحركة.

استدار عز في اللحظة نفسها.

رآني.

وعرف أنني أجبت.

ترك الضابط واتجه نحوي بسرعة، لكنني تراجعت.

قال:

— قال لك إيه؟

— أنت كنت فين ليلة موت أبوك؟

توقف.

للمرة الأولى منذ عاد، رأيت الخوف في عينيه.

لم يكن خوفًا عليّ، ولا من الشرطة، ولا من الرجل المجهول.

كان خوف شخص وصل الماضي إليه قبل أن يستعد لمواجهته.

قلت:

— جاوبني.

نظر إلى الهاتف، ثم إلى حقيبتي، ثم إليّ.

— كنت مع فؤاد السيوفي.

جف حلقي.

— الراجل اللي في الصورة؟

— آه.

— وكان عايش؟

— لما شوفته؟ آه.

— وبعدها؟

اقترب حتى صار صوته لا يصل إلى أحد غيري.

— بعدها بساعتين، أبويا مات، وفؤاد اختفى، وأنا بقيت المتهم الوحيد اللي محدش فكر يسأله.

حدقت فيه.

كنت أعرفه طفلًا، أو كنت أظن أنني أعرفه. ربطت رباط حذائه، داويت جرح ركبته، وخبأته من أبيه عندما كسر زجاج سيارة أحد الجيران.

أما الشاب الواقف أمامي، فلم أعرف عنه شيئًا.

لا مصدر أمواله.

لا سبب عودته.

لا حقيقة علاقته بشريف.

ولا نوع السر الذي جعل رجلًا مجهولًا يقتحم مكتبي ويختطف مديري من أجل صورة قديمة تجمعنا.

قال عز:

— دلوقتي لازم تثقي فيا.

هززت رأسي.

— بعد كل اللي سمعته؟ مستحيل.

لم يغضب.

قال بهدوء ثقيل:

— مش طالب منك تحبيني، ولا حتى تصدقيني. أنا طالب منك تفضلي عايشة لحد ما تكرهيـني براحتك.

مر من جواري، ثم توقف عند الباب.

— العربية بره. أمك في مكان آمن، والشرطة هتطلع على بيتكم. لو عايزة تيجي، هتلاقيني مستني.

— ولو مجتش؟

نظر إليّ من فوق كتفه.

— مش هجبرك.

ثم أضاف:

— بس الناس اللي كلموكي مش هيدّوكي الاختيار نفسه.

خرج.

بقيت وحدي لثوانٍ، بين رجال الشرطة وصوت سيارة الإسعاف والأوراق المتناثرة على أرض المخزن.

كان أمامي اختياران، كلاهما سيئ:

أن أثق في الرجل المجهول الذي يعرف سرًا عن عز.

أو أركب سيارة الشاب الذي أعرف أنه يكذب، لكنه كان الشخص الوحيد الذي جاء عندما أصبحت الصورة خطرًا.

خرجت إلى الشارع.

كان عز واقفًا بجوار سيارته، لا داخلها. فتح الباب الأمامي، ثم ابتعد عنه، تاركًا القرار لي.

تذكرت الطفل الذي كان يخاف عبور الطريق.

وتذكرت الرجل الذي وقف أمامي قبل قليل، وعيناه لا تخافان إلا من الماضي.

مشيت نحوه، لكنني لم أركب.

وقفت أمامه وقلت:

— عندي شروط.

رفع حاجبه.

— قولي.

— مفيش أوامر. مفيش مراقبة من ورايا. ومفيش كدب، مهما كانت الحقيقة.

نظر إليّ طويلًا.

— أول شرطين ممكن.

— والتالت؟

فتح لي الباب وقال:

— التالت هو سبب إننا لسه عايشين.

كان ينبغي أن أبتعد.

كان ينبغي أن أصرخ في وجهه، أن أذهب إلى الشرطة، وأن أتركه يغرق وحده في الأسرار التي عاد بها.

لكن صورة أمي على هاتف شخص مجهول لم تترك لي رفاهية القرار الصحيح.

ركبت السيارة.

جلس عز خلف المقود، لكنه لم يتحرك فورًا.

قال وهو ينظر أمامه:

— في حاجة لازم تعرفيها قبل ما نوصل.

— إيه؟

— اللي بعث لك الصورة مش عايز الورقة بس.

التفت إليه.

— عايز إيه تاني؟

أدار المحرك.

— عايزني أفتكر اللي حصل في الفرح.

— وإيه اللي حصل؟

تحركت السيارة وسط شوارع العباسية، وانعكست الأضواء فوق وجهه الجامد.

قال:

— إنتِ اختفيتي ليلة الفرح ساعتين كاملين يا غزل.

ضحكت من شدة الصدمة.

— أنا؟

— ولما رجعتي، كان في دم على فستانك الأخضر.

توقفت أنفاسي.

كنت أتذكر الفستان.

أتذكر الموسيقى، والزحام، ويد عز الصغيرة الممسكة بيدي أمام الكاميرا.

لكنني لم أتذكر الدم.

ولم أتذكر الساعتين.

نظرت إلى الصورة في حجري، إلى ابتسامتي القديمة، وإلى نصف وجه فؤاد السيوفي في الخلفية.

ثم نظرت إلى عز.

للمرة الأولى، لم أرَ طفلًا ولا رجلًا.

رأيت بابًا مغلقًا.

بابًا يعرف اسمي.

والأسوأ أنني أنا التي ركبت معه وبدأت أبحث عن المفتاح.
                       

رواية عز وغزل

عز وغزل
7.0

عز وغزل

مشاهدة

نبذه عن الرواية

روايه عز وغزل في حي روض الفرج بالقاهرة. غزل ست عندها 36 سنة، عايشة حياة هادية وبتتحمل مسؤولية والدتها وبيتها. حياتها بتتقلب لما عز، ابن جيرانهم اللي شافته وهو طفل، يرجع بعد غياب طويل وهو عنده 20 سنة. عز بقى شاب غامض وقاسي، عنده علاقات كتير، ومش بيؤمن بالحب ولا بيثق في أي حد. غزل في البداية بترفض طريقته المتحكمة وبتشوفه مجرد شاب مغرور ومتهور. لكن صورة قديمة من فرح أخته بتجمعهما تقودهم لسر خطير متعلق بموت والد عز. غزل بتكتشف إنها اختفت ساعتين ليلة الفرح، وإن فيه جزء كامل من الليلة مش قادرة تفتكره. عز بيحاول يحميها بطريقته القاسية، بينما هي بتحاول تعرف الحقيقة من غير ما تخضع لأوامره. وسط المطاردات والأسرار والغيرة، غزل بتبدأ تنجذب لعز رغم فارق السن الكبير وعدم ثقتها فيه. فهل يتحول الصدام بين عز وغزل إلى حب حقيقي، ولا تكون عودة عز بداية خطر يدمر حياتهما؟

تفاصيل الرواية

التصنيف: للبالغين - رومانسية - جريمة وتحقيق - مراهقه
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
مشاهدة:

الشخصيات

اسم الشخصية
غزل
عندها 36 سنة ومن سكان روض الفرج. امرأة محترمة، مسؤولة وقوية، بتشتغل مديرة إدارية وبتعتني بوالدتها. تعرف عز من طفولته، ولذلك تجد صعوبة في رؤيته كرجل بعد عودته. بتعيش صراعًا بين عقلها اللي بيحذرها منه وقلبها اللي بدأ ينجذب له رغم قسوته وغموضه.
اسم الشخصية
عز
شاب عنده 20 سنة، عاش طفولته في روض الفرج قبل ما يختفي من حياة غزل لسنوات. يرجع للقاهرة بشخصية مختلفة تمامًا: واثق، حاد، كتوم، كثير العلاقات، ومش مهتم بالحب. دخل عالم المال والأعمال رغم صغر سنه، وبيحقق سرًا في مقتل والده. بيحاول يحمي غزل، لكن طريقته المتحكمة وكذبه المستمر بيخلّوها تشك فيه.
اسم الشخصية
نادين
فتاة غامضة تعرف عز وتحاول الوصول إليه عن طريق غزل. سبق لها رؤية الصورة القديمة، وظهرت أمام شركة غزل قبل ما تهرب في سيارة رمادية. علاقتها الحقيقية بعز وفؤاد ما زالت غير واضحة.
اسم الشخصية
خالتي اعتماد
خالة غزل وصاحبة البيت اللي بتلجأ إليه غزل ووالدتها بعد بداية التهديدات. شخصيتها اجتماعية وقريبة من العائلة، وبيتها يتحول إلى مكان مؤقت لحماية والدة غزل.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

ياسين وعطر الفصل الثاني | فراشات ياسين

جاري التحميل...

فراشات ياسين

ولهذا لم يكن منطقياً أن تشغل فتاة جامعية جزءًا من تفكيره. لكن الغريب أنها فعلت. ليس لأنها جميلة. فقد عرف نساء كثيرات أجمل منها.

تحميل الفصول...
المؤلف

                       الفصل الثاني: مشكلة اسمها عطر

لم يفكر ياسين في عطر مرة أخرى.

على الأقل هذا ما أقنع نفسه به.

كان معتادًا على مقابلة عشرات الأشخاص يوميًا. رجال أعمال، مستثمرون، موظفون، طلاب، وحتى أشخاص يحاولون التقرب منه لأسباب مختلفة.

ولهذا لم يكن منطقياً أن تشغل فتاة جامعية جزءًا من تفكيره.

لكن الغريب أنها فعلت.

ليس لأنها جميلة.

فقد عرف نساء كثيرات أجمل منها.

وليس لأنها مميزة بشكل خارق.

بل لأنها كانت أول شخص منذ وقت طويل يتحدث معه دون حسابات.

ودون خوف.

ودون محاولة إرضائه.

وهذا وحده كان نادرًا.

بعد أسبوع كامل من المؤتمر عاد كل شيء إلى طبيعته.

أو هكذا ظنت عطر.

كانت جالسة مع مريم في كافتيريا الجامعة عندما دخل أحد المشرفين الأكاديميين.

بدأ ينادي بعض الأسماء.

ثم قال:

عطر إبراهيم.

رفعت رأسها.

نعم؟

مطلوب حضورك إلى مكتب عميد الكلية.

تجمدت.

ثم نظرت إلى مريم.

ماذا فعلت؟

ضحكت مريم.

القائمة طويلة.

وقفت عطر وهي تتمتم:

أقسم أنني بريئة هذه المرة.

عندما وصلت إلى مكتب العميد كانت تتوقع مشكلة أكاديمية.

أو إنذارًا جديدًا بسبب التأخير.

أو أي شيء آخر.

لكنها وجدت قاعة صغيرة بداخلها عدد من الطلاب.

جلسوا جميعًا حول طاولة مستديرة.

قال العميد:

تم اختياركم ضمن لجنة الطلاب المشاركة في تنظيم ملتقى الأعمال المقبل.

تنفست براحة.

الحمد لله.

أكمل العميد:

وستكون هناك زيارات ميدانية لبعض الشركات الكبرى.

بدأ الحماس يظهر على الوجوه.

أما عطر فسألت:

أي شركات؟

ذكر عدة أسماء.

ثم قال الاسم الأخير.

مجموعة السيوفي.

اختفت ابتسامتها فورًا.

اسم واحد فقط كان كافيًا.

ياسين.

في مساء اليوم نفسه كانت تتحدث مع خالد.

فقال بعد أن سمع الخبر:

لا أصدق.

ماذا؟

من بين آلاف الشركات اختاروا شركته.

حظ سيئ.

نظر إليها باستغراب.

لماذا؟

لا يعجبني.

ضحك خالد.

مر أسبوع وأنت تتحدثين عنه.

لأنه مستفز.

وهل تعرفينه أصلًا؟

لا.

إذًا كيف حكمتِ عليه؟

فتحت فمها للإجابة.

لكنها اكتشفت أنها لا تملك جوابًا حقيقيًا.

فصمتت.

بعد أربعة أيام.

وصلت الحافلة التي تقل الطلاب إلى مقر مجموعة السيوفي.

كان المبنى أكثر ضخامة مما توقعت عطر.

الواجهات الزجاجية.

الحراسة.

النظام.

وكل شيء يبدو رسميًا أكثر من اللازم.

همست لمريم:

أشعر أنني دخلت عالمًا آخر.

وأنا أيضًا.

استقبلهم موظفو العلاقات العامة.

ثم بدأوا الجولة.

كل شيء سار بشكل طبيعي حتى وصلوا إلى الطابق الأخير.

وهناك حدث ما لم تتوقعه عطر.

كان ياسين يخرج من أحد الاجتماعات.

والصدفة جعلته يمر أمام المجموعة مباشرة.

توقف الجميع تلقائيًا.

أما هو فاكتفى بنظرة سريعة.

ثم أكمل سيره.

لكن أحد المسؤولين أوقفه.

أستاذ ياسين، هذه مجموعة طلاب الجامعة.

نظر إليهم.

وألقى تحية مختصرة.

ثم وقعت عيناه على عطر.

ثانيتان فقط.

لكنها كانت كافية.

قال بهدوء:

أنتِ مجددًا.

ردت فورًا:

يبدو أن الحظ لا يحبني.

في الخلف كاد بعض الطلاب يختنقون.

كيف تتحدث هكذا معه؟

أما ياسين فاكتفى بالنظر إليها دون تعبير.

ثم قال:

أو ربما لا يحبني أنا.

وغادر.

ساد الصمت لعدة لحظات.

ثم انفجرت المجموعة بالكلام.

هل تعرفينه؟

ماذا حصل؟

لماذا خاطبكِ هكذا؟

رفعت عطر كتفيها.

لا أعرف.

لكن في الحقيقة...

بدأ فضولها يزداد أكثر.

في نفس اليوم...

كان سامر داخل مكتب ياسين.

وقال مبتسمًا:

أعتقد أن الفتاة تكرهك.

رفع ياسين عينيه عن الملفات.

أي فتاة؟

الجامعية.

لا يهمني.

واضح جدًا أنه لا يهمك.

عاد ياسين للعمل.

لكن سامر ضحك.

لأنه يعرف أن رئيسه لم ينكر الأمر مباشرة.

وهذا بحد ذاته تقدم تاريخي.

مرت الأيام.

وفي الجامعة استمرت حياة عطر كعادتها.

محاضرات.

ضحك.

مشكلات صغيرة.

ومحاولات فاشلة للاستيقاظ مبكرًا.

لكن حدثًا غير متوقع وقع في منتصف الفصل الدراسي.

كان أحد الأساتذة يشرح مشروعًا جديدًا.

ثم أعلن:

العمل سيكون في مجموعات ثنائية.

بدأ الطلاب باختيار شركائهم.

حتى بقيت عطر وحدها تقريبًا.

فقال الأستاذ:

بما أنك متأخرة كعادتك، ستكونين ضمن الفريق المشرف على المشروع الخارجي.

قطبت جبينها.

ما المشروع الخارجي؟

ابتسم الأستاذ.

ابتسامة لم تعجبها أبدًا.

بالتعاون مع مجموعة السيوفي.

أغمضت عينيها.

وقالت في نفسها:

"انتهيت."

بعد يومين.

وصل البريد الإلكتروني الرسمي.

وكان المطلوب من المجموعة الطلابية إعداد دراسة ومقابلات داخل الشركة.

مما يعني زيارات متكررة.

ومتابعة مباشرة.

وأسوأ ما في الأمر...

أن المشرف النهائي على المشروع كان ياسين شخصيًا.

عندما قرأت الاسم للمرة الثالثة قالت:

مستحيل.

أما ياسين.

فقد رفض المشروع منذ البداية.

لكنه تلقى اتصالًا من رئيس الجامعة.

ثم من أحد الشركاء.

ثم من والده.

فوافق في النهاية.

على مضض.

وكان مقتنعًا أن الأمر كله مضيعة للوقت.

في أول اجتماع رسمي.

دخل الطلاب إلى قاعة الاجتماعات.

وجلسوا في أماكنهم بسرعة.

أما عطر فتأخرت ثلاث دقائق.

دخلت.

فوجدت الجميع جالسين.

بمن فيهم ياسين.

الذي كان ينظر إلى ساعته.

ثم إليها.

قال بلا انفعال:

الاجتماع بدأ منذ ثلاث دقائق.

أجابت وهي تجلس:

أعلم.

طالما تعلمين فلماذا تأخرتِ؟

الزحام.

عذر ضعيف.

اشتعلت عيناها.

لكنه حقيقي.

أغلق الملف أمامه.

في عالم العمل النتائج أهم من الأعذار.

شعرت برغبة في الرد.

لكنها تماسكت.

جلست بصمت.

فبدأ الاجتماع.

كان أسلوب ياسين صعبًا.

صارمًا.

ولا يجامل أحدًا.

كل تقرير يجب أن يكون مثاليًا.

كل معلومة دقيقة.

كل موعد محترم.

وفي نهاية الأسبوع الأول كان أغلب الطلاب قد فقدوا حماسهم.

أما عطر فكانت أكثرهم انزعاجًا.

وفي أحد الأيام...

قالت لمريم:

أعتقد أنه وُلد غاضبًا.

ضحكت مريم بقوة.

ربما.

أقسم أنه يبحث عن الأخطاء بالمجهر.

ومع ذلك كل ما يقوله صحيح.

توقفت عطر.

ثم قالت بغضب أكبر:

هذه هي المشكلة.

لكن شيئًا آخر بدأ يحدث.

عطر التي كانت تراه مجرد شخص متكبر...

بدأت تلاحظ أمورًا مختلفة.

في أحد الأيام دخل أحد الموظفين الشباب إلى المكتب.

وكان متوترًا بشدة.

أخطأ في عرض مهم.

وتوقعت عطر أن يطرده ياسين أمام الجميع.

لكن المفاجأة كانت غير ذلك.

قال له:

أخطأت.

آسف أستاذ.

تعلم من الخطأ ولا تكرره.

حاضر.

أعد العرض خلال ساعتين.

حاضر.

ثم انتهى الأمر.

بهدوء.

دون إهانة.

دون صراخ.

عادت عطر إلى منزلها وهي تفكر.

"إذًا ليس وحشًا كما يقال."

ثم هزت رأسها بسرعة.

"لا... ما زال مستفزًا."

في المقابل...

بدأ ياسين يلاحظها أكثر مما يجب.

كانت مزعجة.

تتحدث كثيرًا.

تجادله أحيانًا.

وتتأخر دائمًا.

لكنها كانت مختلفة عن الآخرين.

لم تكن تحاول التقرب منه.

أو لفت انتباهه.

بل على العكس.

بدا أحيانًا أنها تتمنى تجنبه تمامًا.

وذلك أمر لم يعتد عليه.

ذات مساء انتهى اجتماع متأخر.

وغادر الجميع.

إلا عطر.

كانت لا تزال تبحث عن بعض الملفات.

لاحظ وجودها.

فسأل:

لماذا لم تغادري؟

رفعت رأسها.

أبحث عن تقرير.

الجميع خرج.

أعلم.

والجامعة انتهت منذ ساعات.

أعلم أيضًا.

نظر إليها لحظة.

ثم قال:

أنتِ عنيدة.

فوجئت.

ماذا؟

عنيدة.

قالها شخص يعرف نفسه جيدًا.

للمرة الثانية منذ عرفها...

ظهرت تلك الابتسامة الخفيفة جدًا على وجهه.

واختفت بسرعة.

لكنها رأتها.

ورأى هو أنها رأتها.

فساد صمت غريب.

لأول مرة.

لم يكن مزعجًا.

في طريق العودة للمنزل ظل عقل عطر مشغولًا.

وهذا أغضبها.

لماذا تفكر فيه أصلًا؟

هو ليس شخصًا لطيفًا.

ولا مرحًا.

ولا يشبه أحلام الفتيات.

بل إنه أكبر منها بأحد عشر عامًا تقريبًا.

ومن الواضح أنه لا يهتم بأحد.

إذن لماذا؟

لم تجد جوابًا.

أما ياسين.

فعاد إلى شقته كعادته.

لكن سامر اتصل به.

هل انتهى الاجتماع؟

نعم.

وكيف كانت الفتاة المشاغبة؟

أغلق ياسين الملف أمامه.

ما المشكلة معك؟

ضحك سامر.

لا شيء.

تصبح على خير.

إذًا أعجبتك؟

انقطع الخط فورًا.

في اليوم التالي...

وصلت عطر إلى الشركة مبكرًا للمرة الأولى.

وكان هذا حدثًا تاريخيًا.

دخلت إلى الطابق المخصص للاجتماعات.

لكن القاعة كانت فارغة.

ما عدا شخص واحد.

ياسين.

كان يجلس وحده يراجع مستندات.

رفع رأسه عندما دخلت.

نظر إلى الساعة.

ثم قال:

وصلتِ مبكرًا.

ابتسمت بانتصار.

نعم.

هل ضللتِ الطريق بالأمس؟

اتسعت عيناها.

ثم أدركت أنه يسخر منها.

لثانية كاملة.

لم تصدق ذلك.

قالت:

هل كانت هذه مزحة؟

عاد إلى أوراقه.

لا تبالغي.

لكنها بدأت تضحك.

ومن المرة الأولى...

وجد نفسه ينظر إليها دون أن يقاطعها.

مجرد ينظر.

بهدوء.

وكأنه يحاول فهم شيء لا يفهمه.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة...

شعر ياسين أن حياته الهادئة والمنظمة بدأت تتغير ببطء.

ولم يكن يعرف إن كان ذلك أمرًا جيدًا أم سيئًا.

لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط.

عطر لم تعد مجرد فتاة قابلها بالصدفة.

وأصبحت مشكلة حقيقية.

المشكلة الوحيدة...

أنه لم يكن يريد حلها.

نهاية الفصل الثاني.
                       

روايه ياسين وعطر - (الفصل الأول)

جاري التحميل...

رجل لا يحب النساء

في الفصل الأول، عطر بتقابل ياسين بالصدفة أكتر من مرة بدون ما تعرف حقيقته. ولما تكتشف إنه رجل الأعمال الشهير اللي الكل بيخاف منه، تقرر مواجهته بطريقتها العفوية. أول مواجهة بينهم كانت قدام جامعة كاملة. ومن هنا بدأت شرارة الصدام اللي هتغير حياة الاتنين.

تحميل الفصول...
المؤلف

                       ياسين وعطر
                      الفصل الأول: رجل لا يحب النساء

كان اسمُه ياسين.

وفي المدينة كلها، كان هناك شيء واحد يتفق عليه الجميع: لا أحد يفهم هذا الرجل.

البعض يراه ناجحًا بشكل مرعب.

البعض يراه متكبرًا.

والبعض يراه مريضًا نفسيًا.

أما هو، فلم يكن يهتم.

في الساعة السادسة صباحًا، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام مبنى ضخم مكون من ثمانية طوابق.

نزل ياسين من السيارة دون أن ينظر حتى إلى السائق.

كان طويل القامة، يرتدي بدلة داكنة، وخطواته ثابتة بشكل يجعل أي شخص يبتعد تلقائيًا من طريقه.

دخل المبنى.

وقف الموظفون.

بدأت التحيات.

لكنه لم يرد على أحد.

فقط تابع سيره حتى وصل إلى المصعد.

عندما أغلق الباب، تنفس الجميع براحة.

قال أحد الموظفين هامسًا:

والله هذا الرجل يخوف.

رد الآخر:

يخوف؟ هذا يطرد الناس من النظر إليه فقط.

ضحك الثالث.

ومع ذلك كل شركاته تنجح.

في الطابق الأخير، جلس ياسين خلف مكتبه.

أمامه ملفات كثيرة.

وعلى اليمين هاتف لا يتوقف عن الرنين.

نظر إلى الشاشة.

"رقم غير محفوظ."

أغلق المكالمة.

رن الهاتف مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

أخيرًا أجاب.

نعم؟

جاءه صوت امرأة.

أستاذ ياسين... لماذا لا ترد على رسائلي؟

أغلق الخط مباشرة.

عاد للعمل.

وكأن شيئًا لم يحدث.

بعد ثوانٍ دخل مساعده سامر.

أستاذ ياسين.

ماذا؟

السيدة نفسها موجودة بالخارج.

رفع ياسين عينيه ببطء.

أخبرها أنني مشغول.

فعلت.

إذًا لماذا أخبرتني؟

ارتبك سامر.

لأنها ترفض المغادرة.

وقف ياسين.

فتح الباب.

خرج إلى الاستقبال.

كانت امرأة في منتصف العشرينات تنتظره.

عندما رأته ابتسمت فورًا.

لكن الابتسامة اختفت بسرعة.

لأن نظرته كانت باردة بشكل صادم.

قالت:

أردت فقط أن نتحدث.

رد:

انتهى الحديث قبل شهر.

لكن...

انتهى.

ياسين...

غادري.

سكت الجميع في المكان.

حتى أصوات الطابعات اختفت.

كانت المرأة تنظر إليه وكأنها غير مصدقة.

ثم هزت رأسها وغادرت.

عاد هو إلى مكتبه وكأن شيئًا لم يكن.

سامر تنهد.

وقال في نفسه:

"هذا الرجل مستحيل أن يحب أحدًا."

في جهة أخرى من المدينة...

كانت عطر تتأخر كعادتها.

ركضت عبر بوابة الجامعة وهي تحمل حقيبتها وكتابين وهاتفًا وكوب قهوة كاد يسقط عشر مرات.

صرخت صديقتها مريم:

عطر!

التفتت.

لوحت لها بيدها.

ثم اصطدمت بطالب يحمل مجموعة ملفات.

تساقط كل شيء أرضًا.

قال الشاب بغضب:

انتبهي!

ردت:

أنت من ظهر فجأة.

أنا كنت أمشي.

وأنا أيضًا كنت أمشي.

كنت تركضين.

تفاصيل.

ظل ينظر إليها لثانية.

ثم انفجر ضاحكًا.

ضحكت هي أيضًا.

وبدأ الاثنان بجمع الأوراق.

اقتربت مريم.

هل بدأت المشاكل مبكرًا اليوم؟

قالت عطر:

اليوم ممتاز جدًا.

لأنك تأخرت فقط خمس دقائق؟

بالضبط.

كانت عطر مختلفة عن كثير من الفتيات.

مرحة.

كثيرة الكلام.

فضولية جدًا.

وأحيانًا تتصرف قبل أن تفكر.

عمرها تسعة عشر عامًا.

في سنتها الجامعية الثانية.

وتعيش مع والدها وأخيها الأكبر خالد.

والدتها توفيت وهي صغيرة.

ورغم ذلك لم تسمح للحزن بأن يسرق شخصيتها.

كانت ترى الحياة مغامرة كبيرة.

وكانت مقتنعة أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث للإنسان هو الملل.

وللأسف...

كانت على وشك مقابلة أكثر شخص يكره المغامرات في العالم.

بعد انتهاء المحاضرات خرجت عطر مع صديقتها.

جلسا في مقهى صغير قريب من الجامعة.

وبينما تتحدثان...

دخل رجلان يرتديان بدلات رسمية.

جلسا بالقرب منهما.

وبدأ حديثهما يجذب الانتباه دون قصد.

قال الأول:

الاجتماع مع ياسين كان كارثة.

رد الثاني:

ياسين دائمًا كارثة.

أقسم أنه طرد ثلاثة مديرين في نصف ساعة.

ضحكت عطر.

دون أن تشعر.

التفت الرجلان إليها.

فقالت بسرعة:

آسفة.

سألها أحدهما:

لماذا تضحكين؟

قالت:

أحاول تخيل شخص يطرد ثلاثة مديرين في نصف ساعة.

رد الرجل:

لو رأيتِه ستصدقين.

لهذه الدرجة؟

أكثر.

أنهى الرجلان حديثهما وغادرا.

لكن الاسم بقي عالقًا في ذهنها.

ياسين.

في المساء...

كان خالد يجلس في المنزل يتابع مباراة كرة قدم.

دخلت عطر وجلست بجواره.

قالت:

هل تعرف شخصًا اسمه ياسين؟

فورًا التفت إليها.

أي ياسين؟

لا أعلم.

لماذا تسألين؟

مجرد فضول.

قال خالد:

إذا كان ياسين السيوفي فأبتعدي عن اسمه حتى.

ضحكت.

لماذا؟

رجل معقد.

تعرفه؟

تعاملت معه مرة واحدة.

وكيف كان؟

صمت خالد ثوانٍ.

ثم قال:

لا أعرف كيف أشرح.

حاول.

كأنك تتحدث مع جدار يعرف كل شيء عنك.

رفعت حاجبيها.

هذا الوصف مخيف.

لأنه مخيف.

في نفس الوقت...

كان ياسين يجلس وحده.

شقة واسعة.

هادئة.

مرتبة بشكل مبالغ فيه.

لا صور عائلية.

لا ذكريات.

لا تفاصيل شخصية.

فقط نظام.

وصمت.

أخذ كوب القهوة.

ووقف أمام النافذة.

المدينة تلمع بالأضواء.

لكنه بدا منفصلًا عنها تمامًا.

رن هاتفه.

هذه المرة أجاب مباشرة.

نعم.

جاءه صوت رجل كبير.

ما زلت تعمل؟

نعم.

الساعة الحادية عشرة.

ثم؟

تنهد الرجل.

والد ياسين.

يجب أن تفكر في الزواج يومًا ما.

أغلق ياسين عينيه.

هذا الموضوع مجددًا.

قال:

تصبح على خير.

ياسين...

لكن الخط كان قد انقطع بالفعل.

في اليوم التالي...

استيقظت عطر متأخرة جدًا.

وهكذا بدأت كارثة جديدة.

ركضت نحو الجامعة.

وصلت إلى القاعة.

دخلت قبل إغلاق الباب بثانية.

تنفست براحة.

لكن الأستاذ أوقفها.

آنسة عطر.

نعم؟

كم مرة تأخرت هذا الشهر؟

ابتسمت ابتسامة بريئة.

قليلًا؟

إحدى عشرة مرة.

لا يبدو رقمًا كبيرًا.

ضحك بعض الطلاب.

أما الأستاذ فقال:

اجلسي قبل أن أندم على السماح لك بالدخول.

جلست فورًا.

وهي تهمس لصديقتها:

نجوت.

بعد ساعات...

انتهى الدوام.

لكن عطر قررت الذهاب إلى المكتبة المركزية لإعادة بعض الكتب.

دخلت المبنى الكبير.

وبينما كانت تصعد الدرج...

اصطدمت بشخص مرة أخرى.

وهي موهبة أصبحت تتقنها.

لكن هذه المرة لم تسقط الكتب فقط.

بل سقط هاتف الرجل أيضًا.

انحنت بسرعة.

آسفة جدًا.

التقطت الهاتف.

ثم رفعت رأسها.

وتجمدت.

ليس لأنها تعرف الرجل.

بل لأن نظرته وحدها كانت كافية لإرباك أي شخص.

قال بهدوء حاد:

هل انتهيتِ من التأمل؟

أعطته الهاتف فورًا.

آسفة.

أخذ الهاتف.

ونظر إليه.

ثم إليها.

ثم غادر.

فقط هكذا.

بلا كلمة أخرى.

بلا ابتسامة.

بلا أي شيء.

وقفت عطر مكانها.

تتابع ابتعاده.

ثم قالت لنفسها:

يا له من شخص لطيف.

قبل أن تضيف ساخرة:

أو ربما لا.

لم تكن تعلم أن ذلك الرجل هو نفسه ياسين.

ولم يكن ياسين يعلم أن تلك الفتاة ستتحول لاحقًا إلى أكثر شخص يعكر هدوء حياته.

بعد ثلاثة أيام...

دعت الجامعة مجموعة من رجال الأعمال لحضور مؤتمر عن ريادة الأعمال والاستثمار.

وكان من بين الضيوف...

ياسين.

وصلت السيارات أمام المبنى الجامعي.

وتحركت الإدارة لاستقبال الحضور.

كل شيء كان منظمًا.

حتى دخل ياسين.

فأصبح التوتر واضحًا.

بعض الأساتذة يعرفون سمعته.

وبعض الطلاب سمعوا عنه.

أما هو فكان يسير وكأنه جاء لإنهاء مهمة لا أكثر.

في القاعة الكبرى...

بدأت الكلمات الرسمية.

ثم جاء دوره.

وقف أمام المنصة.

أخذ الميكروفون.

وساد الصمت.

قال:

أغلب الناس يظنون أن النجاح يحتاج حظًا.

توقف.

وهذا أول سبب للفشل.

بدأت الأنظار تتركز عليه فورًا.

أكمل:

البعض ينتظر الفرص. والبعض يصنعها. الفرق بين الاثنين قد يساوي عشر سنوات من العمر.

كان يتحدث بثقة غريبة.

لا يحاول إقناع أحد.

بل كأنه يقرر حقائق فقط.

في الصفوف الخلفية كانت عطر تستمع.

وفي البداية لم تهتم.

لكنها مع الوقت بدأت تركز.

ثم اتسعت عيناها فجأة.

همست لمريم:

هذا هو!

من؟

رجل الهاتف!

أي هاتف؟

الرجل الذي اصطدمت به في المكتبة.

نظرت مريم إلى المنصة.

ثم عادت إليها.

هذا؟

نعم.

يبدو مخيفًا.

جدًا.

بعد انتهاء المؤتمر...

سُمح للطلاب بطرح الأسئلة.

وقف أحدهم.

طرح سؤالًا طويلًا جدًا.

أجاب ياسين بجملة قصيرة.

ثم جلس الطالب محبطًا.

وقف آخر.

حصل على النتيجة نفسها.

بدأ الهمس ينتشر في القاعة.

أما عطر فكانت تراقب المشهد وتكاد تضحك.

ثم رفعت يدها.

المفاجأة أن ياسين أشار إليها مباشرة.

وقفت.

وقالت:

عندي سؤال.

تفضلي.

هل أنت دائمًا بهذه الجدية؟

ساد الصمت.

تحولت عشرات الرؤوس نحوها.

حتى العميد بدا مصدومًا.

أما ياسين...

فنظر إليها لثوانٍ.

وتعرف عليها فورًا.

فتاة المكتبة.

قال أخيرًا:

هل هذا سؤالك؟

نعم.

إذًا نعم.

ضحك بعض الطلاب.

لكن عطر لم تتراجع.

قالت:

ولماذا؟

لأنه لا يوجد سبب يجبرني على العكس.

هذا ليس جوابًا.

يكفي.

ردت بسرعة:

بالنسبة لك ربما.

ازدادت الهمسات.

ولأول مرة منذ بداية المؤتمر...

ظهر شيء قريب جدًا من الابتسامة على وجه ياسين.

اختفى خلال لحظة.

لكنه كان موجودًا.

ثم قال:

سؤال آخر.

وفهم الجميع أن الحديث انتهى.

لكن عطر لم تنسَ ذلك.

ولا هو نسيها.

بعد انتهاء الفعالية...

كان ياسين يغادر الجامعة.

فتح باب السيارة.

لكن سامر قال:

الفتاة التي سألتك موجودة هناك.

نظر ياسين دون اهتمام.

كانت تتحدث مع صديقاتها وتضحك.

قال سامر:

يبدو أنها لا تخاف منك.

رد ياسين:

لا تعرفني.

ثم ركب السيارة.

وانطلقت.

لكن عينيه بقيتا للحظة في اتجاهها.

قبل أن يشيح بنظره نهائيًا.

في تلك الليلة...

عادت عطر إلى منزلها.

وأثناء تناول العشاء بدأ خالد الحديث.

سمعت أن رجل الأعمال ياسين حضر جامعتكم.

اتسعت عيناها.

كيف عرفت؟

الأخبار تنتشر.

قابلته.

ماذا؟

وسألته سؤالًا.

أنزل خالد الملعقة فورًا.

ماذا فعلتِ؟

لا شيء.

ماذا سألته؟

عندما أخبرته...

أمسك رأسه بيده.

أنتِ مجنونة.

لماذا؟

لأن هذا الرجل لا يمزح.

ضحكت.

وأنا لم أمزح.

لكن في داخلها...

كانت تفكر في شيء آخر.

شيء غريب.

لم يعجبها ياسين.

في الحقيقة هو آخر نوع من الرجال يمكن أن ترتاح له.

بارد.

قاسٍ.

متحكم.

غامض.

ويبدو وكأنه لا يهتم بأحد.

لكن رغم ذلك...

كان مختلفًا.

ومهما حاولت تجاهل الأمر...

لم تستطع منع فضولها.

أما في الجهة الأخرى من المدينة...

فكان ياسين يجلس أمام مكتبه يراجع بعض الملفات.

فجأة توقف.

وتذكر السؤال.

"هل أنت دائمًا بهذه الجدية؟"

أغلق الملف.

ونظر نحو النافذة.

ثم قال بصوت منخفض:

فتاة مزعجة.

لكنه عاد للعمل بعدها بثوانٍ.

غير مدرك أن تلك الفتاة المزعجة...

ستصبح قريبًا أكبر فوضى دخلت حياته المنظمة بدقة.

وأن هذه لم تكن بداية قصة حب.

بل بداية صدام طويل بين شخصين لا يشبه أحدهما الآخر أبدًا.

نهاية الفصل الأول.
                       

رواية ياسين وعطر

ياسين وعطر
5.0

ياسين وعطر

مشاهدة

نبذه عن الرواية

روايه ياسين وعطر - رجل أعمال عنده 30 سنة، ناجح جدًا لكنه قاسي وبارد ومش بيهتم بمشاعر حد. عطر بنت جامعية عندها 19 سنة، مرحة وعفوية ولسه في سنة تانية جامعة. الصدف الغريبة بتخلي طريقهم يتقاطع أكتر من مرة رغم اختلافهم الكبير. عطر مش معجبة بياسين من البداية، بالعكس شايفاه شخص مستفز ومتكبر. أما ياسين فبيعتبرها مجرد بنت مزعجة بتدخل حياته المنظمة. مع الوقت بيتجمعوا في مشروع جامعي مرتبط بشركته. كل مقابلة بينهم بتخلق صدام جديد ومواقف غير متوقعة. أسرار الماضي وشخصية ياسين المعقدة بتخلي العلاقة أصعب من أي حد متخيل. الرواية مش بتبدأ بحب، لكنها بتبدأ بعدم تقبل وصراع وتحديات مستمرة. ومع كل فصل، بيتحول الفضول والعداء تدريجيًا لمشاعر أعمق وأخطر.

تفاصيل الرواية

التصنيف: رومانسية - مراهقة - مصرية
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
مشاهدة:

الشخصيات

اسم الشخصية
ياسين
رجل أعمال ناجح وصاحب مجموعة السيوفي. شخص بارد وصارم وغامض. عنده سمعة مخيفة وسط الموظفين. لا يهتم بالعلاقات أو الحب. يفضل السيطرة على حياته وكل ما حوله.
اسم الشخصية
عطر
العمر: 19 سنة. طالبة جامعية في السنة الثانية. مرحة وعفوية وكثيرة الحركة. لا تحب القيود أو التعقيد. دائمًا تقع في المشاكل والصدف الغريبة. شخصيتها مختلفة تمامًا عن شخصية ياسين.
اسم الشخصية
خالد
الأخ الأكبر لعطر. يحاول حمايتها دائمًا. يعرف سمعة ياسين ويحذرها منه.
اسم الشخصية
سامر
مساعد ياسين الشخصي. يعرف شخصية ياسين أكثر من الجميع. غالبًا يلاحظ ما لا يلاحظه ياسين عن نفسه.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

روايه عمار وجميله - الفصل الثاني

جاري التحميل...

جميلة وعمار وكريم: مثلث الحكايات

رنت رسالة على هاتفها. فتحتها بسرعة. كان عمار: "أنا وكيمو تحت المستر هيطردنا لو تأخرنا دقيقة كمان، اخلصي يا جيمي." ابتسمت رغم توترها، أخذت حقيبتها الممتلئة بالكتب والملخصات، وأسرعت بالخروج. وعندما فتحت باب الشقة، وجدت والدتها، السيدة نادية، تقف في الممر وعيناها تحملان نظرة عتاب مألوفة. "برضه نازلة معاهم يا جميلة؟" قالت السيدة نادية وهي تكتف ذراعيها.

تحميل الفصول...
المؤلف

                       جميلة كانت تقف أمام مرآة غرفتها، تحاول جاهدة ضبط حجابها، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً. لم يكن التوتر بسبب امتحان اللغة العربية الصباحي هذه المرة، بل كان بسبب تلك النظرة التي استقرت في مخيلتها طوال الليل؛ نظرة يوسف الغامضة، ونظرات عمار التي لم تعد تفهمها، والدعم الهادئ من كريم الذي بات يشعرها بالذنب.

رنت رسالة على هاتفها. فتحتها بسرعة. كان عمار: "أنا وكيمو تحت المستر هيطردنا لو تأخرنا دقيقة كمان، اخلصي يا جيمي."

ابتسمت رغم توترها، أخذت حقيبتها الممتلئة بالكتب والملخصات، وأسرعت بالخروج. وعندما فتحت باب الشقة، وجدت والدتها، السيدة نادية، تقف في الممر وعيناها تحملان نظرة عتاب مألوفة.

"برضه نازلة معاهم يا جميلة؟" قالت السيدة نادية وهي تكتف ذراعيها.

توقفت جميلة والمسؤلية تثقل كتفيها: "يا ماما ما إحنا طول عمرنا بننزل سوا، والسنتر في نفس الشارع."

نادية تنهدت بنبرة حادة بعض الشيء: "زمان غير دلوقتي يا بنتي. أنتوا كبرتوا، والناس في الشارع مفيش وراها غير الكلام. وبعدين والدة عمار دي أنا عارفاها كويس، طريقتها وتلميحاتها مش مريحة، دايماً تحسسني إن ابنها مهندس المستقبل اللي مفيش زيه. ركزي في مذكرتك وبلاش خروج ودخول كتير معاهم."

جميلة شعرت بغصة في حلقها، فوالدتها لم تكن تفوت فرصة إلا وتذكرها بالفوارق الخفية أو بحساسيات الجيرة. "حاضر يا ماما، مش هأتاخر."

نزلت السلالم بسرعة لتتهرب من النقاش. وعندما مرت بالدور الأول، نظرت تلقائيًا نحو شقة يوسف. الباب كان مغلقًا تماماً هذه المرة، لكن كان هناك شعور خانق بالبرودة يخرج من تحت عتبة الباب. لم تلتفت كثيرًا وأكملت هبوطها لتجد عمار وكريم بانتظارها عند المدخل.

عمار كان يستند إلى دراجته النارية الصغيرة، يرتدي قميصًا أبيض خفيفًا ويضع نظارته الشمسية، بينما كان كريم يقف بجانبه ممسكًا بكشكول المراجعة، وعيناه مجهدتان وكأنه لم ينم طوال الليل.

"أخيراً هانم هانم شرفت!" قال عمار وهو يشير بساعته ضاحكًا.

جميلة بنبرة متوترة بعض الشيء: "خلاص بقى يا عمار، ماما كانت بتكلمني في حوار كدا.. يلا بينا."

كريم لاحظ علامات الضيق على وجهها، فاقترب خطوة وسألها بصوت منخفض لا يسمعه عمار: "في حاجة ضايقتك؟ طنط نادية قالتلك حاجة بسببنا؟"

نظرت جميلة إلى كريم، وفوجئت بقدرته الدائمة على قراءة تفاصيل وجهها. "مفيش يا كريم، كلام عادي عن المذاكرة والوقت. يلا عشان نلحق."

عمار تحرك بجانبهما وهم يسيرون نحو السنتر: "بقولكم إيه، بعد الحصة لازم نعدي على المكتبة الكبيرة اللي ورا المحكمة، سمعت إن نزل فيها ملخصات المراجعة النهائية بتاعة التاريخ والفيزياء."

كريم: "أنا هروح معاكم، بس مش هأطول. أبويا قالي النهاردة إنه عايزني في البيت بدري.. شكله في حوار كبير في العمارة."

جميلة انتبهت: "حوار إيه؟ ليه علاقة بالشقة اللي تحت؟"

كريم هز رأسه ببطء: "مش عارف بالظبط، بس سمعته بيتكلم مع عم محمد البواب بلهجة شديدة امبارح بالليل بعد ما رجعنا. أبويا أصلاً مبيرتاحش للحركات الغريبة، وأنتوا عارفين إنه لما بيقلق من حاجة بيبقى صعب."

عمار لوّح بيده بلامبالاة: "يا عم كبر دماغك، تلاقي أبوك بس مضغوط من الشغل. المهم دلوقتي نركز في العربي عشان المستر ده مبيسمّيش."

داخل قاعة السنتر الضخمة، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. مئات الطلاب يتنافسون على المقاعد الأولى، وصوت الأوراق يملأ المكان. جلس الثلاثة في صف واحد؛ جميلة في المنتصف كالعادة، وعمار على يمينها يتهامس مع بعض الأصدقاء، وكريم على يسارها يراجع السطور الأخيرة بتركيز كامل.

أثناء الشرح، كانت جميلة تحاول التركيز مع المستر، لكن عمار التفت إليها فجأة ومرر لها ورقة صغيرة مطوية.
نظرت إليه بدهشة، فأشار لها بعينيه أن تفتحها.
فتحت الورقة أسفل الطاولة بخوف، لتجد رسالة مكتوبة بخطه العشوائي: "شعرِك الطالع من الطرحة ده هيخلي المستر يطردنا إحنا الاتنين، ظبطيه بدل ما أظبطهولك أنا."

شعرت جميلة بموجة من الحرارة تجتاح وجهها. التفتت إليه بغضب مصطنع، لكن قلبها كان يدق بعنف لدرجة خافت أن يسمعها أحد. ظبطت حجابها بسرعة وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. عمار ضحك بصوت مكتوم والتفت للشرح.

كريم شاهدهما. رأى الورقة، ورأى حمرة الخدين على وجه جميلة، ورأى تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا لعمار. شعر وكأن الأوكسجين يقل في القاعة. قبض على قلمه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وظل ينظر إلى السبورة دون أن يستوعب كلمة واحدة مما يقال. كان التوتر العاطفي في تلك المساحة الصغيرة بين المقاعد الثلاثة يكفي لتفجير المكان.

بعد انتهاء الحصة وخروجهم وسط زحام الطلاب، كان الصمت يسود بينهم بشكل غريب، عكس طبيعتهم.

عمار أحس بالأجواء المشحونة: "مالكم؟ قلبتم نكديين كدا ليه بعد الحصة؟ ده أنا حتى مقفل الامتحان!"

كريم بنبرة جافة لم يعتدها عمار منه: "مش كل الناس رايقة زيك يا عمار. في ناس بتفكر في مصلحتها وفي اللي وراها."

عمار توقف في وسط الشارع ونظر لكريم باستغراب: "في إيه يا كريم؟ أنت ملقح عليا كلام من الصبح ليه؟ أنا عملتلك حاجة؟"

كريم وقف في مواجهته، وكان التوتر بينهما قد وصل لذروته: "معملتش يا عمار. بس حس شوية باللي حواليك. مش كل حاجة هزار ولعب وورق بيتكتب في الحصص. إحنا في سنة مصيرية، وجميلة مش ناقصة تشتيت."

جميلة تدخلت بسرعة والذعر يملأ عينيها من هذا الصدام المفاجئ: "كريم! عمار! في إيه؟ أنتوا هتتخانقوا في الشارع؟ كريم، عمار مكنش يقصد حاجة، ده هزار عادي بيننا."

كلمة "بيننا" وقعت على قلب كريم كالسكين. نظر إلى جميلة بنظرة عتاب طويلة مكسورة، ثم التفت لعمار وقال بصوت منخفض وحاد: "تمام.. أنا اللي غلطان. أنا ماشي."

تركهم كريم ومشى بخطوات واسعة وسريعة وسط الحشود، دون أن ينظر خلفه.

بقيت جميلة واقفة مع عمار، وكانت تشعر برغبة في البكاء. الصداقة التي دامت سنوات بدأت تتشقق أمام عينيها.
عمار نظر إلى أثر كريم وهو يحك رأسه بضيق: "هو ماله ده بجد؟ أول مرة يكلمني بالطريقة دي. أنا عملت إيه لكل ده؟"

جميلة بصوت مخنوق: "أنت عارف إن كريم بيمر بضغط كبير يا عمار، وأنت برضه مستفز ساعات. الحوار مكنش مستاهل العصبية دي كلها."

عمار نظر إليها، وتغيرت ملامحه الخفيفة إلى ملامح أكثر جدية وعمقًا: "جميلة.. هو كريم مضايق عشان الورقة؟ ولا عشان حاجة تانية؟"

نظرت إليه جميلة بوجل: "حاجة تانية زي إيه؟"

عمار اقترب منها خطوة، وكانت عيناه تبحثان في عينيها عن إجابة مخفية: "أنتِ عارفة قصدي كويس. كريم مش غبي، وأنا مش غبي. بس في حاجات لو اتفتحت دلوقتي.. كل حاجة بيننا هتبوظ. وأنا مش عايز أخسر حد فيكم."

جميلة شعرت أن الأرض تميد بها. هل عمار يعلم بمشاعر كريم؟ أم يعلم بمشاعرها هي تجاهه؟ التوتر العاطفي بينهما في تلك اللحظة كان ملموسًا، كحبل مشدود على آخره كاد أن ينقطع.

"يلا نرجع يا عمار،" قالت جميلة وهي تدير وجهها لتخفي دموعها، "يلا نرجع عشان الدنيا متبوظش أكتر."

عندما عادوا إلى العمارتهم، كانت الأجواء في المنزل مشحونة بطريقة مختلفة تمامًا.
بمجرد دخول جميلة شقتها، سمعت صوت نقاش حاد يأتي من الصالون. كانت والدتها نادية تتحدث بنبرة غاضبة مع والدها، الأستاذ أحمد.

"أنا بقولك الراجل ده مش مظبوط وطريقته مش عاجباني!" قالت نادية بغضب.

أحمد بصوت هادئ يحاول التهديد: "يا نادية يا حبيبتي، الراجل مستأجر الشقة بعقد رسمي، وجار جديد، ومشفناش منه حاجة وحشة لحد دلوقتي. وبعدين ده راجل مستشار قديم، يعني مقامه كبير."

نادية: "مستشار قديم ومعهوش غير ابن واحد مبيخرجش غير بالليل؟ والأنوار مقفولة؟ وعم محمد البواب بيقول إنه بيسمع أصوات غريبة طالعة من الشقة الفجر؟ أنا مش مرتاحة، والبنت بتنزل وتطلع طول اليوم، أنا خايفة عليها."

جميلة دخلت الصالون ببطء: "في إيه يا ماما؟ بتتكلموا على مين؟ يوسف؟"

التفتت إليها نادية بسرعة: "وأنتِ عرفتي اسمه منين وبتقوليه براحة كدا ليه؟"

جميلة بتلعثم: "عادي.. إحنا شوفناه امبارح وأحنا راجعين أنا وعمار وكريم، وهو عرفنا بنفسه."

ناديا ضربت على صدرها بخفة: "شفتي؟ بدأ يتكلم معاهم ويتعرف عليهم! أنا قايلة من الأول العمارة دي مبقتش أمان. من بكرة مفيش نزول ولا طلوع لوحدك يا جميلة، ومفيش قعدة فوق السطوح دي خالص تاني."

الأستاذ أحمد تنهد وقام من مقعده: "خلاص يا نادية، كبرتي الموضوع. البنت عندها مذكرتها ومش فاضية للكلام ده." ثم نظر لجميلة: "ادخلي يا بنتي ذاكري، ومتركزيش في كلام مامتك كتير، بس برضه خدي بالك."

خرجت جميلة من الصالون وهي تشعر أن الحصار يضيق عليها من كل جانب؛ أهلها يرفضون الجار الجديد، ويرفضون عائلات أصدقائها، والأصدقاء أنفسهم يتفككون.

في نفس الوقت، في الدور الرابع، كان هناك مواجهة أخرى لا تقل حدة.
كريم كان واقفًا في الصالة، ووالده، الحاج توفيق، يجلس ويدخن سجائر بغضب.

"أنا شوفتك واقف مع ابن الراجل اللي تحت ده امبارح،" قال توفيق بنبرة صارمة.

كريم: "يا بابا ده واد في سننا تقريباً، واسمه يوسف، بنتعرف عليه كجار جديد."

توفيق وقف بعصبية ونفض الرماد: "لا جار ولا زفت! الراجل ده أنا عارف تاريخه كويس.. أبوه كان وراه قضايا قديمة وتصفيات حسابات، وجايين يستخبوا هنا في منطقتنا. العيلة دي وراها مصايب، وأنا مش عايز اسمي ولا اسم ابني يتربط بيهم. فاهم ولا لأ؟"

كريم بشك وغموض: "قضايا إيه يا بابا؟ هو أبوه بيشتغل إيه بالظبط؟"

توفيق بنظرة حادة: "مملكش دعوة بيشتغل إيه. ليك دعوة بنفسك وبمستقبلك. والبت بتاعة أحمد اللي في الدور الثالث دي، جميلة.. خف كلام معاها شوية. أمها ست لسانها طويل وبتاعة مشاكل، وأنا مش ناقص قيل وقال في الراية والجاية. ركز في كليتك وبس."

كريم شعر بنبضات قلبه تتسارع غضبًا: "جميلة ملهاش دعوة بأمها يا بابا، وإحنا أصحاب من صغرنا."

توفيق بصوت جهوري قاطع: "أصحاب لما كنتم عيال! دلوقتي كبرتم، وكل واحد يروح لحاله. كلمتي مش هتنزل الأرض يا كريم. ابعد عن الحوارات دي كلها."

ترك كريم الصالة ودخل غرفته وأغلق الباب بعنف. ارتمى على السرير وهو يشعر بالاختناق. والده يرفض جميلة، ويرفض عمار، ويحذره من الجار الجديد بغموض يثير الرعب.

أخرج هاتفه ونظر إلى رقم جميلة. كان يريد الاتصال بها، يريد أن يصرخ ويخبرها بكل ما في قلبه، يعترف لها بحبه الذي يأكله من الداخل، ويحذرها من هذا العالم الذي يتهاوى حولهم. لكنه تردد.. كالعادة. تذكر نظرتها لعمار، فتراجع ووضع الهاتف جانباً وغطى وجهه بيديه.

في منتصف الليل، ساد الهدوء الشارع، لكن القلوب داخل العمارت لم تكن هادئة.

جميلة لم تستطع النوم. كانت تشعر باختناق حقيقي في غرفتها. تذكرت السطوح، مكانهم الآمن. علمت أن والدتها نائمة، فتحركت بخفة شديدة، وفتحت باب الشقة دون صوت، وصعدت السلالم المؤدية إلى السطح. كانت تحتاج إلى الهواء النقي لتتنفس.

عندما فتحت باب السطح، تفاجأت بوجود شخص يجلس على السور في نفس المكان الذي كان يجلس فيه عمار صباحًا. لكنه لم يكن عمار.

كان يوسف.

كان يرتدي سترته السوداء، ويدخن سيجارة ببطء، وعيناه معلقتان بالنجوم. عندما سمع صوت الباب، لم يفزع، بل التفت ببطء شديد وابتسم ابتسامته الغامضة المألوفة.

"كنت عارف إنك هتيجي،" قال يوسف بصوت هادئ اخترق سكون الليل.

تراجعت جميلة خطوة للوراء بخوف: "أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ وده سطح بيتنا إحنا."

يوسف نزل من على السور بخفة واقترب منها عدة خطوات، لكنه ترك مسافة كافية ليجعلها تشعر بالأمان: "السطح ملك العمارة كلها يا جميلة.. وأنا بقيت من سكان العمارة. وبعدين، المكان هنا هادي ومناسب للتفكير، ولا إنتِ شايفة إيه؟"

جميلة بنبرة متوترة تحاول إخفاء خوفها: "أنا نازلة.. مش عايزة مشاكل."

يوسف بصوت منخفض وعميق فيه نبرة غريبة: "ليه خايفة مني؟ عشان الكلام اللي أهلك بيقولوه تحت؟ ولا عشان كريم وعمار محذرينك مني؟"

توقفت جميلة مكانه وسألته بشك: "أنت عرفت منين إنهم بيتكلموا عليك؟"

يوسف ضحك ضحكة قصيرة باردة: "الأصوات في العمارة دي بتطلع بسرعة يا جميلة. الشدران ليها ودان، وأنا وداني قوية شوية. بس متخافيش.. أنا مش جاي أعمل مشاكل لحد. أنا جاي أصلح حاجات قديمة.. حاجات تخصنا كلنا."

جميلة: "تخصنا كلنا إزاي؟ إحنا مانعرفكش أصلاً!"

يوسف اقترب خطوة إضافية، ونظر في عينيها مباشرة في الظلام، وكانت نظرته تحمل كمية مرعبة من الغموض والمعرفة: "أنتِ ممكن تكوني ميعرفنيش.. بس عمار وكريم يعرفوا حاجات كتير.. أو على الأقل أهاليهم يعرفوا. وفي سر قديم في البيت ده، لو اتعرف.. مفيش حاجة هتفضل زي ما هي. لا حبكم، ولا جيرتكم، ولا حتى أصحابك اللي بتتخانقوا عليهم في الشارع."

جميلة شعرت بركبها تهتز: "أنت بتقول إيه؟ سر إيه؟"

يوسف وضع يده في جيبه واستدار ليعود إلى السور: "مش وقته يا جميلة. روحي نامي دلوقتي عشان عندك مذاكرة بكرة. بس خليكي فاكرة.. الحبل لما بيتشد زيادة عن اللزوم.. بيقطع. وأنا هنا عشان أشوف مين اللي هيتوجع أكتر لما يقطع."

لم تنتظر جميلة ثانية أخرى؛ التفتت وركضت نحو الباب، ونزلت السلالم وقلبها يكاد يتوقف من الرعب والتوتر. دخلت شقتها وأغلقت الباب خلفها وهي تلهث، وظلت واقفة خلف الباب تستمع لعلها تسمع خطواته.

في تلك اللحظة، من عين سحرية لشقة الدور الرابع، كان كريم واقفًا يراقب السلم. رأى جميلة وهي تنزل راكضة وعلامات الرعب على وجهها. ورأى بعدها ببضع دقائق يوسف وهو ينزل السلالم بهدوء تام، وهو يبتسم ويدندن بنغمة غامضة.

انقبض قلب كريم. تلاقت خيوط التوتر العاطفي، والرفض الأسري، والغموض المخيف في عقدة واحدة بدأت تلتف حول رقابهم جميعًا، معلنة أن أيام الهدوء قد انتهت بلا عودة.
                       

Pages

×
يتم التحقق من حالة حسابك..
مرحباً بك في شركاء Novlay
حسابك الآن موثق كشريك رسمي. هذه مميزاتك:
إغلاق الروايات إجعل رواياتك حصرية بمقابل مادي يحدده المشتري.
فصول خاصة فصولك متاحة فقط لمن يشتري الرواية كاملة.
أرباح مضمونة تحصل على أرباحك بشفافية عبر وسيلتك المفضلة.
تحكم كامل إدارة تسعير رواياتك ومتابعة مبيعاتك بسهولة.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياً

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياً. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.

رصيدك الحالي
شحن الرصيد
سحب الأرباح
100
10 ج.م
+50 بونص
350
30 ج.م
+150 بونص
650
50 ج.م
توفير!
1500
100 ج.م

كل 1000 عملة = 70 ج.م

Novlay Ad