اللغة: العربية
الرئيسية اكتب

فاتتني صلاة - الفصل الأول (شهوات الدنيا)

جاري التحميل...

شهوات الدنيا

تنظر إلى نفسها. هي فتاة صالحة في جوهرها، تحب الله ورسوله، وتجاهد نفسها في زمان أصبحت فيه الفتن تتخطف الشباب من كل جانب. تفتح درج مكتبها وتخرج مصحفها الصغير، ذلك المصحف الذي يمثل لها طوق النجاة كلما شعرت بالغرق. تفتحه بعشوائية باحثة عن إشارة، عن رسالة سماوية

تحميل الفصول...
المؤلف

                       يا من تبحث في زحام الأيام عن لحظة سكون، ويا من أثقلت كتفيه هموم الدنيا ومغرياتها
                       أهلاً بك في رحاب حكاية تشبهك وتشبهني
                       
                       
                       شباب في عمر الزهور، تصارع أرواحهم شهوات العصر الحديث.
                       
                       في قلب قاهرتنا المحروسة، الممتدة الأطراف، تشرق الشمس لتوقظ ملايين النفوس. في أقصى شرق المدينة، حيث "التجمع الخامس" بشوارعه الواسعة وقصوره الحديثة التي تخطف الأبصار، تستيقظ "ليلى". ابنة الثمانية عشر ربيعاً، ذات الوجه الصبوح الذي يحمل براءة الطفولة وعناد الشباب. تفتح عينيها على رنين هاتفها المحمول الذي لا يهدأ، رسائل، دعوات لخروجات، صور لأحدث صيحات الموضة، وعالم صاخب لا يتوقف عن الدوران. تنظر ليلى إلى الساعة، فتجد أن شمس الضحى قد ارتفعت، وتدرك في تلك اللحظة أن صلاة الفجر قد ضاعت منها مرة أخرى.

تجلس على حافة سريرها الوثير، وتضع وجهها بين كفيها. ثمة غصة في الحلق، وثقل في الصدر لا تفلح كل مغريات الدنيا المحيطة بها في إزالته. هي تعيش في مستوى اجتماعي يحسدها عليه الكثيرون، كل ما تطلبه مجاب، خزانة ملابسها تضج بأفخم الماركات، وصديقاتها ينتظرنها في أرقى مقاهي التجمع. لكن، يا حسرة القلب، ماذا يفيد كل هذا إذا كان الحبل الممدود بينها وبين خالقها قد تراخى؟ تتمتم ليلى بصوت خافت يشبه همس العتاب للنفس: "فاتتني صلاة... يا رب، كيف أقف بين يديك وأنا أضعف من أن أقاوم نومي أو انشغالي؟".

تنهض ليلى وتتجه نحو المرآة، تنظر إلى نفسها. هي فتاة صالحة في جوهرها، تحب الله ورسوله، وتجاهد نفسها في زمان أصبحت فيه الفتن تتخطف الشباب من كل جانب. تفتح درج مكتبها وتخرج مصحفها الصغير، ذلك المصحف الذي يمثل لها طوق النجاة كلما شعرت بالغرق. تفتحه بعشوائية باحثة عن إشارة، عن رسالة سماوية تطبطب على قلبها المنهك من جلد الذات، فتقع عيناها على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. تبتسم ابتسامة باهتة لكنها صادقة، وتدرك أن مجرد إحساسها بالذنب هو بحد ذاته "جهاد"، وأن الله يرى معركتها الصامتة داخل غرفتها الفارهة، ولن يتركها تتخبط وحدها.

وعلى الجانب الآخر من قاهرتنا العظيمة، وتحديداً في حي "المهندسين"، حيث الشوارع لا تنام، وحيث تقاطع الأصوات وزحام السيارات والمارة يصنع سيمفونية الحياة اليومية، يقف "يوسف". شاب في نفس العمر، الثمانية عشر عاماً، مفتول العضلات، يحمل في ملامحه "جدعنة" ابن البلد، وفي عقله طموحاً يعانق السحاب. يوسف يقف مع رفاقه على ناصية أحد الشوارع، يضحكون بصوت عالٍ، يتحدثون عن مباراة الأمس، وعن أحدث السيارات، وعن خططهم للمساء.

في خضم هذا الضجيج المبهج، يرتفع صوت المؤذن من المسجد المجاور يصدح: "حي على الصلاة.. حي على الفلاح". يخترق الصوت أذن يوسف، ليقرع طبول الإنذار في قلبه. ينظر إلى ساعته، يدرك أن صلاة العصر قد حانت، وأنه لم يصلِّ الظهر بعد! لقد كان نائماً بعد سهرة طويلة مع أصدقائه، ثم استيقظ مسرعاً ليلحق بهم دون أن يؤدي حق الله. يحاول أن يستأذن من أصدقائه، فيقول له أحدهم ضاحكاً: "يا عم يوسف، اجلس معنا قليلاً، الصلاة لن تطير، سنصلي جميعاً في المساء".

يا لخطورة هذه الكلمة! "سنصلي في المساء". كم من صلوات جُمعت، وكم من فروض ضُيعت تحت راية هذا العذر الواهي. يشعر يوسف بانقباضة في صدره، ذلك التعب النفسي الذي لا يعرفه إلا من ذاق حلاوة الإيمان ثم ابتعد عنه. هو يعلم يقيناً أن تأخير الصلاة هو أول طريق الهزيمة. يبتسم لأصدقائه ابتسامة مجاملة، ويستدير مبتعداً بحجة أنه بحاجة لشراء شيء ما، ويوجه خطواته نحو المسجد. في طريقه، يناجي ربه في سره بلغة أهل مصر الطيبين: "يا رب، أنا شاب والفتن حولي تكاد تعميني، أصدقائي، الإنترنت، الشارع... كلها تجذبني للأسفل، وأنا أريد أن أصعد إليك، لا تتركني لضعفي يا الله".

يدخل يوسف إلى المسجد، يتوضأ، يغسل وجهه وكأنه يغسل معه هموم الدنيا وذنوب الخلوات وتفاهات المجالس. يقف بين يدي الله، يكبر، ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر له. وحين يركع، تسقط دمعة من عينه على سجاد المسجد العتيق. بعد الصلاة، يمسك بمصحف من المكتبة الخشبية، يفتحه باحثاً عن إجابة لشتات عقله، فتقرأ عيناه: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}. كأنها صفعة إيقاظ، رسالة واضحة، حاسمة لا تقبل التأويل. الصلاة ليست حينما نتفرغ، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه أوقاتنا. يخرج يوسف من المسجد وقد انزاح جبل من على صدره، يشعر أنه استعاد توازنه، وأن الله قد قبل اعتذاره المتمثل في وقوفه بين يديه.

نعود أدراجنا إلى شرق المدينة، إلى ليلى التي تستعد للخروج. ارتدت ملابسها الأنيقة، ووضعت زينتها الخفيفة. تنزل إلى الطابق السفلي حيث تجلس والدتها، سيدة مجتمع راقية، تقول لها بابتسامة: "تبدين رائعة يا ليلى، لا تتأخري الليلة". تومئ ليلى برأسها وتخرج. تلتقي بصديقاتها في مطعم فاخر، الضحكات تتعالى، الأحاديث تدور حول المظاهر والقشور، رحلات الصيف، الماركات العالمية، ومقارنات لا تنتهي. وسط هذا الصخب، تسمع ليلى أذان المغرب.

هنا يبدأ الامتحان الحقيقي. هل تستأذن وتقطع هذا الحديث الممتع لتصلي؟ أم تكتم صوت ضميرها وتكمل سهرتها وتقول لنفسها كما يقول الكثيرون "سأصلي حين أعود"؟ تنظر في وجوه صديقاتها، لا واحدة منهن أبدت اهتماماً بالأذان، كأنه مجرد خلفية صوتية عابرة في الشارع. تشعر ليلى بغربة شديدة، غربة الروح التي تشتاق لوطنها. تتذكر الآية التي قرأتها في الصباح: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}. هذا هو الجهاد يا ليلى! ليس سيفاً ودرعاً، بل هو مخالفة الهوى في لحظة صدق.

تستجمع ليلى شجاعتها، تقف وتقول بأدب ورقي ممزوجين بحزم رقيق: "عذراً يا فتيات، سأذهب لدقائق أصلي المغرب في المكان المخصص للصلاة هنا وأعود". تنظر إليها الصديقات بدهشة، وربما بشيء من الاستغراب، لكن احتراماً في أعينهن بدأ يتشكل. تسير ليلى نحو مصلى السيدات، مع كل خطوة تشعر وكأن قيوداً تتكسر من حولها. تتوضأ، وتقف تصلي. في سجودها، تناجي ربها قائلة: "يا رب، أنا أعيش في عالم يقيس قيمتي بما أرتدي وما أملك، ولكنني أعلم أن قيمتي الحقيقية هي في سجودي لك. ثبتني، فالمغريات كثيرة، وقلبي ضعيف". بعد الصلاة، تفتح تطبيق القرآن على هاتفها الذي كان منذ قليل مصدر إزعاجها، وتقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}. تبتسم وعيناها تلمعان، نعم، إنها حياة الروح، الحياة التي لا تباع في الأسواق ولا تشترى بالأموال.

وفي حي المهندسين، يعود يوسف إلى منزله بعد يوم شاق. المنزل مليء بالدفء، والده يجلس يقرأ الجريدة، ووالدته تعد طعام العشاء. يدخل غرفته، يرمي بجسده المتعب على السرير. يفتح هاتفه، يبدأ في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. صور، فيديوهات، أخبار، محتوى لا ينتهي، يسحب الوقت ببراعة شيطان خفي. يمر الوقت سريعاً، يرفع عينيه ليجد أن العشاء قد أُذن له منذ ساعة، وأنه على وشك النوم. الجسد منهك، والعينان تغمضان رغماً عنه. شيطان الإنس والجن يوسوس له: "لقد صليت العصر في المسجد، أنت متعب، نم وصلي العشاء غداً مع الفجر".

إنها لحظة الحسم، اللحظة التي يختبر فيها صدق العزيمة. يتقلب يوسف في فراشه، التعب النفسي يعود ليهاجمه. لماذا الصلاة ثقيلة هكذا؟ لماذا يحتاج الأمر إلى كل هذه المعاناة اليومية؟ يمد يده إلى المصحف الموضوع على الطاولة بجانبه، وكأنه يطلب الغوث. يفتحه، فتقع عيناه على قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}. يقرأها يوسف مرتين، ثلاث مرات. "وإنها لكبيرة".. نعم يا رب، إنها ثقيلة، لكنك استثنيت "الخاشعين". يدرك يوسف أن الخلل ليس في جسده المتعب، بل في قلبه الذي لم يخشع بما يكفي ليجد في الصلاة راحته وليس عبئه.

ينتفض يوسف من سريره وكأنه جندي سمع نداء قائده. يتحدى التعب، يتوضأ بماء بارد ينعش خلاياه، ويقف يصلي العشاء. يطيل في السجود، يفرغ كل شحنات الغضب والتوتر والقلق التي تراكمت في قلبه طوال اليوم. يبكي وهو يقول: "يا رب، لا تجعلني ممن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، اعصمني من نفسي، فوالله إني أحبك، ولكني أخطئ وأنسى وأضعف". ينهي صلاته ويشعر بسلام عجيب يغمر أركان غرفته، سلام لا يمكن أن يمنحه له ألف مقطع فيديو مضحك على الإنترنت، ولا ضحكات الأصدقاء العالية.

أيها القارئ، تأمل معي حال هذين الشابين. ليلى في التجمع الخامس، ويوسف في المهندسين. لا يعرفان بعضهما، تفصل بينهما أميال من الشوارع والكباري، وتختلف طبيعة التحديات التي تواجههما، لكن المعركة واحدة. معركة الروح ضد الطين، معركة السماء ضد الأرض. كلاهما شاب في مقتبل العمر، الدماء تفور في عروقهما، والمغريات تعرض نفسها عليهما بأبهى حُلة. ليلى تواجه فتن التبرج، والتباهي، والمظاهر الاجتماعية الكاذبة، ومجتمعاً قد يرى الالتزام تخلفاً أو تقييداً للحرية. ويوسف يواجه فتن الصحبة المنفلتة، والملهيات اليومية، وشاشات تسرق الأعمار، ومجتمعاً يغفر للشاب كل زلة بحجة "الطيش".

ولكنهما، ورغم كل شيء، "يجاهدان". يسقطان في تفويت صلاة، نعم. يبكيان من ألم الذنب، نعم. يعانيان من تعب نفسي، نعم. ولكنهما لا يرفعان الراية البيضاء أبداً. كلما تعثرا، وجدا في كتاب الله يداً حانية تمتد لتنتشلهما من وحل اليأس. القرآن، يا سادة، ليس مجرد كتاب يُقرأ للبركة في المآتم والمناسبات، كما اعتاد بعض الناس في أزمان مضت، بل هو "دليل مستخدم" للروح البشرية. هو الكتالوج الإلهي الذي يعرف تماماً أين يكمن الخلل في نفوسنا وكيف يعالجه.

في اليوم التالي، تستيقظ ليلى قبل منبهها بدقائق. الجو لا يزال هادئاً، والشمس لم تشرق بعد. تتذكر مرارة اليوم السابق، وتقرر ألا تذوقها ثانية. تتوضأ، وتقف بين يدي الله في صلاة الفجر. تقرأ من سورة طه: {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}. تتدبر الكلمة الأخيرة "ترضى". وتتساءل في نفسها: هل الرضا الذي نبحث عنه جميعاً في التسوق والمقاهي والسفر، يكمن حقاً في هذه الدقائق القليلة قبل شروق الشمس وغروبها؟ وتأتيه الإجابة يقيناً في قلبها: نعم، والله إنه هنا.

ويوسف، في طريقه إلى الجامعة في صباح قاهري زاحم، يركب الحافلة، يضع سماعاته في أذنيه، لكنه هذه المرة لا يستمع إلى الأغاني الصاخبة، بل يشغل تلاوة هادئة للقرآن. ينظر من النافذة إلى الناس، وجوه متعبة، عيون ساهرة، أجساد تركض خلف أرزاقها. يشعر بالشفقة على كل من يركض في هذه الدنيا دون أن يكون له زاد من السماء. يتذكر عهده الذي قطعه على نفسه البارحة. لن تفوته صلاة بعد اليوم متعمداً. قد ينسى، قد ينام، لكنه لن يتركها استخفافاً أو تكاسلاً. يسمع القارئ يتلو: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}. يبتسم يوسف، ويدعو الله في سره أن يجعله من هؤلاء "الرجال"، وأن يجعل ليلى وكل فتاة تجاهد نفسها من الحرائر اللاتي لا تلهيهن دنيا عن دينهن.

هكذا، يا صديقي القارئ، تسير الحياة. نحن لسنا ملائكة معصومين، ولم نُخلق لنكون كذلك. نحن بشر، من طين وروح. الطين يشدنا إلى الأرض، إلى النوم، إلى الراحة، إلى الشهوات. والروح تشدنا إلى السماء، إلى الطهارة، إلى السجود، إلى الله. وبين الشد والجذب، تقع المعركة، يقع التعب النفسي، وتقع مرارة جملة "فاتتني صلاة". لكن العبرة ليست في ألا تسقط أبداً، العبرة في ألا تستمر في السقوط. العبرة في أن يكون لك مرجعية، كتاب الله، تعود إليه كلما ضلت بك السبل، ليخبرك أن الله غفور رحيم، وأنه يفرح بتوبة عبده المذنب، وأنه، جل جلاله، لا يمل حتى تملوا.

دعنا نتأمل سوياً، بلسان ذلك الزمان الجميل وبفكر هذا العصر المتسارع، أن الوقوف بين يدي الخالق خمس مرات في اليوم والليلة، ليس تكليفاً شاقاً يُراد به تعذيب البشر، بل هو "محطة استراحة" إجبارية في طريق سريع ممتلئ بحوادث الغفلة. ليلى في التجمع حين وقفت تصلي المغرب، فصلت نفسها عن عالم الماديات الزائف، واستعادت إنسانيتها. ويوسف في المهندسين حين كافح نومه ليصلي العشاء، انتصر على شيطان الكسل وأثبت لنفسه أنه يملك زمام أمره.

إن أجمل ما في هذا الدين، أنه دين واقعي. يعلم أن ليلى ستحب الزينة والخروج، ويعلم أن يوسف سيحب الصحبة واللعب، لم يحرمهما من ذلك، بل وضع لهما بوصلة تضمن ألا يضيعا في الزحام. الصلاة هي تلك البوصلة. وكلما شعرا بالضياع، أو بالضعف، أو بالهزيمة أمام مغريات القاهرة التي لا تنام، وجدا في القرآن التربيتة الصادقة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}.

فيا أيها الشاب الذي تقرأ حروفي هذه، ويا أيتها الفتاة التي ترى في ليلى شيئاً من نفسها، لا تجعلوا تفويت الصلاة يحول بينكم وبين الله. الشيطان خطته ذكية جداً، يجعلك تفوت صلاة، ثم يلقي في قلبك يأساً شديداً، ويقول لك: "أنت منافق، كيف تفعل الذنوب ثم تذهب للصلاة؟". إياك أن تصدقه! صلِّ وأنت مذنب، صلِّ وأنت ضعيف، صلِّ وأنت مثقل بالهموم. الصلاة هي التي ستغسل كل ذلك، وهي التي ستنهاك يوماً عن الفحشاء والمنكر.

ها هما ليلى ويوسف، يكتبان كل يوم فصلاً جديداً من فصول جهادهما الأصغر ضد النفس. يسقطان أحياناً، ويقومان أحياناً أخرى. لكن قلبيهما متعلقان بالمساجد، وبسجاد الصلاة، وبآيات بينات تنير الدرب. وفي كل مرة يهمس فيها أحدهما في لحظة ندم: "فاتتني صلاة"، تكون هذه الجملة هي نقطة الانطلاق الجديدة، هي الشرارة التي تضيء محرك العزيمة من جديد، ليعودا إلى الله ركعاً سجداً، مبتغين فضلاً منه ورضواناً، في قصة لا تنتهي من الحب والرجاء والخوف والتوبة، قصة الإنسان في كل زمان ومكان.

هل واجهت في حياتك موقفا شبيها بيوسف أو ليلى وشعرت فيه بذاك الثقل النفسي قبل الصلاة، وكيف تغلبت عليه؟




-----


في ظهيرة يوم جديد، تشتد فيه أشعة الشمس لتغمر شوارع "التجمع الخامس" ببريق يلامس الواجهات الزجاجية للمراكز التجارية الفخمة. هناك، حيث تتسارع وتيرة الحياة ببطء أنيق، كانت "ليلى" تتجول مع ابنة خالتها في أروقة أحد أكبر المتاجر. الألوان الزاهية، الموسيقى الهادئة المنبعثة من زوايا المكان، ورائحة العطور الباريسية التي تعبق في الأجواء، كلها تصنع فقاعة من النشوة المادية التي تسحر الألباب.

كانت ليلى قد أمضت صباحها في الاستعداد لهذا اليوم؛ زينتها متقنة، حجابها منسق بعناية فائقة، وكل تفصيلة في مظهرها تنطق بالأناقة التي تليق بفتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تعيش في هذا المستوى المخملي. وفي غمرة ضحكاتها وانشغالها بقياس إحدى القطع الثمينة، التقطت أذناها صوتاً خافتاً قادماً من هاتفها.. إنه منبه تطبيق الصلاة يعلن دخول وقت أذان العصر.

توقفت ليلى عن الضحك فجأة، وكأن يداً خفية قبضت على قلبها. لقد صلت الظهر بصعوبة قبل خروجها، والآن حان وقت العصر. نظرت إلى وجهها في المرآة الكبيرة الممتدة أمامها، ثم نظرت إلى ابنة خالتها التي كانت مندمجة تماماً في اختيار الملابس. بدأ الحوار الداخلي المعتاد، ذلك التعب النفسي الذي يعتصر الروح: "كيف سأتوضأ الآن؟ سيفسد كل ما وضعته على وجهي من زينة.. المكان هنا مزدحم، وحمامات المتجر غير مريحة.. سأصلي العصر والمغرب جمعاً حين أعود إلى المنزل، الله يعلم نيتي ويعلم أنني لا أتعمد الترك".

إنها خديعة "التأجيل"، يا سيدي، تلك الحيلة الشيطانية الأنيقة التي لا تأتيك بوجه قبيح لتأمرك بترك الصلاة، بل تأتيك في ثوب العقل والمنطق لتقول لك: "أجّلها قليلاً فقط". وقفت ليلى حائرة، تشعر بمرارة الهزيمة تتسرب إلى حلقها. هل تبيع لحظة الوقوف بين يدي ملك الملوك من أجل مساحيق تجميل ستُغسل في نهاية اليوم على أية حال؟

فتحت ليلى هاتفها، وكعادتها حين تضيق بها السبل، لجأت إلى بوصلتها؛ القرآن الكريم. مرت عيناها على قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. توقفت طويلاً عند هذه الآية. الزينة الحقيقية ليست تلك التي تضعها على وجهها لتعجب الناس، بل هي الروح التي تتزين بالطاعة لتقابل رب الناس. أدركت أن الله جميل يحب الجمال، لكن الجمال الذي يطغى على حقه هو قبح مستتر.

بحسم يشبه حسم الفاتحين، أغلقت الهاتف. التفتت إلى ابنة خالتها وقالت بنبرة هادئة لا تقبل الجدال: "سأذهب لأتوضأ وأصلي في مصلى المركز التجاري، انتظريني هنا". أخرجت من حقيبتها مناديل مبللة، ووقفت أمام حوض الغسيل. مع كل مسحة تزيل بها زينتها، كانت تشعر وكأنها تزيل قشرة من قشور الدنيا عن قلبها. وحين لامس الماء البارد وجهها في الوضوء، أحست بانتعاش لم يمنحه لها أغلى مستحضر تجميل في العالم. سجدت ليلى في المصلى الهادئ، ودمعة دافئة تنساب على خدها الخالي من أي زينة، إلا زينة الخضوع لله. في تلك اللحظة، انتصرت ليلى في جولة قاسية من جولات الجهاد النفسي.

نترك شرق العاصمة، ونطير بأرواحنا إلى صخب "المهندسين"، حيث تبدأ الحياة الحقيقية للشباب حين تغيب الشمس. في غرفة "يوسف"، كانت الأضواء خافتة، إلا من إشعاع شاشة زرقاء ضخمة تتوسط الجدار. يوسف، ابن الثامنة عشرة، غارق حتى أذنيه في لعبة إلكترونية تجمعه بأصدقائه عبر الإنترنت. أصوات الرصاص الافتراضي، الضحكات، الصراخ الحماسي، وروح التحدي تسيطر على الأجواء.

تشير الساعة إلى الثانية صباحاً. يوسف يشعر بنعاس يداعب جفونه، لكنه يكابر. "مباراة واحدة فقط وأنام"، يقولها لنفسه للمرة العاشرة. تمر الساعات وكأنها ثوانٍ في بُعد زمني آخر، بُعد تصنعه الشاشات لتسرق به أعمارنا. فجأة، ينسحب أصدقاؤه واحداً تلو الآخر للنوم، فيضطر يوسف لإنهاء اللعب. ينظر إلى الساعة، إنها الرابعة والنصف فجراً. اقترب موعد أذان الفجر.

جسده يصرخ طالباً الراحة، وعيناه تحرقانه من شدة التركيز. يقف ليتجه إلى السرير، فيسمع صوت المؤذن يشق سكون الليل: "الصلاة خير من النوم". يتسمر يوسف في مكانه. خطوتان فقط تفصلانه عن سريره الوثير، وخطوات قليلة تفصله عن حمام غرفته ليتوضأ. هنا تبدأ المعركة الطاحنة. يهمس له التعب: "لقد أرهقت نفسك، نم الآن، أنت شاب وفي حاجة للنمو، صَلِّ الفجر حين تستيقظ في الصباح، الله غفور رحيم".

استسلم يوسف لثقل جسده، وألقى بنفسه على السرير، وغط في نوم عميق في ثانية واحدة.

استيقظ في الحادية عشرة صباحاً، والشمس تملأ غرفته. فتح عينيه، وبدلاً من أن يشعر بالراحة بعد هذا النوم الطويل، انقض عليه شعور ساحق بالانقباض والضيق. لقد فاتته صلاة الفجر. ذلك التعب النفسي الذي لا يعادله تعب، إحساس بأنك قد طُردت من رحمة الله، وأنك خذلته في الوقت الذي ناداك فيه. جلس يوسف على حافة السرير يفرك وجهه بأسى. المعصية تورث في القلب ظلمة لا يجليها إلا نور التوبة.

أمسك يوسف بمصحفه، ذلك الرفيق الذي اتفقنا أنه الدليل المعالج لأمراض القلوب. تصفح آياته بعينين نادمتين، حتى توقف عند قوله تعالى في سورة السجدة: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. قرأها يوسف وشعر وكأن الآية تعاتبه شخصياً. "تتجافى جنوبهم عن المضاجع".. وأنا ملتصق بمضجعي كالأسير! هؤلاء يتركون لذة النوم خوفاً وطمعاً، وأنا أترك نداء ربي من أجل لعبة إلكترونية!

لم يستسلم يوسف لليأس الذي أراد الشيطان أن يغرقه فيه. تذكر أن الجهاد ليس في ألا تخطئ، بل في ألا تصر على الخطأ. نهض مسرعاً، توضأ وصلى الفجر قضاءً، وأطال في سجوده قائلاً بقلب منكسر: "يا رب، غلبتني نفسي، وغلبتني دنياي، فلا تكلني إليهما طرفة عين. يا رب، اجعلني ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ولا تجعلني من الغافلين".

عزيزي القارئ، تأمل هذا التناقض الجميل في حياة البشر. ليلى في التجمع تتحدى فتنة المظهر والمجتمع لتنتصر لصلاتها، ويوسف في المهندسين يسقط في فخ السهر ولكنه ينهض متسلحاً بندمه ليصحح مساره. كلاهما يعاني، كلاهما يتألم نفسياً حين يفقد اتصاله بالله، وكلاهما يجد في آيات القرآن مرهماً يداوي جراح روحه.

المجتمع من حولهما لا يرحم. مجتمع يصم أذنيه عن نداء السماء ليغرق في نداء الأرض. يقولون لليلى: "أنتِ لا تزالين صغيرة، استمتعي بشبابك، الصلاة لن تفوت". ويقولون ليوسف: "كلنا نسهر وننام، ربك رب قلوب". ولكن الشابين أدركا، بفطرتيهما النقية، أن الصلاة ليست فرضاً نؤديه لنرتاح منه، بل هي الأكسجين الذي نتنفسه لنبقى على قيد الحياة. هي الحصن الذي كلما تصدعت جدرانه بسبب فتن الدنيا، أعدنا بناءه بالوضوء والركوع والسجود.

لقد قررت ليلى بعد موقف المتجر أن تحتفظ دائماً في حقيبتها الفاخرة بحقيبة صغيرة أخرى تحتوي على سترة للصلاة وبعض المناديل المزيلة للمكياج، لتكون جاهزة لتلبية النداء أينما كانت، دون أعذار. وقرر يوسف أن يضبط ثلاثة منبهات متعاقبة قبل أذان الفجر، وطلب من والده، ذلك الرجل الطيب، أن يوقظه معه ولا يرحم توسلات نعاسه.

هذه هي الخطوات العملية يا سادة. الإيمان ليس مجرد أمنيات وأحاسيس، بل هو حركة، وتخطيط، وإرادة. وكما كان أجدادنا في قاهرتنا العتيقة يستعدون للصلاة قبل وقتها، ويجلسون في المقاهي الرسمية بوقار ينتظرون الأذان، يجب على شبابنا اليوم أن يصنعوا وقارهم الخاص وسط هذا الزحام الرقمي والمادي.

وهكذا، تُطوى صفحة من صفحات جهاد ليلى ويوسف، لتبدأ صفحة جديدة في الغد، بمعارك جديدة، وانتصارات تليق بشباب آمنوا بربهم فزادهم هدى.

هل جربت يوماً أن تتخذ خطوة عملية بسيطة، كشراء سترة صلاة للجيب أو تغيير عادات نومك، لتنتصر على خديعة "التأجيل"، وكيف أثر ذلك على التزامك؟
                       
×
يتم التحقق من حالة حسابك..
مرحباً بك في شركاء Novlay
حسابك الآن موثق كشريك رسمي. هذه مميزاتك:
إغلاق الروايات إجعل رواياتك حصرية بمقابل مادي يحدده المشتري.
فصول خاصة فصولك متاحة فقط لمن يشتري الرواية كاملة.
أرباح مضمونة تحصل على أرباحك بشفافية عبر وسيلتك المفضلة.
تحكم كامل إدارة تسعير رواياتك ومتابعة مبيعاتك بسهولة.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياً

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياً. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.

رصيدك الحالي
شحن الرصيد
سحب الأرباح
100
10 ج.م
+50 بونص
350
30 ج.م
+150 بونص
650
50 ج.م
توفير!
1500
100 ج.م

كل 1000 عملة = 70 ج.م

Novlay Ad