سُم العشق: هدوء قبل العاصفة
هدوء قبل العاصفة
هذه الرواية بشعة لكل شخص يريد ان يعرف معنى الحب ويخوض التجرية ... هل تثق في من تحب؟ هل فعلا تحبه؟ لنرى إن كانت نضرتك ستتغير بعد هذه الرواية أم لا
شتاء 1978
كانت الفرحة تتفجّر في صدر "توماس زيلنسكي" كما تنفجر ينابيع الربيع بعد شتاءٍ طويل. فقد جاءه الخبر الذي انتظره أعوامًا: قُبِل طلبه للدراسة في إحدى أرقى جامعات إسبانيا للفنون. ها هو ذا يقف على أعتاب حلمه الكبير، آخر خطوةٍ تفصله عن أن يصير الاسم الذي تُضاء له المسارح وتُصغي له القلوب، أفضل عازف بيانو في جيله.
ودّع توماس عائلته وقد امتزجت الدموع بالابتسامات، ثم مضى نحو المطار بخطواتٍ تشبه النغمات الأولى في معزوفة المجد. كان قلبه يخفق بشوقٍ لبلاد الأندلس، لروائحها التي تشبه الحنين، ولأضواء مدريد التي لا تنام. تخيّل نفسه بين المدرّجات البيضاء لـ"البرنابيو" يهتف "للميرنغي" كما يحلم كل عاشقٍ لكرة القدم، ثم بين مقاعد "الكامب نو" حيث العظمة تُعزف كما تُعزف الألحان.
ولم يكن حماسه للحياة الجامعية أقلّ صخبًا من حماسه للفن. فكما كلّ شابٍّ في مقتبل العمر، أطلق لخياله العنان في رسم ملامح الفتيات الإسبانيات الجميلات، وتخيّل قلبه يستقرّ أخيرًا بين يدي فتاةٍ تفيض أنوثةً ودفئًا. فتاةٍ تؤمن به كما يؤمن هو بنغمةٍ يولد منها الخلود، تشاركه الطموح وتدفعه نحو القمة، ليبنيا معًا عائلةً صغيرة تشبه لحنًا نقيًّا من الحلم.
أثناء التحليق، كانت الطائرة تشقّ طريقها بهدوءٍ في فضاءٍ غارقٍ بالسكينة، بينما غفا أغلب المسافرين على أنغام المحرّكات المنتظمة. وحده توماس ظلّ مستيقظًا، يحدّق في النافذة، وعيناه تلاحقان الغيوم المضيئة تحت جناح الطائرة. كان ذهنه يغوص في دوّامةٍ من الأفكار، ينسج لنفسه مشاهد كثيرة حول المستقبل الذي ينتظره.
كان يتخيّل شكل حياته القادمة، تلك الحياة التي سيصنعها بيده بعيدًا عن القيود القديمة. سيستيقظ متى يشاء، ويخرج متى يريد، ويسهر في أي مكانٍ يختاره، دون مكالماتٍ متكرّرة أو أسئلةٍ لا تنتهي من والده. أراد أن يتنفس بحريةٍ كاملة، أن يعيش لحياته وحده دون خوفٍ أو حسابٍ لأي أحد.
كان يحلم بحياةٍ يسكنها على هواه، حياةٍ تتّسع لأخطائه كما تتّسع لأحلامه، لا سلطة فيها تُحاكمه، ولا صوت فوق صوته. شعر في تلك اللحظة بأنّ كل ميلٍ تقطعه الطائرة يُقرّبه من حريته، وأنّ الغيوم التي تمرّ من حوله ليست سوى ستائر بيضاء تُخفي خلفها بداية عالمٍ جديد ينتظره بشغف...
وفي الجهة الأخرى من المدينة، في حيٍّ متواضعٍ من “تاونزجوي”، جلس بيتر ولسون أمام شاشة حاسوبه القديم، وقد أرهقته أعوامٌ من البحث عن فرصة عملٍ تليق بقدراته. كانت عيناه تحدّقان في إشعارٍ إلكتروني وصل تواً إلى بريده، لكن قلبه لم يجرؤ بعد على التصديق. ضغط بيده المرتجفة على الرسالة، لتتفتح أمامه الكلمات التي طالما حلم بقراءتها:
"يسرّ شركة "غروبو سولارتيك" الإسبانية، الرائدة في مجال الطاقة المتجددة، أن تُعلن قبولكم رسميًا في وظيفة مهندس طاقة شمسية ضمن فرعها بمدينة فالنسيا. لما تتميزون به من خبرة تقنية وكفاءة عالية، يشرفنا ضمّكم إلى طاقمنا ابتداءً من الشهر القادم، مع توفير راتبٍ مجزٍ وسكنٍ في الحي الجامعي الجديد"
قرأ بيتر الرسالة مرارًا، وكأنّها لحنٌ سماويّ يعيد الحياة في عروقه. لطالما حلم بالعمل في مجالٍ يُحدث فرقًا حقيقيًا في العالم، والآن بات جزءًا من مشروعٍ يغيّر وجه الأرض. ابتسم ابتسامةً ثقيلة بالانتصار، نهض عن كرسيه، وأخذ يتمشّى في الغرفة الضيقة بخطواتٍ متسارعة. وكعادته، شعر "بيتر برغبة جامحة في أن يشارك حبيبته مونيكا الخبر، خليلته التي كانت دومًا أول من يخطر بباله حين يطرق قلبه الفرح. أمسك هاتفه، كتب رقمها الذي ينساب في ذاكرته كما تنساب هي في تفاصيل حياته، ثم توقّف. ارتسمت أمام عينيه صورتها في المقهى، ترتدي زيّ العمل، تنحني برقة لتسكب القهوة، تبتسم لزبون، وترد على آخر، مشغولة بكل تفاصيل عملها. ثم أدرك أن الاتصال بها وهي منهمكة في عملها لن يمنح الخبر حقّه، ولن يترك في قلبها الفرحة التامة التي يستحقها. الخبر يحتاج إلى حضورها الكامل، إلى صمتٍ هادئ، إلى عيون تلتقيه بحب وشوق، إلى لحظة يعيشانها معًا، بعيدًا عن ضوضاء الحياة، حيث يصبح للخبر معنى، وللفرح صدى خالد في ذاكرتهما معًا.
وبسرعةٍ فائقةٍ ممزوجةٍ بروح السعادة والشوق، حجز بيتر طاولةً متواضعة في أحد المطاعم الراقية وسط المدينة. كان قلبه يخفق على إيقاع الانتظار، فيما أصابعه تكتب رسالةً قصيرة إلى مونيكا يقول فيها:
«عزيزتي، أرجو أن نلتقي الليلة في المطعم الذي التقينا فيه أول مرة... أرجوكِ أن تحضري، الموضوع مهمّ جدًّا... أحبكِ.»
ثم نهض بخفةٍ لا تليق بعمره، واندفع نحو جهاز الفونوغراف، ووضع أسطوانة قديمة لموسيقى الديسكو. ارتفع الصوت في الغرفة، فراح يرقص ويغنّي بمرحٍ طفوليّ، كمن استعاد فجأة كل سنوات شبابه المنسية. كان وجهه يضيء بابتسامةٍ صادقة، وعيناه الرماديتان تتلألآن ببريقٍ لم يعرفه منذ زمن طويل.
وقف أمام المرآة طويلاً، ثم فتح خزانته واختار بعنايةٍ طقمه المفضّل — بذلةٌ سوداء أنيقة تكشف عن كتفين عريضين وتُخفي توترًا داخليًّا لا يُطاق. ربطةُ عنقٍ حمراء تشبه جمرةً معلّقة على صدره، وقميصٌ أبيض ناصع يزيده وقارًا وأناقة.
مشّط شعره الكثيف إلى الخلف، فبانت ملامحه الحادّة التي تجمع بين الجدّ والرهافة، بين رجلٍ يتهيأ لموعدٍ مصيريٍّ وبين عاشقٍ يحاول أن يُخفي رعشة قلبه خلف مظهرٍ متماسك.
مدّ يده إلى زجاجة عطرٍ قديمٍ كانت مونيكا قد أهْدَتْه له في عيد ميلاده، رشّ منه على عنقه ومعصميه، فأحاطه عبيرها وكأنها كانت معه في الغرفة، تراقبه وتبتسم.
حلّ المساء، والمدينة تتهيأ للنوم تحت أغطية الأضواء الخافتة، فيما كان بيتر يعدّ الدقائق بفارغ الصبر. وصل إلى المطعم قبل الموعد بوقتٍ طويل، جلس على الطاولة التي تطلّ على النهر، أمامه باقة وردٍ صغيرة اختارها بنفسه، ألوانها تشبه فوضى قلبه: أحمر للحبّ، وأبيض للسلام الذي يفتقده، وزهريّ للحنين الذي لا يفارقه.
وبينما كان الليل يسدل ستاره الأسود على الوجوه والأصوات، دخلت مونيكا…
كانت كأنّها قصيدةٌ تمشي، بلونٍ لا يكتبه سوى الشغف.ارتدت فستانًا أحمر من حريرٍ خالص، يلتفّ حول جسدها بانسيابٍ ساحر، كأنّ النار قد لبست هيئة امرأة. خصرها النحيل بدا كخيطٍ يشدّ الجمال كله إلى نقطةٍ واحدة، وساقاها تبرزان مع كل خطوةٍ بخفّةٍ تشبه رقص الضوء على سطح الماء.
شعرها الأشقر الطويل انسدل على كتفيها كأمواجٍ من ذهبٍ منصهر، تتراقص خصلاته كلّما حرّكت رأسها، فيبعث الضوء من حولها كأنها شمسٌ نزلت لتتعشّى.
أما عيناها، فكانتا بلون البحر ساعةَ الغروب زُرقةٌ عميقةٌ تتقاطع فيها الرغبة بالحزن، وفي بريقهما وعدٌ صامتٌ لا يُفسَّر. شفاهها الحمراء ترتجف بخفةٍ كزهرة رمانٍ تفتّحت تواً، وإذا ابتسمت شعرت أن في فمها سرّ الخلود.
سارت بخطواتٍ واثقة، كأنها تعبر قاعةً من الزمن لا مطعمًا من الخشب، كانت كل العيون تتبعها، وكل الأصوات تتراجع أمام هيبتها الناعمة. عقدٌ من اللؤلؤ يحيط بعنقها كدائرةٍ من الضوء، وحذاءٌ أسود لامع يطرق الأرض برقةٍ موسيقيةٍ تنبّه العاشقين.
وحين وقعت عينا بيتر عليها، كاد يفقد توازنه. نهض واقفًا مذهولًا، وقد تراجع الهواء من حوله خجلًا من سطوة حضورها.
