الفصل الخامس عشر: المجنون الوفي | رجال بلا هوية
الفصل الخامس عشر: المجنون الوفي
.........
عاد الفرح بالنصر باهتًا في القصر، مطفأً تحت ثقل غياب لم يستطع أحد تجاوزه. رغم عودة ليث سالمًا، ورغم انتصار البلاد الكامل على المعتدين، ظل حزن عميق يخيم على كل زاوية من القصر، حزن لا تخففه أي كلمة تعزية أو أمل معلن. جلست نجية أيامًا طويلة تدعو بصمت، ونوران توقفت عن ابتسامتها المعتادة، ويوسف وأدم وأدهم غرقوا في العمل بصمت ثقيل، كأن كل واحد منهم يحاول الهروب من الحزن بالانشغال. حتى أهالي حي العقرب وجزيرته ومدينة الفرسان، الذين كانوا يحتفلون بالأمس بانتصار البلاد، تحول فرحهم إلى قلق صامت على القائد الذي أنقذ حياتهم يومًا.
أما خلود، فقد بدت الأكثر تأثرًا بين الجميع، رغم محاولاتها المستمرة لإخفاء ذلك. توقفت عن مزاحها المعتاد تمامًا، وأصبحت تقضي ساعات طويلة صامتة، تنظر من نافذة غرفتها نحو الطريق المؤدي للقصر، كأنها تنتظر معجزة لا تجرؤ على تسميتها بصوت عالٍ.
لكن يونس، وحده بين الجميع، رفض أن يصدق أن حمزة قد مات أو اختفى إلى الأبد. كان يشعر، بحدسه الغريب الذي عرفه عنه إخوته منذ سنوات، أن أخاه الأكبر لا يزال على قيد الحياة في مكان ما، وأن الاستسلام للحزن كان خيانة لهذا الشعور الذي رفض أن يهدأ في صدره.
في ليلة هادئة، من غير أن يخبر أحدًا، خرج يونس من القصر، حاملاً حقيبة صغيرة وقلبًا مليئًا بيقين لا يمكن تفسيره منطقيًا، متجهًا نحو آخر مكان سمع فيه عن وجود حمزة قبل اختفائه، تاركًا خلفه رسالة قصيرة على مكتبه لم يجدها أحد إلا بعد أيام: “هروح أدور عليه. متقلقوش، هرجع لما ألاقيه”.
استمر يونس في البحث أكثر من عام كامل، يتنقل بين مدن وقرى ومعسكرات نازحين، يسأل كل من يقابله، يتبع كل شائعة ضعيفة، ويتحمل كل خيبة أمل بصبر لم يعرفه أحد فيه من قبل. باع بعض ما كان يحمله من مقتنيات شخصية ليغطي تكاليف السفر المستمر، ونام في محطات قطار مهجورة أكثر من مرة، وتحمل جوعًا حقيقيًا لأيام كاملة في بعض الأحيان، من غير أن يفكر يومًا في التوقف أو العودة خالي الوفاض.
طالت لحيته حتى غطت أغلب وجهه، وتغيرت ملامحه تمامًا تحت وطأة السفر المتواصل والجوع المتكرر والنوم في العراء أكثر من مرة، حتى لو كان أحد أقرب الناس إليه يمر بجانبه في الشارع، ما كان تعرف عليه بسهولة. اختفت ابتسامته المعتادة، تلك التي عرفها الجميع طوال سنوات كعلامة فارقة له، وحلّ محلها تعبير جاد صامت، لكن عينيه ظلتا تحملان نفس اليقين الثابت الذي بدأ رحلته به.
أصبحت الدنيا، في نظره، صغيرة جدًا مقارنة بحجم البحث الذي يخوضه، لا يهمه مسافة أو خطر أو تعب، فقط إيجاد أخيه. سأل عمال موانئ، وجنودًا متقاعدين، وسائقي شاحنات عابرين للحدود، وأصحاب مقاهي في مدن نائية لم يسمع بها من قبل، يحمل معه صورة قديمة لحمزة يظهرها لكل من يقابله بأمل متجدد كل مرة، رغم خيبات الأمل المتكررة.
بعد عام ونصف من البحث المتواصل، وصله خبر من أحد المهربين في منطقة حدودية بعيدة عن وجود رجل يطابق أوصاف حمزة، معتقل في سجن نائٍ سيئ السمعة، وأمامه أسبوع واحد فقط قبل تنفيذ حكم إعدام صادر بحقه بتهم ملفقة.
اتصل يونس فورًا بالمجموعة، بيد ترتجف من فرط الأمل والتوتر معًا، بعد أن استعار هاتفًا من صاحب مقهى صغير قرب الحدود، متذكرًا لأول مرة منذ شهور طويلة رقم أخيه ليث الذي حفظه عن ظهر قلب منذ سنوات.
في تلك اللحظة بالذات، كانت المجموعة تعيش أزمة مضاعفة لم يعرف عنها يونس شيئًا. فبعد اختفائه المفاجئ من القصر من غير أي كلمة، ظنوا في البداية أنه ذهب في رحلة قصيرة ليهدئ حزنه، لكن الأيام تحولت لأسابيع، والأسابيع لشهور، من غير أي خبر عنه، حتى أصبح الفقيد الواحد فقيدين، وتحول قلق العائلة على حمزة إلى قلق مضاعف بحثًا عن الاثنين معًا.
حين رن هاتف ليث بمكالمة من رقم غريب، وسمع صوتًا أجش متعبًا يقول: “ليث، أنا يونس. لقيت حمزة”، شعر ليث لوهلة أن قلبه توقف عن النبض من فرط المفاجأة.
“يونس؟! إنت فين؟ إحنا بندور عليك من شهور!” صرخ ليث بصوت مرتجف، وهو يستدعي الباقين بحركة يده المذعورة.
“محتاج أشرح كتير، بس مفيش وقت” رد يونس بسرعة. “حمزة معتقل، وأمامه أسبوع بس على الإعدام. لازم تيجوا فورًا”
انتفض القصر كله كقنبلة انفجرت في لحظة واحدة. تحول الحزن الثقيل الذي خيم لأشهر إلى حركة سريعة محمومة، وانطلق ليث وياسين وأدم وأدهم في ساعات قليلة نحو الموقع الذي حدده يونس، محملين بكل ما يحتاجونه من عدة وأسلحة وخطة سريعة أعدوها خلال الرحلة نفسها.
وصلوا إلى المنطقة الحدودية النائية بعد رحلة شاقة، ليجدوا يونس في انتظارهم، لحيته الطويلة ووجهه المتغير جعلا أدهم يحتاج لحظة كاملة قبل أن يتعرف عليه بشكل مؤكد.
“يا يونس… إنت فعلاً…” بدأ أدهم بصوت مخنوق بالعاطفة، غير قادر على إكمال جملته من التأثر.
“مفيش وقت للعواطف دلوقتي” رد يونس بجدية لم يعرفوها فيه من قبل بهذا العمق. “عايزين نتحرك بسرعة وبسرية تامة”
خططوا بدقة خلال ساعات قليلة، مستفيدين من معرفة يونس التفصيلية بالمكان التي جمعها خلال أسابيع من المراقبة الصامتة، خريطة السجن، مواعيد تبديل الحراسة، ونقاط الضعف في السور الخارجي. نفذوا عملية تحرير سريعة ومحسوبة بدقة تحت جنح الظلام، تسلل أدهم أولاً لتعطيل كاميرات المراقبة، بينما تحرك أدم بخفة نحو البوابة الجانبية، وانتظر ياسين وليث في السيارة المعدة للهروب السريع. تمكنوا من إخراج حمزة من زنزانته قبل ساعات قليلة من موعد إعدامه المقرر، من غير أي إطلاق نار أو ضجيج يفضح تحركهم.
كان حمزة، حين رآهم، نحيلاً بشكل مقلق، وجهه يحمل أثر شهور من الأسر القاسي، عيناه غائرتان من قلة الطعام، لكن عينيه احتفظتا بنفس البريق الحاد الذي عرفه فيه إخوته دائمًا. عانق كل واحد منهم بصمت طويل، ثم توقف عند يونس، ونظر إليه بتأثر عميق لم يخف كلماته: “إنت اللي وصلت لي. إنت اللي ما استسلمتش”
“قلتلك من الأول، إحنا عائلة، والعائلة هي كل شيء” رد يونس بصوت مرتجف، وهو يعانقه بقوة، دموع لم يستطع كتمها تنزل على وجهه المتعب.
“لحيتك دي خلتني ماعرفتكش لوهلة” قال حمزة بضحكة تعبة، محاولاً كسر ثقل اللحظة بلمسة من مرحه المفتقد.
“دي مش لحية، ده دليل على وفاء، اعتبرها وسام شرف” رد يونس بابتسامة أولى منذ شهور طويلة، ابتسامة عادت أخيرًا لملامحه بعد كل هذا الوقت.
اكتشف حمزة، بعد أن استعاد بعض قوته خلال الرحلة، أن أسره لم يكن نتيجة معركة عادية، بل خيانة مدبرة من بعض الحاقدين عليه داخل الجيش نفسه، ممن غاظهم صعوده السريع وشهرته المتصاعدة، وقرروا التخلص منه بتسريب موقعه للعدو خلال إحدى العمليات الحساسة. أصر حمزة أن يعود أولاً إلى مقر القيادة قبل التوجه لأجيادا، ليكشف الحقيقة كاملة ويحاسب الخونة بيده، وهو ما حدث بالفعل، وسط تحقيق سريع كشف تفاصيل المؤامرة كاملة، وعقاب صارم نال كل من تورط فيها أمام القيادة العليا نفسها.
بعد ذلك، انطلق الموكب عائدًا نحو أجيادا، وفي طريقه، خرجت كل مدينة يعبرها الموكب لاستقبال حمزة كأنه ملك عائد من غيابه، تحتفي بعودته وتشيد بوفاء يونس الذي رفض أن يستسلم للحزن، وانتشرت قصة “المجنون الوفي” الذي بحث عن أخيه أكثر من عام بلا كلل، في كل مكان عبرت به قوافل الاحتفال. رُفعت أعلام، ووُزع الحلوى في الشوارع، وغنى الأطفال أهازيج ارتجالية عن “الفرسان الستة” وعن “المجنون الذي لم يبكِ ولم يستسلم”.
تحدثت الصحف والقنوات الإخبارية عن القصة بتفاصيلها الكاملة، وأصبح اسم يونس، الذي عُرف طوال حياته بخفة دمه ومزاحه المستمر، مرادفًا للوفاء الحقيقي في كل بيت تقريبًا في البلاد. حتى القادة العسكريون الذين تعاملوا معه أثناء عملية التحرير، وصفوه بأنه “نموذج نادر لولاء لا يُشترى بمال ولا يهزه زمن”.
حين وصل الموكب أخيرًا إلى أجيادا، كانت المدينة كلها في استقبالهم — حي العقرب، وجزيرة العقرب، ومدينة الفرسان، جميعها احتفلت في وقت واحد، أعلام وزغاريد وأهازيج فرح لم تشهدها أجيادا من قبل بهذا الحجم. أُقيمت موائد طعام مفتوحة في كل الأحياء الثلاثة، وأضيئت المساجد والمباني بأضواء احتفالية استمرت لثلاثة أيام كاملة.
وقفت خلود عند بوابة القصر، تنتظر مثل الجميع، قلبها ينبض بسرعة لا تستطيع التحكم فيها، لكن حين رأت حمزة أخيرًا ينزل من السيارة، حيًا، سالمًا، رغم كل النحول والتعب الظاهر عليه، انفجرت في فرح لم تعرف مثله في حياتها، ركضت نحوه من غير تفكير، وعانقته بقوة أمام الجميع، من غير أي محاولة لإخفاء دموعها هذه المرة.
“ما كنتش هستسلم للفكرة إنك مش راجع” قالت بصوت مرتجف، وهي لا تزال تحتضنه بقوة.
ابتسم حمزة، ابتسامة تعبة لكنها حقيقية تمامًا، وقال بصوت هادئ: “وأنا ما استسلمتش لفكرة إني مش هشوفك تاني”
نظرت نجية إلى المشهد بدموع فرح صامتة، ونوران أمسكت بيد ياسين بابتسامة عريضة، وحتى أدم وأدهم، بكل صلابتهما المعتادة، لم يستطيعا كتم تأثرهما العميق. أما يونس، فقد وقف قليلاً بعيدًا، يراقب المشهد بابتسامة رضا هادئة، سعيدًا بنتيجة رحلته الطويلة أكثر من أي تقدير حصل عليه.
نظر الجميع حولهما بصمت مبتسم، وسط فرح شامل غطى المدينة بأكملها، فرح لم يكن فقط بعودة قائد، بل بانتصار الأمل والولاء على كل ظلام حاول يومًا أن يبتلع عائلة بُنيت من ألم قديم، وتحولت، رغم كل شيء، إلى أسطورة حقيقية يتحدث عنها الناس في كل مكان، من حي العقرب الصغير الذي بدأت منه القصة، إلى مدينة الفرسان الكبيرة التي تحمل اليوم اسمهم بفخر لا يُنسى.